
-
-
.زينة شهلا… كاتبة
-
على أطراف بلدة كفربطنا في غوطة دمشق الشرقية، يقود محمد الحراكي (36 عاماً) دراجته الهوائية عائداً إلى منزله الصغير المُستأجَر، بعد يومٍ طويل من العمل في ورشة الخياطة القريبة. «العمل منيح الحمدلله، لكنه غير كافي لنأمِّن معيشتنا. أوضاعنا صعبة وحاجاتنا كبيرة»؛ يتحدث للجمهورية.نت أثناء لقاء معه في منزله، إلى جانب زوجته وابنتيه.
خرج الحراكي من سجن صيدنايا ليلة الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، بعد أن قضى هناك خمس سنوات، وقبلها نحو ثلاث سنوات في أفرع أمنية مختلفة إثر انشقاقه عن الخدمة العسكرية. ينحدر الرجل من محافظة درعا، لكنه كان يعيش ويعمل في غوطة دمشق الشرقية، وانضمَّ فيها لإحدى فصائل الجيش الحر وأُسِرَ في إحدى المعارك عام 2017، لتبدأ رحلة طويلة من المعاناة، انتهت أقسى فصولها مع سقوط نظام الأسد، لكن تبعاتها ما زالت مستمرة بالنسبة له ولعائلته.
«توقعنا إنو يكونوا المعتقلين أولوية بهي المرحلة الجديدة. نحن طلعنا لنبدأ حياتنا من الصفر. معقول ما نقدر نحصل على سكن لائق، أو فرصة عمل مناسبة لأوضاعنا؟ بدنا الدولة تحسّ بهي العالم اللي طلعت وانظلمت. ما بدنا شي من حدا تاني. لكن اللي صار بعد خروجنا كان كَسرة خاطر كبيرة».
تُشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن «عدد جميع المُفرَج عنهم من كل السجون ومراكز الاحتجاز مع نهاية معركة ردع العدوان بلغ 24.200 شخص».
«ابنتاي دفعتا الثمن الأكبر»
يُعاني محمد الحراكي، وكثيرون غيره ممن أمضوا سنوات طويلة في السجون، من أوضاع صحية متدهورة، فالسنة التي مضت لم تكن كافية لاستعادة عافيته بشكل كافٍ وملحوظ. إذ ما زال الرجل يشكو من مُشكلات في السمع وآثار كسور في الصدر، وجميعها عائدة لما تَعرَّضَ له من تعذيب.
«استغرقَ الأمر خمسة أشهر بعد خروجي من المعتقل كي أعثر على عمل من جديد. خسرنا منزلنا في الحرب واضطررنا لاستئجار منزل ببدل إيجار مليون ليرة (قرابة مئة دولار) في الشهر، واستطعنا تدبير بعض الأغراض الأساسية فقط، كما أنني أحتاج إلى عملية في أذني اليسرى لكن يستحيل أن أتمكن من تأمين تكاليفها»، يقول الحراكي، وينوّه بأنه لم يحصل حتى اليوم سوى على مساعدة مالية بسيطة من إحدى المؤسسات: «مع أنه كتير منظمات عم تجي تصورنا، وتوعدنا بتقديم دعم مادي أو بمشاريع شغل مناسبة لأوضاعنا، بس ما شفنا شي لحد اليوم».
يحزن الرجل وزوجته لأن طفلتيهما تدفعان الثمن الأكبر لكل ما مرّت به العائلة: «نتمنى أن نوفر لهما ظروفَ دراسة أفضل، خاصة وأننا لم نتمكن من الالتفات إلى تدريسهما بالشكل المطلوب خلال السنوات الماضية، مع اضطرار زوجتي للعمل. عندما اعتُقِلت كان عمر أمل سنتين وأربعة أشهر وبتول ثلاثة أشهر فقط. سنحتاج إلى ما لا يقل عن ثلاثمئة ألف ليرة شهرياً إن أردنا تأمين دروس خصوصية لهما، عدا الملابس وغيرها من الاحتياجات، ومع انتظارنا لمولودة جديدة يبدو الوضع أكثر صعوبة».
«أتمنى أن أعيش بسلام»
بصوت تشوبه بحّة واضحة وسعال متكرر، تحدَّثَ إليّ عبر الهاتف عمر الحريري المُقيم في ريف درعا، الذي خرج أيضاً من سجن صيدنايا ليلة سقوط نظام الأسد بعد اعتقاله تعسفياً عام 2018 واتهامه بـ«الإرهاب والتحريض على قتال الجيش السوري»، وكان حكمه الإعدام ثم خُفِض بعد ذلك إلى السجن 20 عاماً، وكان ينتظر الإفراج عنه «إن بقي على قيد الحياة».
«أُعاني من أمراض صدرية مزمنة وكسر في المفصل، وما زالت لدي حتى اليوم وبعد عام كامل على خروجي، مشكلات في المشي والتنفّس، خاصة في الشتاء»، يقول الرجل الأربعيني، ويُضيف أنه كان يعمل قبل اعتقاله في تصليح الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، لكنه اليوم عاجزٌ عن متابعة عمله: «حاولت أرجع على محلي أقعد على طاولتي. جبت العدّة الأساسية. صار يصيبني وجع راس من اللِّحام، وما قدرت كمل. حَصَلت بعدها على وظيفة إدارية مؤقتة في معبر نصيب، وما عم أقدر ألتزم بالدوام بسبب وضعي الصحي».
مع ذلك، فإن راتب هذه الوظيفة بالكاد يكفي عمر لتأمين نفقات كشوف الأطباء والأدوية، وهو اليوم يفكّر في الانتقال إلى دمشق ليفتح محل أدوات صحية وكهربائية ضمن عقار تمتلكه العائلة في منطقة الحجر الأسود، لعلّ أوضاعه المادية تتحسن قليلاً.
لكن أحوال عمر النفسيّة تبدو أكثر سوءاً: «حتى اليوم تنتابني نوبات توتر شديدة، ولا أعيها إلا بعد أن تزول. وقد أضرب ابني من دون سبب. أشعر أنني لا أعامل زوجتي كما يجب. أحب العزلة كثيراً، وأحياناً أستيقظ ليلاً وأنا أصرخ».
تلقت عائلة عمر مساعدات محدودة جداً، وهي عبارة عن مبلغ مادي بسيط وبعض المواد الطبية والصحية: «سألَنَا المسؤولون في إحدى الجمعيات عن أحوالنا النفسية، وأخبرتهم أنني وابني الكبير نشعر أننا لسنا على ما يرام، لكننا لم نحصل على أي خدمة. صرت أخجل من السؤال عن الجهات التي يمكن أن تتكفل بالمعتقلين المُحرَّرين، وما عدتُ أرغب سوى في العيش بسلام بغض النظر عن المكان».
«حتى اليوم أنا عاطل عن العمل»
«عندما خرجتُ من سجن صيدنايا ليلة الثامن من كانون الأول كنت في عداد الأموات. مكثتُ في المشفى يومين وبعدها ذهبت إلى منزلي وعدت إلى حياتي، وزوجتي وأولادي الأربعة. اليوم أشعر أنني بحال أفضل الحمدلله، لكن ما زلت أُعاني من وهن عام وفقر دم وأمراض جلدية، إضافة إلى آلام شديدة في الظهر نتيجة ضربة قوية تعرضتُ لها أثناء الاعتقال، وأتناول أدوية مضادة للاكتئاب بشكل دوري»؛ يُحدثني أحمد سليمان الحمد (38 عاماً) عندما التقينا في دمشق قبل أيام من الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد. اعتُقِلَ أحمد عام 2018 بعد أن كان مقاتلاً في صفوف الجيش الحر في ريف دمشق، وكان حينها يحاول السفر تهريباً إلى الشمال السوري أو إلى تركيا. مكثَ نحو عام في أفرع أمنية مختلفة، ثم حُوِل لاحقاً إلى سجن صيدنايا الأحمر.
نتيجة وضعه الصحي، لا يتمكن أحمد من العمل في أي مهنة: «اشتغلت فترة على بسطة بنزين، بطالع كل يوم 25 أو 30 ألف ليرة بس ما بتكفّي شي. صار عليي كتير ديون، وهي تالت أسبوع ما بحاسب مُعتمَد الخبز، وما عم أقدر خلّي ولادي يكملوا تعليم بسبب أحوالي المادية، وحتى أوضاعهم النفسية سيئة كتير»؛ يتحدث أحمد بحزن، ويتمنى لو أن بإمكانه أن يفتح مشروعه الخاص في الزراعة أو تربية المواشي، أو أن يمتلك سيارة جوالة لبيع المواد الغذائية، لكن كل ذلك يتطلب رأس مال لا يمتلكه.
«بيني وبين حالي ببكي على العيشة اللي عايشها. نحنا مظلومين. لازم الدولة تكون مسؤولة عننا. الدولة والمنظمات والتجار. عم نشوف مشاريع كبيرة بكل مكان، ونحنا بعد كل السنوات اللي عشناها بالسجن ما حدا اعترف علينا»؛ يقول الرجل بحسرة، ويُشير إلى أن بعض المعتقلين المحررين يسعون لتنظيم أنفسهم وتوحيد مطالبهم، لكن حتى الآن ليس هناك تَحرُّك ملموسٌ على أرض الواقع.
«وَضعُنا تحت الصفر»
عبر الهاتف تحدثتُ إلى ناديا (اسم مستعار)، وهي من خان شيخون في ريف إدلب. اعتُقلت السيدة مع زوجها عام 2014، ووُجِّهت لها تهمة «ارتكاب أعمال إرهابية»، ومكثت في عدد من الأفرع الأمنية ومن ثم نقلت إلى سجن عدرا المركزي حتى خرجت ليلة سقوط نظام الأسد.
«ولدتُ من جديد في تلك الليلة، رأيتُ أهلي مرة أخرى، لكن ما عشته بعدها يجعلني أحياناً أتمنى لو أنني لم أخرج من السجن»؛ تقول السيدة الثلاثينية بصوت حزين.
تصف السيدة وضعها بأنه «تحت الصفر»، إذ لم تتمكن هي ولا زوجها – الذي خرج بدوره من سجن صيدنايا في اليوم ذاته والتقيا وتزوجا بعد تحريرهما – من تأمين أي فرصة عمل ملائمة، تقول: «كل ما بحاول روح على محل أشتغل وبيعرفوا إني كنت مُعتقلة بيرفضوا يشغلوني. زوجي طلع من شهرين على تركيا ليشتغل ووضعه كتير صعب. نحنا بحاجة كل شي، مصروف أكل وشرب وتياب وأدوية»؛ وتُضيف بأنها تعاني ارتفاعاً في السكر وآلاماً شديدة في الأسنان.
يبدو على ناديا التعب والإرهاق من تكرار الحديث عن حالها، سواء مع الإعلام أو مع بعض المنظمات التي لم تحصل منها سوى على مساعدات متقطعة ومؤقتة، تقول: «نحتاج إلى الاتكال على أنفسنا. لا نريد أن ننتظر هذه المعونات غير المجدية» وتُشير إلى أن هذا هو حال معظم النساء المُحرَّرات من السجون، آملة بأن يصل «صوتها ومطالبها إلى السلطات والرئيس».
ظروف اعتقال «رهيبة»
بالطبع، لا ينسى كل من تحدثنا إليهم تلك الأيام الرهيبة التي قضوها في السجون والأفرع الأمنية. يتحدثون عن معاناة عائلاتهم في معرفة مكان احتجازهم وزيارتهم في حال أمكنَ ذلك، وعن الشروط المُذلَّة بحد ذاتها للوصول إلى سجن صيدنايا، والمبالغ الكبيرة التي كانوا يضطرون لدفعها كرشاوى للحصول على «كرت الزيارة» وإدخال بعض الحاجات البسيطة، التي كان معظمها يتعرض للنهب حتى بعد الدفع.
يتذكر أحمد الحمد: «في سجن صيدنايا، كنّا 7 أشخاص في الزنزانة المنفردة، وكنا نرى من يُتَوفُّون جراء التعذيب، عدا الإعدامات اليومية. ماذا أذكر لكم عن أساليب التعذيب التي شهدناها؟ هل أتحدث عن الضرب بالأكبال الكهربائية بعد وضعِنا داخل دواليب مطاطية كبيرة، أو الإجبار على المكوث داخل خزانات المياه حتى الاختناق، أو الإذلال لنسحب أرغفة الخبز من تحت أحذيتهم؟».
أمّا «ليلة التحرير» فهي حكاية أخرى. إذ إن معظم من كانوا في السجون والأفرع الأمنية، لم يَدرُوا بما يحدث خارجاً. في حالات نادرة كانت تتسرب إليهم لمحات من أخبار «ردع العدوان»، دون أن يمتلكوا أي قدرة على تَوقُّعِ ما سيحدث.
يتحدث عمر الحريري عنها: «في الساعة الثانية ليلاً سمعتُ صوت طيران واعتقدتُ بأنني أهلوس. بعدها بنحو ساعتين بدأنا نسمع أصوات فتح أبواب وصراخ من الحرس ومن ثم إطلاق نار. وعندما فُتح باب الجناح، أيقنا بأن موتنا اقترب معتقدين بأن الحراس قادمون لإعدامنا. اختبأ معظم سجناء زنزانتنا في دورة المياه، لكني كنتُ غير قادر على الحركة فبقيتُ مكاني. عندما فُتحِتَ النافذة الصغيرة في الباب الحديدي السميك تشاهدتُ ووضعت يدي على عيني، لكني سمعت صوتاً يقول: ’لا تخاف، نحنا الجيش الحر، مشان الله نزل إيدك‘. بدأوا بطرق الأبواب لفتحها، وفي الساعة السادسة تقريباً كنتُ خارج مبنى السجن. أرادوا نقلي إلى المشفى لكن رفضت. كل ما كنت أريده هو أن أرى أولادي، وأبي وأمي لأطمئن عليهم».
يروي محمد الحراكي أيضاً ما يتذكره من تلك الليلة: «كنّا نشعر بحركة غير معتادة وأصوات غريبة في السجن. صرنا نصلي وقد تملكنا الخوف. حاولنا النوم واستيقظنا نحو الثانية ليلاً على أصوات إطلاق نار كثيفة وتكبيرات، واعتقدنا بأن استعصاءً حصل في قسم المساجين الجنائيين، فقرَّرنا عدم الخروج مهما حصل خوفاً من تصفيتنا. بعدها عرفنا بأن أبواب بعض الزنزانات بدأت تُخلع، وقررنا كسر باب زنزانتنا، فنحن – على أية حال – أموات لا محالة. بدأ بعض المساجين يبكون وآخرون كانوا يضمّون بعضهم بعضاً. نظرتُ من فتحة الباب لأحاول فهم ما يحدث، وصرختُ: ’عم يقولوا سقط بشار!‘. قررتُ ارتداء كنزة جديدة حصلتُ عليها مؤخراً في إحدى الزيارات، وعندما تمكنا من الخروج ركضتُ حتى باب المبنى وسجدتُ شكراً لله، ثم وصلت إلى بلدة منين المجاورة واتصلت بأهلي».
احتياجات صحية ونفسية واقتصادية
تعمل بعض المنظمات اليوم على تقديم العون للناجين والناجيات من المعتقلات الأسدية، لكن الاحتياجات كبيرة جداً على حد قول حنان حليمة، وهي مديرة البرامج في «رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، التي تقدم أنواعاً مختلفة من الدعم لهذه الفئة.
«معظم الحالات التي نعمل معها تعاني من مرض السل، وتحتاج تدخُّلات طبية طارئة في مجالات منها علاج الأسنان والحالات العظمية والعصبية، نتيجة فترات الاعتقال الطويلة والتعذيب. أمّا عن العلاج النفسي، فنحن نعمل مع حالات كثيرة بعضها صعبٌ للغاية، وفي كل ذلك نتعاون مع منظمات منها الهلال الأحمر والصليب الأحمر وسامز»؛ وتُشير حنان حليمة إلى الحاجة المُلحّة لأنواع دعم أخرى، منها القانوني لاستخراج وثائق وثبوتيات وحلِّ معضلة الحجز على الممتلكات، إلى جانب تلبية الحاجات الاقتصادية الهائلة، مع انقطاع المعتقلين لسنوات طويلة عن العمل والتعليم وتالياً صعوبة العثور بسهولة على فرصة عمل دائمة.
بالطبع، لا قدرة للرابطةُ على تلبية كل الاحتياجات أو تغطية جميع الحالات وعددها بالآلاف، وهنا تكمن فجوة لا بد من سدّها، خاصة في المناطق الأبعد عن مراكز المدن الكبيرة، ويحتاج الأمر مزيداً من التنسيق بين كل المنظمات العاملة على الملف بما يخص نظام الإحالة وتوزيع الخدمات بشكل أكثر عدلاً. وفي هذه الأثناء، يمكث آلاف المعتقلين المحررين، وقد مضى على خروجهم من السجون عام كامل، في انتظار تحرُّك رسمي يُعيد إليهم الاعتبار وبعضاً من حقوقهم ومن مقومات العيش الكريم.
-