لا تُقرأ مصادقة المجلس الوزاري الإسرائيلي المُصغَّر (21 ديسمبر/ كانون الأول الجاري) على خطّة إضفاء الصفة القانونية على 19 مستوطنة في الضفة الغربية بوصفها إجراءً إدارياً؛ إنما هي خطوة “حسم” تُقدِّم للعالم نتيجةً جاهزةً، وتطلب منه التسليم بها واقعاً جديداً. يرفع القرار عدد المستوطنات في الضفة إلى نحو 210 مستوطنات، ضمنها اثنتان أُخليتا عام 2005. هذا ليس تفصيلاً زمنياً؛ إنه إعلانٌ بأن القوة تتيح التراجع عن أيّ انسحاب، وأن الأخيرَ استثناءٌ بينما الاحتلال هو القاعدة، سيّما أن الخطّة الإسرائيلية تشمل توسيع نطاق الاستيطان وتعزيز الوجود الإسرائيلي في مناطق عدّة بالضفة.
وما هو أخطر من الأرقام آلية الشرعنة؛ فكثير من المستوطنات تبدأ بؤراً صغيرة تُقام خلافاً لـ”القانون الإسرائيلي” نفسه أحياناً، ثم تتحوّل تدريجياً إلى أمر واقع محميّ بالقانون، لتُستكمَل الحلقة بالاعتراف الرسمي والبنية التحتية. في هذه الدورة، لا يضبط القانون سقف السياسة، وإنما يُختزل في مصادقة لاحقة على ما صار أمراً واقعاً: بؤرٌ غير قانونية تعود وتتمدّد بعد إخلائها، وتُغذّيها تمويلات خاصّة وخطاب “المواقع الاستراتيجية”، بينما تتحوّل “الدولة” من “حَكَمٍ” إلى جهة تضمن حماية تلك المواقع.
لا تُرسم الخرائط بقلم قانون الاحتلال وحده، فهناك “اقتصاد العنف الاستيطاني”: هجمات وإحراق وترويع وضغط على تجمّعات فلسطينية وبخاصّة البدو، ثم نزوح “طوعي” تحت ضغط إرهاب المستوطنين وجنود الاحتلال… بعده يأتي التوسّع حلّاً أمنياً أو تنظيماً إدارياً. وقد وثّقت “رويترز” في 2025 ارتفاع العنف الاستيطاني (أكثر من 750 إصابة فلسطينية)، وإقامة 80 بؤرة جديدة خلال العام نفسه (الأعلى على الإطلاق وفق حركة السلام الآن). وبينما يجري الحديث عن مساعٍ لتثبيت هدنة غزّة أو جولةٍ جديدةٍ من التهدئة في القطاع، تعاد صياغة الضفة يومياً لإفراغ أيّ “تسوية” مستقبلية من مضمونها. وحتى من داخل المعسكر الإسرائيلي الحاكم، يتحدّث وزراء نافذون عن تحويل “الإدارة” إلى “سيادة”. وتلفت “رويترز” إلى أن الحكومة اليمينية الحالية وافقت على نحو 51.370 وحدة سكنية منذ أواخر 2022، ما يعني أن التوسّع لم يعد هامشاً، بل سياسة عامة.
لا يمكن التوقّف عند الأرقام فقط (على فداحتها)، هناك أيضاً تجاهل لما يمكن أن يسمّى “الأثر الهندسي”، فليس عدد المستوطنات المشكلة الوحيدة، بل أيضاً (وغالباً) في كيفية تقطيع الأرض ليتحول المجال الفلسطيني إلى جزر متباعدة. ووفقاً لحركة “السلام الآن”، فإن نحو نصف مليون مستوطن يقيمون في مستوطنات الضفة المحتلة، في حين يقيم نحو 250 ألف مستوطن في مستوطنات أقيمت في أراضي القدس الشرقية (في مصادر أخرى تقترب الأرقام من 700 ألف في الضفة والقدس الشرقية معاً)، والتصريح الذي يكشف القصد السياسي العميق من دون مواربة ليس إلا تحصيل حاصل: “الدولة الفلسطينية تُمحى من على الطاولة، ليس بالشعارات، بل بالأفعال”… هذا تصريح لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش (أغسطس/آب 2025)، تعليقاً على واحدة من الخطط الاستيطانية. تصريحاتٌ على هذه الشاكلة تُقدّم مفتاحاً للفهم: الاستيطان توسّعً، لكنّه أيضاً مشروع بديل من الحلّ، حلٌّ أحادي يكتب الجغرافيا فيلغي السياسة، ويطالب العالم بالتكيّف مع “نتيجة” صُنعت عمداً. صحيح أن إسرائيل تسعى إلى هزيمة فكرة الدولة الفلسطينية برفضها سياسياً، لكنّها بالتوازي تفرّغها ديموغرافياً، فتصبح شعاراً يفتقد أرضاً متّصلة.
هكذا يفاوض الاستيطان الفلسطينيين بشأن فكرة الدولة: يضع الشروط على الأرض ليفرض على الجميع مناقشة التفاصيل. هناك انتقادات دولية متصاعدة لسياسات التوسّع الاستيطاني التي تُعدُّ مخالفةً للقانون الدولي، وسط تحذيرات من تداعياتها على فرص الحلّ السياسي وإقامة دولة فلسطينية مستقلّة. ويوم الأربعاء الماضي، أدانت 14 دولة (منها دول وازنة في المجتمع الدولي) الخطوة بوصفها تقوّض حلّ الدولتَيْن و”تهدّد الاستقرار”، مطالبةً إسرائيل بالتراجع. لكن إذا كان العالم يريد فعلاً إنقاذ حلّ الدولتَيْن، فعليه أن يفهم أن المشكلة لم تعد في غياب المفاوضات، بل في أن خرائط الاحتلال تفرض الصفقة، وبعدها تبرّر السياسة ما حدث. الإدانة التي لا تترجم إلى إجراءات رادعة ليست أكثر من شعار أخلاقي في لافتات معلّقة فوق ورش بناء إسرائيلية تستمرّ في عملها.
العربي الجديد