-
-
.مسلم عبد طالاس
-
أعلن مصرف سورية المركزي عن نيته استبدال العملة السورية في مطلع العام القادم. ورغم أن الإعلان لم يتضمن تفاصيل واضحة حول آليات التنفيذ أو الإطار الزمني الدقيق، فإن مجرد طرح فكرة استبدال العملة يفتح نقاشاً اقتصادياً واسعاً يتجاوز المسائل التقنية والشكلية، ليصل إلى جوهر أكثر حساسية يتعلق بالاستقرار النقدي وبالمخاطر التضخمية المرتبطة بهذه الخطوة في الظروف الراهنة.
من منظور الاقتصاد الكلي، يعدّ استبدال العملة من أكثر الإجراءات النقدية تعقيداً وحساسية، ليس لأنه إجراء فني صعب، بل لأنه يتداخل مع عنصر الثقة، وهو العنصر الأكثر هشاشة في أي نظام نقدي يعاني اختلالات مزمنة كما هو حالة الاقتصاد السوري. فالعملة ليست مجرد وسيلة حساب أو أداة تبادل، بل هي تعبير مكثف عن الثقة بالاقتصاد وبقدرة الدولة على إدارة التوازن بين العرض والطلب، وضبط التوقعات، والحفاظ على القيمة.
في هذا السياق، لا يمكن تقييم خطوة استبدال العملة بمعزل عن البيئة الاقتصادية التي ستُطرح فيها، ولا عن قدرة هذه البيئة على امتصاص الصدمة النقدية التي ترافق أي تغيير جذري في النظام النقدي. وعندما تكون هذه البيئة غير مواتية، فإن الخطر الأساسي لا يكون إدارياً أو تنظيمياً، بل تضخمياً بالدرجة الأولى. وقد سبق أن تناولنا في مقال نشر في الجمهورية.نت هذا الموضوع من زاوية قدرة الدولة على التحكم بعناصر العرض والطلب، غير أن النقاش هنا لا ينطلق من تلك القدرة المفترضة، بل من المخاطر التضخمية العالية التي يمكن أن تنتج عن تنفيذ الاستبدال في بيئة اقتصادية غير مواتية.
التضخم هو نتيجة اختلال التوازن بين عرض النقود والطلب عليها. وعندما يرتفع عرض النقود بوتيرة تفوق قدرة الاقتصاد على توليد طلب حقيقي عليها، تتراجع القيمة وترتفع الاسعار. هذه القاعدة لا تتغير في حالة استبدال العملة، بل تصبح أكثر حدّة.
في أي عملية استبدال، تضطر السلطة النقدية إلى ضخ كميات كبيرة من العملة الجديدة في السوق خلال فترة انتقالية، مقابل سحب العملة القديمة تدريجياً. وحتى في الحالات التي تعلن فيها السلطات أن الاستبدال سيكون محايداً من حيث الكتلة النقدية، فإن الواقع العملي يظهر أن هذه العمليات نادراً ما تكون متوازنة زمنياً. وغالبا ما يؤدي التأخير في سحب النقد القديم، أو ضعف القدرة الادارية على ضبط العملية، إلى زيادة فعلية في عرض النقود. في اقتصاد يتمتع باستقرار نسبي ونمو معقول، يمكن امتصاص هذه الزيادة المؤقتة دون آثار تضخمية كبيرة؛ أما في اقتصاد يعاني ضعفاً شديداً في مصادر الطلب على العملة فإن هذه الزيادة تتحول مباشرة إلى ضغط تضخمي، لا سيما عندما تترافق مع تراجع الثقة والتوقعات السلبية.
يعاني الطلب على الليرة السورية من ضعف بنيوي ناتج عن مجموعة من العوامل المتراكمة. فالنمو الاقتصادي محدود للغاية، ولا يشكل مصدراً فعلياً لزيادة الطلب النقدي. كما أن النشاط الإنتاجي لا يزال عاجزاً عن توليد قيمة مضافة كافية تدعم دورة نقدية مستقرة.
على صعيد التجارة الخارجية، يميل الميزان التجاري بشكل واضح لصالح الاستيراد. ويعني ذلك أن الطلب على العملات الاجنبية يفوق بكثير الطلب على العملة المحلية، ما يخلق ضغطاً دائماً على سعر الصرف. وفي مثل هذه الظروف، لا يؤدي ضخ كميات اضافية من الليرة إلى تحفيز النشاط الاقتصادي، بل إلى تسريع عملية تحويلها إلى سلع أو عملات بديلة، وهو سلوك يرفع الاسعار ويغذّي التضخم.
ويلعب عامل التوقعات دوراً حاسما في هذه المعادلة. فالتوقعات الاقتصادية والسياسية السائدة لا تشير إلى استقرار قريب، وهو ما يدفع الأفراد والفاعلين الاقتصاديين إلى تقليص الاحتفاظ بالعملة المحلية. هذا السلوك لا ينتج عن دوافع مضاربية فقط، بل عن محاولة عقلانية لحماية القوة الشرائية في بيئة تتسم بعدم اليقين؛ ونتيجة ذلك هي ارتفاع سرعة تداول النقود، وهو عامل تضخمي بحد ذاته.
في التجارب الدولية، تلعب الاحتياطيات الأجنبية دوراً محورياً في إنجاح عمليات استبدال العملة. فهي لا تُستخدم فقط للدفاع عن سعر الصرف، بل تُشكّل أداة نفسية مهمة لضبط التوقعات. وجود احتياطيات كافية يبعث رسالة بأن السلطة النقدية قادرة على التدخل عند الحاجة، وأنها تمتلك هامش مناورة يسمح لها باحتواء الصدمات.
في الحالة السورية، تبدو الاحتياطيات محدودة إلى درجة لا تسمح لها بلعب هذا الدور. وغياب هذا الهامش يضعف قدرة السياسة النقدية على ضبط التضخم، ويجعل أي توسع نقدي، حتى لو كان مؤقتاً، أكثر خطورة. وفي ظل هذا الواقع، يصبح استبدال العملة خطوة عالية المخاطر من حيث أثرها على استقرار الأسعار.
قد يُطرح خيار تشديد السياسة النقدية كوسيلة للحد من المخاطر التضخمية المرتبطة باستبدال العملة. نظرياً، يمكن رفع معدلات الاحتياطي القانوني، أو أسعار الفائدة، أو تقييد الائتمان. لكن هذه الأدوات تحمل كلفة انكماشية عالية في اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف شديد في النشاط والاستثمار. فالاقتصاد السوري لا يقف عند مستوى يسمح له بتحمل صدمة انكماشية إضافية، وأي تشدد نقدي حاد قد يؤدي إلى تعميق الركود، وتراجع الإنتاج، وزيادة البطالة المقنّعة، من دون ضمان السيطرة على التضخم، خاصة إذا كان مصدره الأساسي هو ضعف الثقة وليس فائض الطلب.
وهكذا يجد صانع السياسة النقدية نفسه أمام معادلة صعبة: التوسع النقدي المرتبط بالاستبدال يرفع التضخم، والتشدد لكبحه يفاقم الركود. وهذه ليست معضلة نظرية، بل تجربة عايشتها دول عديدة نفّذت إصلاحات نقدية في ظروف غير مستقرة.
بمقارنة هذه التجارب الدولية المماثلة مع الواقع السوري، يتضح أن الشروط اللازمة لاستبدال آمن للعملة غير متوافرة. فالنمو ضعيف، والميزان التجاري مختل، والاحتياطيات محدودة، والتوقعات غير مستقرة. وفي مثل هذا السياق، لا يكون الخطر التضخمي احتمالاً نظرياً، بل نتيجة مرجحة. بل إن الخطر الاكبر يتمثل في أن يتحول استبدال العملة إلى اداةٍ غير مباشرة لتمويل العجز في الموازنة العامة عبر التوسّع النقدي. وفي هذه الحالة، يصبح التضخّم وسيلة تمويل، تنقل كلفتها إلى الدخول الحقيقية للمواطنين، وتؤدي إلى تآكل إضافي في القوة الشرائية.
وفي الخلاصة فإن استبدال العملة في بيئة غير مواتية اقتصادياً لا يشكل اصلاحاً نقدياً، بل اختباراً عالي المخاطر. وعندما تغيب شروط الاستقرار الاقتصادي والثقة العامة، يتحول هذا الإجراء إلى عامل تسريع للتضخم، وكاشفٍ للاختلالات القائمة بدل أن يكون اداة لمعالجتها.المسألة في النهاية لا تتعلق بشكل العملة الجديدة أو وحدات حسابها، بل بقدرتها على أداء وظائفها الاساسية. ومن دون تحسّن ملموس في النمو، وفي بنية التجارة الخارجية، وفي مستوى الثقة، يبقى استبدال العملة خطوة مكلفة اقتصاديا، ذات أثر تضخمي مرتفع، يتحمّله الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.
المصدر الجمهورية .نت
-
