في عالمنا المعاصر، لم يعد الصراع محصورًا بين الخير والشر بمفاهيمهما التقليدية، بل بات محكومًا بصراع أكثر تعقيدًا بين “وظيفة الفضيلة” و”كفاءة المنفعة”. بينما ننفق عقودًا في نقد الشركات والجيوش بوصفها كيانات “شريرة” تحركها الأطماع، نغفل عن تشريح الكيانات “الخيرة” التي تعتاش على إدارة بؤسنا وتحويل أزماتنا إلى بيئات عمل مستدامة. هذا المقال يحاول استكشاف لحظة الحقيقة الراهنة: لماذا أصبح الدفاع عن “نمط العيش” أهم من الدفاع عن “الوطن”؟ وكيف تحوّل الإنسان من مواطن يملك إرادته، إلى مجرد أداة صيانة لشبكات أمان تزداد هشاشة كلما تضخم ادعاء حمايتها؟
لا تعمل منظمات المجتمع المدني والكيانات الاعتبارية “الخيّرة” بمنطق “الغاية النبيلة” (مساعدة المحتاجين)، بل بمنطق الاستدامة المؤسسية. ولهذا تنشأ طبقة من “الموظفين المتنعمين” الذين يعيشون في رفاهية داخل منطقة الأزمة. هؤلاء لا يشاركون في ظروف المحتاجين، بل يستفيدون من صناعة المعاناة كمصدر رزق. وهذا يخلق تناقضًا: المؤسسة تحتاج إلى استمرار البؤس لاستمرار وظيفتها ودوام امتيازات موظفيها. وغالبًا ما يصبح دور الموظف في هذه الجمعيات أقل تعلقًا بإيصال المساعدات للمستحقين، بل يكاد ينحصر بتنظيمها والسيطرة عليها (حجب المساعدات عمن يُظن أنه لا يستحقها). وهذا يحول المساعدة من حق إلى امتياز مشروط يُمنح من الكائن الاعتباري “الخيّر”، الذي هو الجمعيات غير الحكومية في هذه الحال، مما يجعل سلطة هذه الجمعيات على المحتاج أشد أثرًا من معظم السلطات الأخرى.
ولعل أسوأ ما يمارسه الكائن الاعتباري “الخيّر” هو قدرته على تبييض صورة النظام الرأسمالي الذي يكون هو سبب المشكلة في كثير من الأحيان. فينحصر عمله بمحاولة إدارة الأزمة بدلًا من حلها، ومعالجة أعراض الفشل (الفقر، الكوارث، الحروب)، دون المساس بالأسباب البنيوية (الاستغلال، السوق غير المنظّمة، إدارة الصراعات وتغذيتها). وتكاد تكون وظيفة هذه الجمعيات الأشد وضوحًا هي تقديم التطمين الأخلاقي للطبقات الغنية والشركات المانحة في الخارج، وإعفاء القادرين في الداخل من حظهم في المساهمة في إيجاد حلول للأزمات، مما يحرر هذه الفئة الخارجية وتلك الداخلية من الشعور بالمسؤولية حيال النظام الكلي. وبالطبع فإن هذه المؤسسات “الخيّرة” لا تطالب بتغيير النظام السياسي، بل تتواطأ معه في غالب الأحيان، وتسعى لأن تحل محل الدولة “المحلية” في تقديم الخدمات. وهي أيضًا تمارس منطق الكتمان الإداري والهيمنة على الموارد الذي تمارسه الدولة، إنما هذه المرة وهي ترتدي قناعًا أخلاقيًا. والأخطر من هذا كله أن هذه الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية تبدو محصنة أمام النقد والمساءلة، لأنها تخفي سلطاتها تحت رداء الفضيلة، بعكس الكيانات الاعتبارية “الشريرة” المتمثلة بالشركات الكبرى والجيوش، والتي تُحاسَب على ربحها وخسارتها، وتعمل بمنطق المنفعة الذاتية والمحافظة على السلطة التي تملكها من دون أي التباس أخلاقي أو خطابي.
ثم إن الكيان الاعتباري “الشرير” ليس شريرًا تمامًا، إلا بمقدار ما هو متطلب. الهاتف الذكي لا يقبل أن ينتشر إلا في منطقة تنعم بالخدمات الأساسية، ويعيش أهلها حالًا من الوفرة تؤهلهم لشراء المنتج وما يأتي معه (التطبيقات). المصرف أيضًا يريد استقرارًا ونشاطًا اقتصاديًا ناهضًا ومزدهرًا، وإلا لن يستطيع أن يُقرض من لن يتمكن من سداد القرض.
وبالتالي، مشكلة الكيان الاعتباري “الشرير” أنه يحصّن الحياة من الأخطار ويحمي الناس من الغوائل، فقط إذا كان الناس المستهدفون من هذه الخدمات يستطيعون دفع تكاليفها. في حين أن الكيان الاعتباري “الخيّر” يعمل في المناطق التي لا يتمتع سكانها بهذه الامتيازات، لكنه يتمتع بها. إنه بشكل ما يوزع الفضلات التي تُتلفها المجتمعات المزدهرة على تلك المجتمعات.
والمعنى أن الأزمات المعاصرة حين تحل في منطقة ما، لا تكون قابلة للمعالجة إلا إذا كانت هذه الخدمات “الشريرة” موجودة وقادرة على الاستمرار. أما حين تصبح هذه المؤسسات خارج متناول السكان، وباقية فقط في يد الكيانات الاعتبارية “الخيّرة” (الصحافي أو الناشط أو موظف الأمم المتحدة)، فإن المقيم في منطقة الأزمة لا يعود مهتمًا أصلًا بكل ما تمنحه تلك المؤسسات الشريرة من خدمات. كل ما يطلبه هو البقاء على قيد الحياة وإيجاد قوت يومه. وهذا يشير إلى واقع مستجد يؤكد أن العالم اليوم أصبح هشًا إلى درجة مريعة، ولا تفعل كل هذه المؤسسات والسلطات إلا محاولة منعه من التلاشي، عبر إنشاء شبكات أمان أكثر هشاشة من التي سبقتها، وتحتاج لرعاية أشد من تلك التي كانت سائدة من قبل. في الخلاصة، البشر مقبلون، عاجلًا أو آجلًا، لأن يصبحوا مجرد خدم لتشغيل شبكات الأمان هذه وإبقائها محمية. لقد انتهى زمن الدفاع عن الأوطان وحل محله زمن الدفاع عن خياراتنا الاستهلاكية، والموت من أجلها.
فالقدرة على معالجة أي أزمة أصبحت مرتبطة بوجود الخدمات “الشريرة” وفاعليتها (التي تتطلب استقرارًا وتفرض امتثالًا)، مثل شبكة الكهرباء، الاتصالات، الإعلام العابر للحدود. وتوافر هذه الامتيازات، وقدرة هذه الشركات على ممارسة نشاطها بحرية، هو ما يمنح أي أزمة طارئة صفة “الواقع القابل للتعامل معه”. أما حين تغيب هذه الخدمات، وينحسر نشاط هذه الشركات، وتتزايد أنشطة الكيانات الاعتبارية “الخيّرة”، فإن الأزمة تتحول إلى مأزق غير قابل للمعالجة. كما لو أن أي ارتفاع ملحوظ في أنشطة الكائنات الاعتبارية “الخيّرة” في أي منطقة في العالم يعني أن هذه المنطقة دخلت في موتها السريري، ولم يعد ثمة فيها ما يمكن إصلاحه. والمطلوب فقط هو تطويل زمن معاناتها ما أمكن. وهذا ينسجم تمامًا مع السياسة العامة التي تُدار في معظم أرجاء الكرة الأرضية، والتي لم تعد تهدف لبناء عالم مستقر، بقدر ما تهدف لمنع عالم هش من التلاشي، عبر تناسل شبكات أمان من بعضها، وتكاثرها على نحو لا راد له. وهذا في حد ذاته يشير، بلا لبس، إلى أن الأمان وتطلبه أصبحا سلعة مكلفة معروضة في السوق، وتتطلب صيانتها مزيدًا من الكلفة قد تفوق في كثير من الأحيان ما تحققه من فائدة.
هل يمكن انطلاقًا مما تقدم أن نفترض أن المواطن الحر والفرد أصبح على شفير التلاشي؟ الأرجح أن نعم، لقد تحول المواطن إلى تابع لهذه الشبكات التي تسوّق قدرتها على التأمين، ولن يطول الوقت حتى يصبح مجرد خادم لتشغيل شبكات الأمان هذه وإبقائها محمية ومصانة. ببساطة، يبدو أن الإنسان في طور التحول من مستفيد من النظام، إلى مجرد أداة صيانة وامتثال للنظام الذي وُلد ليحميه ويخدمه. ومع نهاية المواطن، من المرجح أن ينتهي زمن الدفاع عن الأوطان، ليحل محله زمن الدفاع عن خياراتنا الاستهلاكية، وربما الموت من أجلها. وفي المستقبل القريب لن تشتعل الحروب دفاعًا عن الجغرافيا أو الأيديولوجيا، بل ستتحول الحروب إلى حروب دفاع عن استمرارية النظام الاستهلاكي الذي، إذا ما انهار، قد يضع الجنس البشري كله في غرفة العناية الفائقة.
والخلاصة، نحن لم نعد مواطنين يدافعون عن سيادة وأرض، بل تحولنا إلى مستهلكين يدافعون عن حق الوصول إلى سلع وخدمات نظام يعيد إنتاج هشاشته باستمرار. الحروب القادمة قد لا تكون من أجل الأرض أو العقيدة، بل من أجل الحفاظ على تدفق السلع واستمرار دورة الاستهلاك التي أصبحت شرط بقائنا الوحيد. وهنا يكمن التناقض الأكبر: لقد صرنا مستعدين للموت دفاعًا عن نمط حياة يجعل منا، في النهاية، مجرد حراس لهشاشة صنعناها بأنفسنا.