ملحق سورية الجديدة
دمشق
سلام حسن/
العاصمة السورية دمشق، أقدم عاصمة في التاريخ مأهولة بالسكان من دون انقطاع، المشهورة ببواباتها السبع، والتي تتزيّن أسماؤها بصورة الشمس والكواكب مجموعاتها، انعكاسا لما تحويه من نسيج متعدد.
من أي بابٍ دخلت دمشق (الشام القديمة) وسرتَ في أحيائها داخل السور القديم: العمارة، الجورة، القشلة، القيمرية التي يعود تأسيسها وبناؤها إلى العهد الأيوبي، وسُمّيت نسبة إلى أبي الفوارس ابن موسك القيمري الكردي، ومن أبرز رجالاتها والد زوجة صلاح الدين الأيوبي الأمير ناصر الدين القيمري، أو خرجتَ منها نحو أحياء دمشق الجديدة الواقعة خارج السور: ركن الدين (حي الأكراد)، الصالحية، ساروجة، المهاجرين، المزة، كفرسوسة، القنوات، الميدان، يتلقاك في كل زاوية إما نقش تاريخي أو لوحة لاسم زقاق أو شارع أو مدرسة أو مكتبة أو شاهدة قبر، أو تسمع صوتا أو حديثا عابرا في الشارع، أو جلسةً لرواد مقهى؛ فلا بد أن تسمع من يتجاذب أطراف الحديث باللغة الكردية أو من يدندن أغنية على نغمات الطنبورة، ما يدل على قصة شعب مرّ من هنا وبقي، وأن أبناء هذا الشعب ما زالوا يطرّزون مع سكان مدينتهم وعاصمتهم دمشق، من عرب وسريان وأرمن وشركس، تاريخاً حافلاً بالثقافة والحضارة، تاريخاً مليئاً بالأمجاد والإنجازات الثقافية والاقتصادية والعسكرية.
يشكّل الأكراد ثاني أكبر قومية في سورية، ويعيش قسم كبير منهم في دمشق (أكراد دمشق)، ويتمركزون في عدّة أحياء، منها حي زورآفا، الذي بُني حديثاً في ستينيات القرن الماضي عقب هجرة عشرات آلاف من أكراد الجزيرة السورية إلى دمشق نتيجة الإحصاء الحكومي الذي جرّدهم من الجنسية السورية، وانتزع منهم ملكية أراضيهم الزراعية. وقد سبقت هذه الموجةَ انتقالاتٌ للكرد إلى سورية والاستقرار في مدنها وأريافها خلال فترات متباعدة، فأسّسوا أحياء كاملة في كبريات المدن السورية، ولا سيما في حلب ودمشق.
قدّم المجتمع الكردي لسورية رؤساء وقادة بارزين، منهم الرؤساء حسني الزعيم، وأديب الشيشكلي، وشكري القوتلي، وفوزي سلو، ووزيرا الدفاع أحمد نظام الدين والحربية يوسف العظمة
ويعدّ حي الأكراد الدمشقي أنموذجا حيا، وقد جرى تأسيسه في العهد الأيوبي حوالي 1174، وسمي حديثاً “ركن الدين”، نسبة إلى الأمير الكردي ركن الدين منكورس، أحد القادة في جيش صلاح الدين الأيوبي، والذي بنى المدرسة الركنية والمسجد الركني، ودُفن في المسجد الذي شيده في ساحة شمدين. كما سكن الأكراد أحياء القيمرية، الصالحية، الشيخ خالد، صلاح الدين، ساروجة، كفرسوسة، والمزة.
عائلات كردية طرّزت نسيج “هوية دمشق”
لجأ وسكن كثيرٌ من العائلات والشخصيات الكردية الثقافية والسياسية والأدبية والدينية في دمشق بعد انهيار السلطنة العثمانية، مثل عائلات آل رشي، ومنها الفنان عبد الرحمن آل رشي، وعائلة كفتارو التي أصبح ابنها أحمد كفتارو مفتيا عاما لسورية. وكذلك عائلة الصاحب النقشبندي، التي يعود نسبها إلى الشيخ خالد النقشبندي الذي استقر في حي القنوات ونشر الطريقة النقشبندية في المنطقة. وعائلة اليوسف، ومنها السيدة زهراء بنت محمد سعيد، زوجة محمد علي العابد أول رئيس للجمهورية السورية سنة 1932، وهي من رائدات العمل النسائي الثقافي والمجتمعي. وعائلة بكداش، ومنها خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري، ورشدي بكداش (محافظ دمشق). وعائلة الملية، والزركلي، ومنها عبد الرحمن باشا يوسف رئيس وزراء سورية. وعائلة آجيليقين التي كان جدها من كبار تجار الخيل في الدولة العثمانية وتولى وزارة الحج. وعائلة الزعيم ومن أشهر أبنائها الشيخ رضا من علماء الدين في دمشق، وحسني الزعيم رئيس سورية الأسبق.
وأسرة العابد، ومنها نازك العابد، من سيدات المجتمع ومنظمات الحركة النسائية، وقد أنشأت مصنعا للسجاد اليدوي في مدرسة بنات الشهداء وأسست مجلة “نور الفيحاء”.
وقدّم المجتمع الكردي لسورية رؤساء وقادة بارزين، منهم الرؤساء حسني الزعيم، وأديب الشيشكلي، وشكري القوتلي، وفوزي سلو، ووزيرا الدفاع أحمد نظام الدين والحربية يوسف العظمة الذي استشهد في معركة ميسلون ضد الاحتلال الفرنسي.
كما يُعدّ الأديب والمؤرّخ الكردي محمد كرد علي أحد أهم رجالات النهضة السورية، ورئيس مجمع اللغة العربية بدمشق. أسس مجلة المقتبس في مصر، ثم عاد لتولي وزارة المعارف. فيما برزت شقيقته بلقيس ناشطة في العمل النسائي، وشقيقته ريمة رئيسة المنتدى الثقافي النسائي.
إرث صناعي دمشقي بأنامل وتسمية كردية: “البروكار”
من حي النوارة انطلقت حكاية الحرفي الكردي إبراهيم شكاكي الذي أبدع في صناعة البروكار، أرقى الأقمشة الدمشقية، والذي كان يُنسج في الأصل من خيوط الذهب والفضة والحرير الطبيعي. ويرجح أن تسمية “بروكار” جاءت من الكردية: (برو: تصغير إبراهيم + كار: عمل) أي “مهنة إبراهيم”.
وفي لحظة تبدو فيها دمشق وكأنها تعيد ترتيب إرثها وذاكرتها الجمعية، يعود الأكراد ليشكلوا أحد أهم خيوط هذا النسيج الذي لم ينقطع يوما، مهما حاولت السياسات طمسه أو تهميشه. فالحضور الكردي في العاصمة ليس طارئا ولا مستجدا، كما يقول الكاتب حسن ظاظا من سكان حي ركن الدين في حديثه لـ”سورية الجديدة”، مضيفا: “بل هو حضور جذوره ضاربة في عمق التاريخ، تفرعت منها فنون وثقافات ومهن وحكايات وعائلات ساهمت في بناء دمشق التي نعرفها اليوم”.
عودة الحراك الثقافي الكردي في دمشق، من خلال افتتاح مراكز لتعليم اللغة الكردية وجمعيات تُعنى بالتراث، مثل جمعية عثمان صبري في حي وادي المشاريع
ويرى عبد الله عيسى، المقيم في حي زورآفا، في حديثه لـ”سورية الجديدة”، ما يحدث تحولاً اجتماعيّاً كاملاً يعيد صياغة علاقة المدينة بأبنائها بمختلف مشاربهم الدينية والقومية والثقافية. ويضيف: “فتح التحرّر من القيود السابقة الباب أمام الجيل الجديد من الشباب الكردي للانخراط في الثقافة والسياسة والعمل المدني، حاملين تراثا غنيا بالحكمة والفن وعبق التاريخ”، ويشير إلى عودة الحراك الثقافي الكردي في دمشق، من خلال افتتاح مراكز لتعليم اللغة الكردية وجمعيات تُعنى بالتراث، مثل جمعية عثمان صبري في حي وادي المشاريع، وجمعية صلاح الدين الأيوبي للثقافة واللغات في ركن الدين.
مدينة تتّسع للجميع
دمشق، بما فيها من أزقة وشوارع مسكونة بالماضي، ومقاهي تلتقي فيها اللهجات، وأحياء تنبض بلغات الناس وثقافاتهم، تبدو اليوم أكثر استعداداً لقبول ذاتها الحقيقية والتصالح مع نفسها. مدينة لا تكتمل إلا بتعددها. وما عودة الأكراد إلى تصدر المشهد متكاتفين مع أبناء وطنهم إلا خطوة في طريق طويل نحو سورية جامعة تتسع لكل من صنعوا تاريخها وحلموا بها ودفعوا ثمن بقائها.
وهكذا تصبح قصة أكراد دمشق ليست مجرّد فصل يسرد مظلوميةً أو غبناً سياسيّاً، بل إحدى الفصول الأكثر دفئاً وصدقاً وإشراقاً في حكاية سورية الجديدة… سورية المتعدّدة اللغات واللهجات والثقافات.