قبل ثلاثة أيام استُقبل بحفاوة تقريرٌ نُشر في جريدة “واشنطن بوست” الأميركية. التقرير تضمّن ما يقول أصحابه إنه رصد للأنشطة الإسرائيلية السرية الرامية إلى عرقلة الحكم الجديد في سوريا. وبيت القصيد فيه، من وجهة نظر المحتفلين، أن الأنشطة بدأت منذ 17 كانون الأول 2024، أي بعد تسعة أيام من إطاحة الأسد، وحينها نقلت مروحيات إسرائيلية مساعدات لما يُسمى “المجلس العسكري” في السويداء، تتضمن 500 بندقية وسترات واقية وذخيرة. ثم بلغت المساعدات ذروتها في أواخر نيسان 2025، بعد ما يصفها المقال بـ”اشتباكات بين مقاتلين دروز ومسلحين إسلاميين متحالفين مع الشرع”.
لا مجازفة بالقول إن الاحتفال على السوشيال ميديا كان سنّياً، يتمحور حول الاستنتاج الذي ينصّ على خيانة الشيخ الهجري، بتعامله المبكر مع إسرائيل، ما يعفي السلطة من أية مسؤولية عن الأحداث اللاحقة المعروفة، خصوصاً الانتهاكات التي حدثت في أشرفية صحنايا أواخر شهر نيسان والمجازر التي حدثت في السويداء منتصف تموز من هذا العام. ومن المعلوم أن السلطة اعترفت بحدوث الانتهاكات، إلا أن المحتفلين أرادوا تبرئتها ضمناً من خلال الإيحاء بأن ما فعلته كان مجرد رد فعل على خيانة وطنية عظمى. وعلى ذلك تعالت الأصوات التي تطالب الدروز بالتنصّل من خيانة الهجري، من دون أن تلقى تجاوباً يُذكر من المعنِيين بالمطالبة.
القول بأن الاحتفال كان سُنّياً لا يُقصد به عموم الذين هم من منبت سُنّي، بل يُقصد به تحديداً أولئك الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم سُنّة بالمعنى السياسي، ولو أتى التعريف تحت غطاء الانتماء إلى الأكثرية المذهبية من دون التصريح ببعده الطائفي الطاغي. ومن نافل القول إن هذه الطائفية هي سياسية في المقام الأول، ومتمحورة حول السلطة، وهذا ليس بالجديد سوريّاً أو في الجوار.
خارج الاحتفال السُنّي، لا شك في أن التنسيق مع إسرائيل يفتقر إلى أدنى حسّ إنساني، والحكومة الإسرائيلية الحالية توصف بالأسوأ في تاريخ الدولة العبرية، فهي تضمّ أعتى المتطرفين، وشنّت حرب إبادية على قطاع غزة، لا تزال مستمرة منذ أكثر من سنتين. هذا مستوى كافٍ للقول المبدئي إن التعاون مع إسرائيل فيه خيانة للقيم الإنسانية المشتركة، أي إذا نُحّيت كافة الاعتبارات الأيديولوجية المعادية لإسرائيل.
لكن، وهذا ليس تبريراً لأحد، جدير بالتذكير أن من يصفون الهجري وأتباعه بالخيانة واظبوا منذ اندلاع الثورة على القول إن إيران هي العدو التاريخي للسوريين وللعرب، وإن جرائمها أكبر بكثير من جرائم إسرائيل. وجدير بالتذكير أيضاً أن نتنياهو نفسه نال مديحاً من الفئة ذاتها، على خلفية الهجمات التي شنّها على إيران وأذرعها، مع تغاضي المفتونين به عن جرائمه في حق الشعب الفلسطيني، ونؤكد مرة أخرى على كونها جرائم ضد الإنسانية.
والحق أنه منذ اندلاع الثورة صار معلناً أن السوريين غير متفقين على مَن هم الأصدقاء ومن هم الأعداء في الخارج، فأعداء الأسد كانوا أصدقاء المعارضة والعكس صحيح أيضاً. وليس جديداً القول إن جانباً من الصراعات الأهلية يظهر من خلال الانقسام تجاه الخارج، بسبب تعذّر وجود سياسة خارجية متفق عليها، وتغليب كل طرف لانحيازاته على اعتبارات الأطراف الأخرى.
الهجري، ومن يمثّل، ليسوا خونة بهذا المعنى، فهم لم يتنصلوا سراً من التزامات وطنية متفق عليها. لا خيانات بلا التزامات واضحة مُتفق عليها، وأيضاً تحدث الخيانات عادة في السر، أو تأخذ شكل انقلاب مفاجئ على تفاهم ما، وفي حالة الهجري لا يضيف تقرير “واشنطن بوست” معلومات ذات وزن إلى ما هو معروف من قبل، فالهجَري نفسه في خطاباته بعد مجازر تموز كرر توجيه الشكر لإسرائيل حكومة وشعباً (حسب قوله) على الدعم الذي قدّمته.
والهجري نفسه لم يكتسب صفة تمثيلية واسعة إلا على أرضية الانقسام الأهلي، خصوصاً بعد انتهاكات نيسان ومجازر تموز. ولولا الانقسام، وأسبابه الداخلية، لما حظي أي تخابر أو تنسيق أو تعاون مع إسرائيل بموافقة أو صمت شرائح واسعة من أهالي السويداء، أو من الذين ينحدرون من منبت درزي. فالتاريخ القريب الذي داوم أبناء السويداء على الاعتزاز به هو تاريخ الوطنية السورية، والعداء لإسرائيل تغذّى من احتلال الجولان وانقسام العائلات على طرفي خط الهدنة، فضلاً عن الأسباب العديدة للعداء التي كانت تجمع غالبية السوريين.
والاحتفال بتقرير الصحيفة الأميركية لن يُنقص من الاصطفاف حول الهجري، بل على العكس تماماً سيزيده صلابة. إلا أن المحتفلين لا يكترثون بهذه النتيجة، والأكثر وعياً وتدبيراً بينهم يتمنى الوصول إليها، لأن انكفاء أية مجموعة واصطفافها طائفياً يبرر المثل للمجموعات الأخرى، وهذا بالضبط ما يخدمهم. جدير بالتنويه أن الطرفين يدركان مقدار التكاذب والنفاق الذي ينطوي عليه استحضار العداء لإسرائيل، وهو ما يسفّه فكرة العداء ذاتها بجعلها من أدوات المناكفة الداخلية لا أكثر.
ثمة طائفيون في سوريا من غير هذه الفئة، لكن ثمة أيضاً فرق بين محسوبين على السلطة يستقوون بها على الأقل معنوياً ونظراء لهم ليس لديهم مثل هذا السند. سُنّة السوشيال ميديا ليسوا أسماء فردية، بل هم ينطقون باسم السلطة، من دون أن تعترض الأخيرة على هذا رغم مواظبتهم على النطق باسمها، والبعض منهم معروف بقربه من دوائر محددة في السلطة، ما يجعله ممثلاً لها لدى شرائح واسعة من المتلقّين. أيضاً لا يخفى أن هؤلاء ينشطون كجوقة متفرّغة، ومن الصعب الاقتناع بأنهم مجرد متطوعين (مستقلين) لبثّ دعاياتهم الخاصة!
لقد تصرفوا كجوقة متناسقة متناغمة وهم يحرّضون على قسد، على خلفية أحداث العنف في حلب، وعندما أعلنت السلطة وقف الاتفاق على وقف إطلاق النار هناك سرعان ما استلموا تقرير “واشنطن بوست” وبدأ بثّ السموم تجاه الدروز، وما أن شاع خبر تفجير مسجد في حمص يوم أمس، تبنى تفجيره تنظيم “أنصار السنة”، حتى سارع هؤلاء إلى اتهام قسد بالضلوع في التفجير أو “الفلول”، وفي كل الأحوال لم يُظهروا أدنى حساسية إنسانية إزاء الضحايا وذويهم.
ما يقوله هؤلاء على مدار الساعة هو أن عدوهم الحقيقي في الداخل، من السويداء إلى الجزيرة مروراً بالساحل، وهذه وصفة الحرب الأهلية أو التحضير لها. ومن الوصفات الشائعة أيضاً أن تظهر السلطة معتدلة بالمقارنة مع جمهورها، إلا أن الاستثمار في هذه القسمة غير مضمون النتائج على المدى البعيد إذا أصاب النجاح على المدى القريب، والثابت تقريباً أن هذا التحذير المديد لا يصمد أمام المكاسب القريبة.