أتى عام 2025 محمّلًا بتقلبات سياسية وأحداث عالمية متسارعة، لكنه كان أيضًا عامًا غنيًا بالحراك الثقافي العربي، حيث برزت الإصدارات الأدبية والمبادرات الفنية كمنصات لإعادة إنتاج المعنى وفهم الواقع بعيون مختلفة، كما شهد العام اكتمال مشاريع معرفية كبرى مثل “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية”، الذي قدم مادة لغوية موثقة تمتد عبر عشرين قرنًا، ليكون مرجعًا للغة والهوية والبحث العلمي. وفي الوقت نفسه، عكس النشاط الثقافي الميداني، من معارض فنية ومهرجانات أدبية ومبادرات سينمائية، قدرة الثقافة على الصمود والتعبير في ظل ضغوط عالمية وسياسية.
في هذا الملف، نستطلع آراء كتاب ومثقفين عرب حول أبرز الأحداث والفعاليات الثقافية خلال عام 2025، ونستعرض أبرز الكتب العربية والعالمية التي أثرت المشهد الفكري والأدبي.
هنا القسم الثاني والأخير:
| سعيد أوعبو – محمود شقير |
سعيد أوعبو (ناقد وباحث وأكاديمي في السّرديَّات والإنسانيّات من المغرب):
“معجم الدوحة التاريخي للغة العربية” مشروع استثنائي
يُدرك المعاين للثقافة المغربية أنَّها تشهد إشعاعًا على مستوى حضور الكتاب في تمثيلية الوعي الثقافي للأمة. فإلى جانب ديناميّة الإصدارات، نسجّل أسماء استطاعت بمنجزها قطف جائزة المغرب للكتاب، ونخصّ بذلك إدريس الملياني ومحمد عزيز الحصيني في الكتابة الشعرية، وسعيد منتسب في الكتابة السردية، وهشام الركيك وسمير آيت أومغار في العلوم الإنسانية، وحسن الطالب في الترجمة، وفؤاد أزروال في الأدب الأمازيغي، والعربي موموش في الدراسات الأمازيغية. كما شملت أقلام أخرى المشهد الثقافي الدولي، ونخصّ بالذكر الباحث المغربي سعيد العوادي، الفائز بجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الفنون والدراسات النقدية عن كتابه “الطعام والكلام: حفريات بلاغية ثقافية في التراث العربي”، وبرزت الكاتبة لطيفة لبصير التي انتزعت الجائزة ذاتها عن كتابها “طيف سبيبة” في فئة أدب الطفل والناشئة. كما حصد باحثون وكتّاب مغاربة جوائز عربية من قبيل جائزة الدوحة العربية للكتاب، ومن بين متوّجيها: عبد الرحمن بودرع، محمد غليم، يونس المرابط، محمد الصادقي، يوسف تيبس، عبد القادر مرزاق، الحسن شهيد، أحمد المتوكل، وإبراهيم القادري بوتشيش.
وعلاوة على ذلك، تم تتويج رضوان ناصح ومصطفى نشاط بجائزة ابن بطوطة للأدب الرحلي في صنف الرحلة المترجمة، عن قيامهما بترجمة كتاب “المغرب” لإدموندو دي أميشيس. ولا يُنسى أيضًا جائزة كتارا للرواية العربية، حيث توّج الباحث المغربي عبد الرزاق المصباحي في فئة الدراسات النقدية، ونعيمة فنو في فئة روايات الفتيان غير المنشورة.
وفي سياق ثقافي مغاير، يأتي إصدار “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية” في دولة قطر كحدث فارق في السنة، سيما اعتماد الوسيط الرقمي في حفظ الذاكرة اللغوية العربية وصيانتها، بما يشكّل منعطفًا حاسمًا في رقمنة المعاجم. ويجعل هذا المعجم مشروعًا علميًا عربيًا استثنائيًا يوثّق تاريخ الألفاظ العربية مع عامل التجديد الذي تفرضه التحولات الدلالية والحقبية للغة، ليصبح بذلك مرجعًا بارزًا للباحثين، يتفرّد عن غيره.
محمود شقير (كاتب فلسطيني):
الثقافة الفلسطينية بوصفها فعل صمود
طوال هذا العام كان اهتمامي منصبًا على القدس حيث يجري تهويدها بكل إصرار، وعلى قطاع غزة حيث تدور حرب الإبادة التي لم تتوقف حتى الآن برغم خطة ترامب التي يلعب فيها دور الخصم والحكم في آن واحد. وإلا، كيف نفسّر ارتقاء ما يزيد عن أربعمائة شهيد من النساء والأطفال والرجال في قطاع غزة بعد إعلان وقف إطلاق النار وفق الخطة المذكورة؟
في القدس، أنجز سهيل خوري، مدير معهد إدوارد سعيد للموسيقى، المغناة المتميزة “مريم غزة” للشاعر والروائي إبراهيم نصر الله، التي قدمتها على مسارح بيت لحم وبير زيت وغيرهما، الأوركسترا العربية الفلسطينية وعدد أفرادها سبعون فنانًا وفنانة. اللافت أن هذا العمل الفني الكبير لا يمكن تقديمه على مسارح القدس بالنظر إلى القيود التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على الفن الملتزم الذي يصف هموم الناس ويعرّي ممارسات الاحتلال.
خلال هذا العام واصل المسرح الوطني الفلسطيني، الذي يترأس مجلسه الإداري الدكتور الشاعر وائل أبو عرفة ويشرف على أنشطته الفنية الممثل عامر خليل، تقديم عروض مسرحية بين الحين والآخر، حيث قدم المخرج سامح حجازي في الصيف الماضي مسرحية “أنتيغونا تنتفض من جديد”. كما قدم المركز الثقافي التركي ندوات ثقافية، منها: ندوة لمناقشة رواية “إبراهيم” للدكتور سليمان غوشة، وندوة لمناقشة السيرة الغيرية التي كتبها محمد صبيح عن عمه الدكتور محمود صبيح بعنوان: “جدّ فوجد”.
في الوقت ذاته، واصل الفنان أحمد أبو سلعوم، مدير مسرح “سنابل”، تقديم عروضه الفنية في مدارس القدس، وواصل الفنان عبد السلام عبده عروض الدمى في المسرح الوطني الفلسطيني.
منذ أن تحولت ندوة “اليوم السابع الثقافية” المقدسية التي تقودها الأديبة ديمة جمعة السمان، ويعاونها مؤسس الندوة الأديب جميل السلحوت، من النشاط الوجاهي إلى النشاط عبر منصة زووم جراء وباء كورونا، فقد واصلت نشاطها حتى اليوم عبر هذه المنصة، وقدمت خلال هذا العام أكثر من أربعين أمسية ثقافية تمحورت حول مناقشة الروايات الجديدة وكتب الأطفال وغيرها.
ما يلفت النظر ظهور عدد من المؤلفات الجديدة لكتّاب وكاتبات من القدس، من أبرزها كتاب “الفئران تأكل الحديد” للأديب جميل السلحوت، وهو مكرس للفتيات والفتيان بالاستفادة من حكاية شعبية معروفة، صادر عن دار الهدى، وكتاب الأديب محمد موسى العويسات: “معجم ألفاظ بادية القدس” الصادر عن مكتبة كل شيء الحيفاوية.
وثمة مجموعة قصصية صدرت قبل أسابيع في لندن مترجمة إلى اللغة الإنكليزية، لاثني عشر كاتبًا وكاتبة من بينهم المقدسية ليانة بدر، ومازن معروف، ومحمود شقير، عنوانها: “فلسطين ناقص واحد”، عن السنة التي سبقت نكبة عام 1948، وهي من تحرير بسمة غلاييني وإصدار دار كوما للنشر والتوزيع.
على صعيد انتشار الأدب الفلسطيني في العالم، فقد فاز الشاعر والروائي إبراهيم نصر الله بجائزة نيوستادت العالمية، التي توصف بأنها جائزة نوبل الأميركية. وبادر المحرر الثقافي الأميركي من أصل فلسطيني يوسف خنفر بنشر ثلاثة نصوص مترجمة إلى اللغة الإنكليزية في مجلة “الأدب العالمي اليوم” في عددها الصادر في تموز/ يوليو 2025 لثلاثة أدباء من غزة هم: عمر حمّش، دنيا الأمل إسماعيل، ونور أبو ركبة، ما أتاح لهؤلاء الأدباء الثلاثة الترشح للفوز بجائزة بوشكارت الأميركية.
على وقع حرب الإبادة التي طاولت شعبنا في قطاع غزة، وانطلاقًا من الصمود الأسطوري لأبناء شعبنا وبناته هناك، تكاثرت الكتابات التي تصف الألم وتحرض على الصمود، وبرزت كتابات الجيل المخضرم من الكتاب والمفكرين.
الظاهرة الأكثر تميزًا تتمثل في ظهور كتّاب شباب وكاتبات شابات في قطاع غزة لهم تميزهم وتميزهن: جواد العقاد، الذي صدر له من دار الشروق في عمان كتاب: “أكتب موتي وأنا واقف”، وكان جواد قد واصل هو وسميح محسن ووليد العوض تبادل الرسائل على الفيسبوك حول الأوضاع المأساوية في غزة؛ محمد الزقزوق الذي صدر له من منشورات المتوسط في ميلانو كتابه: “أكتب كي لا أتوحش”؛ حيدر الغزالي الذي صدر له من منشورات المتوسط: “بينما تنهدم المدينة”؛ أصيل عبد السلام سلامة التي تحوّل كتابها الصادر من مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي: “أصيل والأطفال الخمسة” إلى عرض مسرحي قُدم على مسرح القطان في رام الله باسم: “خبز الشاطئ”؛ بيسان نتيل التي صدر لها كتاب: “كيف نعيد تركيب الحكاية” من مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي في رام الله.
| إبراهيم فوزي – مازن حيدر (يسار) |
مازن حيدر (كاتب ومعماري لبناني):
العمارة بوصفها سؤالًا ثقافيًا
تابعتُ هذا العام الثقافي من زاوية تعتبر العمارة، ولا سيما تراثها الحديث، مدخلًا لفهم تحوّلات أعمق في المشهد الفكري العربي. ففي سرديّة المدينة اليوم، تحضر قضايا إعادة الإعمار المؤجَّل، كما في حالة لبنان، والحق في السكن، وجرح الذاكرة العمرانية في أكثر من بلد، لا بوصفها شأنًا عمرانيًا صرفًا، بل باعتبارها أسئلة ثقافية وفكرية تتقاطع فيها الذاكرة والعدالة وأنماط العيش. وهي قضايا تُناقَش عبر وسائط متعدّدة، من الكلمة المكتوبة إلى الفيلم القصير، وورشات العمل، ومبادرات التوثيق.
في هذا السياق، شكّل بينالي العمارة في البندقية إحدى أبرز المحطات الثقافية العالمية لهذا العام، ولا سيّما من حيث طبيعة الحضور العربي فيه. فقد قدّم جناح لبنان قراءة نقدية تنطلق من الأرض قبل المبنى، وتعاملت مع التدمير المنهجي للبيئة بوصفه أزمة وجودية تمسّ معنى الحياة والعيش المشترك. في المقابل، استعاد جناح المغرب المعرفة المعمارية التقليدية بوصفها رصيدًا حيًّا قابلًا لإعادة التفكير والتكييف، فيما طرح جناح دولة الإمارات العربية المتحدة سؤال الأمن الغذائي من منظور معماري، رابطًا التصميم بأنماط الإنتاج والحياة اليومية. بدا هذا الحضور العربي، بتنوّعه، أقرب إلى مساءلة فكرية وأخلاقية للهوية والذاكرة والاستدامة، بعيدًا عن التمثيل الرمزي أو الاستعراض.
وفي سياق متصل، يصعب فصل ما شهده هذا العام عمّا سبقه من محاولات عربية متواصلة لإعادة التعرّف إلى الإرث المعماري والعمراني الحديث عبر أحداث ثقافية ومعرفية متعدّدة. ففي أبو ظبي، مثلًا، شكّل افتتاح متحف زايد الوطني محطة لافتة في إعادة قراءة تحوّلات الحياة الحديثة، ولا سيّما المرحلة الانتقالية التي رافقها دخول التكنولوجيا إلى المسكن في دولة الإمارات العربية المتحدة، وما نتج عنها من تبدّل في أنماط العيش والعلاقات اليومية. وهي مرحلة ظلّت، في الغالب، مهمَّشة في سرديّات التراث التي تميل إلى التركيز على الحقب الأقدم وفصل المبنى عن الإنسان. غير أنّ هذا الاهتمام المتنامي بعمارة القرن العشرين وبذاكرة العيش اليومي يعكس تحوّلًا أوسع في مقاربة التراث، باتت فيه الحياة نفسها، بتفاصيلها الصغيرة وتحوّلاتها البطيئة، في صدارة الاهتمام الثقافي.
وفي تجربة شخصية تتقاطع مع هذا الحسّ، أُتيحت لي فرصة التعرّف عن كثب إلى عمل جمعية “كازا ميموار” في مدينة الدار البيضاء خلال فعاليّات شهر أيار/ مايو. هناك، بدا التراث المعماري الحديث مشروعًا ثقافيًا بامتياز، يتجاوز التوثيق والجولات والنشر، ليُشرك الجمهور في إعادة اكتشاف المدينة من خلال سرديّات السكّان أنفسهم، بحيث تُقرأ الدار البيضاء كما يُقرأ نصّ متعدّد الطبقات، تتجاور فيه الذاكرة المعمارية مع التجربة الحيّة للمدينة.
إبراهيم فوزي (أكاديمي ومترجم مصري):
تشابك الذاكرة مع العنف
لم يكن عام 2025 عامًا عابرًا في المشهد الثقافي، بل بدا كأنه ذروة متراكمة لسنوات طويلة من القلق العالمي؛ عام تماهى فيه الأدب مع السياسة، وتشابكت فيه الذاكرة مع العنف، ووجدت اللغة نفسها وجهًا لوجه أمام أسئلة البقاء والمعنى. بالنسبة لي، لا يقوم هذا الحصاد على عدّ العناوين اللامعة البراقة أو متابعة الأحداث، بقدر ما يقوم على تأمّل الكيفية التي استجابت بها الصناعة الثقافية لزمن مأزوم يعيد بإلحاح لا يهدأ صياغة معنى الكتابة ووظيفتها.
على نحو لافت، بدت الجوائز الكبرى هذا العام– على غير ما اعتدناه– أكثر تناغمًا مع أسئلة العصر العميقة: القلق الوجودي، هشاشة المعنى، وانزياح المركز نحو أصوات طالما كُتب لها أن تُقرأ من الهامش. وكأن هذه الجوائز أقرت ضمنيًا بأن الأدب والفن لا يزالان قادرين على مساءلة العالم لا تجميله.
في هذا السياق، جاء فوز الكاتب المجري لاسلو كراسناهوركاي بجائزة نوبل للآداب تتويجًا لمسار إبداعي فريد ظل طويلًا خارج الذائقة السائدة. فأعماله توصف بأنها ما بعد حداثية وذات طابع ديستوبي قاتم، غير أن فرادته الأسلوبية الحقيقية تتجلّى في نفوره من “النقطة” بوصفها حدًا مصطنعًا بين الجمل، واعتماده الجملة الطويلة المتشابكة التي تتحول إلى تيار وعي خانق يوازي اختناق العالم الذي يكتبه.
أما الحدث الثاني اللافت، فكان فوز المجموعة القصصية “مصباح القلب” للكاتبة الهندية بانو مشتاق بجائزة بوكر العالمية (المخصصة للترجمات)، في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجائزة. وتصوّر المجموعة الحياة اليومية لنساء في جنوب الهند بلغة تتقاطع مع الهوية ووضع النساء مع الاضطهاد الطبقي، وتنكشف الكتابة بوصفها فعل مقاومة ثقافية بقدر ما هي ممارسة جمالية، قادرة على نقل خبرات الهامش إلى قلب المشهد العالمي.
وفي منحى روائي مختلف، جاءت رواية “لحم” للكاتب الكندي المجري البريطاني ديفيد سزالاي، الفائزة بجائزة مان بوكر لعام 2025، لتتخذ من رحلة فردية واحدة مرآة لتحولات أوسع. نتابع فيها مسار إستيفان عبر علاقة عاطفية غير متكافئة بامرأة أكبر منه، مرورًا بفترة معاناته بوصفه مهاجرًا في بريطانيا، وصولًا إلى صعود اجتماعي لاحق في لندن. “لحم” ليست رواية عن المسكوت عنه فحسب، بل عن ذاك الذي يستعصي على القول، عن الحياة بوصفها تجربة جسدية وعن معنى أن تكون جسدًا حيًا في هذا العالم.
خلال عملي في مركز دراسات النزوح القسري بجامعة بوسطن، وفي ظل الأجواء الديستوبية التي أعقبت عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، وجدت نفسي أعود مرارًا إلى مأساة اللاجئين السوريين. في كتاب “وطن صنعناه”، تكشف ويندي بيرلمان بواسطة أصوات اللاجئين أنفسهم تعقيدات اللجوء وخسارة الأوطان والرغبة الإنسانية العميقة في الانتماء.
لفتت نظري أيضًا رواية “السرقة” لعبد الرزاق قرنح، الرواية الحادية عشرة لصاحب نوبل 2021، التي تدور أحداثها في شرق أفريقيا بعد الاستعمار، وتقدّم حكاية تشكّل ونضج لثلاثة مراهقين تجمعهم صداقة رغم التباين الجذري في ظروف نشأتهم. الرواية صادقة وهادئة، ولا تفرض حقيقة بعينها، حيث يعتني قرنح بالتفاصيل الصغيرة التي تصوغ التجربة الإنسانية.
أمّا آخر ما قرأت هذا العام، فكان الترجمة الإنكليزية لمذكرات الصحافي السوري هادي العبد الله بعنوان “حالات حرجة”. كُتبت هذه المذكرات من قلب الثورة السورية نفسها، وتغطي ثلاثة عشر عامًا (2011–2024)، توثق المسار الوحشي لقمع الانتفاضة وتكشف في الوقت ذاته عن حياة رجل تحوّلت كاميرته إلى أداة مقاومة في مواجهة المحو والنسيان.
| نسرين بلوط – صفاء خلف |
نسرين بلوط (ناقدة وروائية لبنانية):
تأملات في راهن الثقافة العربية
للثقافة العربية سحرٌ تجري قطراتُه في الأذهان كما جريان الحياة، فكأنّ هذه الكسرة الضئيلة التي تتوفّر للإنسان من الفكر يقضيها في توافق تام مع انعكاس الكتب التي يعمّ ضوؤها بالنورانية الخالصة في ظلام الليل الذي زرعته فينا الحروب والتفككات الإنسانية.
وقد بزغت هذه السنة كتب قيّمة تعرج على الضلال والتخبّط الإنساني وكيفية مقاضاته أو مداواته، وتعزف على مآل الفرد وآماله، وتطرح قضايا إنسانية تكتّف محيطها حول كل ما هو شائب. من بين هذه الإصدارات، رواية “حرّة” لأماندا نوكس، التي تدور أحداثها حول فتاة أدينت ظلمًا في جريمة قتل صديقتها ودوّنت مذكّراتها في السجن الذي وأد حريتها ولكنه لم يسلبها ذاكرتها، مع أعمال مثل “هذه ليست حكاية عبده سعيد” لنادية الكوكباني، و”السجين الفرنسي” لجان دوست، و”العظماء يموتون في أفريل” لأميرة غنيم، و”وادي الفراشات” لأزهر جرجيس، و”صلاة القلق” لمحمد سمير ندا، و”ملمس الضوء” لنادية نجار. تحمل هذه الروايات تجاذبات الإنسان العربي مع مصيره وضميره، وتطرح أنفحة التكهّنات بين طياتها، لتغدو القراءة مثل مصباح يبقى يضيء حتى لو انطفأت شعلته.
ولا يقتصر الإبداع الأدبي على الرواية؛ فالفكر الفلسفي العربي يزخر بعناوين حديثة تضيف عمقًا إلى نقاشاتنا الثقافية، مثل كتاب “الفكر الفلسفي اللساني المعاصر” للبروفيسور شكري عزيز الماضي، الذي يتناول أسئلة صيرورية حول اللغة وطبيعتها وعلاقتها بالفكر، ويعيد النظر في كيفية استيعابنا للمعرفة ودور اللغة في تشكيل الوعي.
أما الفعاليات التي واكبت هذه الإصدارات، فقد كان من أهمّها معرض الشارقة الدولي للكتاب، حيث تمتد الرفوف كأنها نبع من الضوء، ومعرض الرياض الدولي للكتاب 2025 حيث جاورت العقول الإبداع، ومعرض أبو ظبي الدولي للكتاب تحت شعار “مجتمع المعرفة… معرفة المجتمع”، حيث صارت المنصّة ملتقى للإبداع والحوار بين الكتاب والقراء.
كما تشهد بيروت والقاهرة ودبي أمسيات شِعرية وأدبية، حيث تتكسّر أمواج الشِعر على إيقاع الحب، وتستمرئ الإحساس البديع.
إن بعض الكتاب يفضّلون المشاركة في هذه الفعاليات الثقافية الراقية، ومنهم من يختار العزلة والتأمل، ولكن مما لا شك فيه أن هاجس القراءة يجمع بينهم جميعًا؛ فالكتاب ليس مجرّد رحلة ضوئية على مشاعل الحروف، بل توقير للفكر والتنوير والتصويب. إنّ الحقيقة الثابتة التي لا تحتاج تفسيرًا أو تفلسفًا هي أن الثقافة محور العلوم الماورائية والاجتماعية والتحولية الدائمة.
صفاء خلف (شاعر وباحث عراقي):
الصراع على المعنى
كنت وما زلت مهمومًا بالكيفية التي ظل يتشكل عليها الخراب الاجتماعي وما يجاوره ثقافيًا، عراقيًا وعربيًا. استدعى ذلك مني في عام 2025 “إشباعًا للعزلة” وصومًا طويلًا عن الفضاء الرقمي. لم يكن انسحابًا، بل محاولة لاستعادة الزمن بوصفه شرطًا للفهم. رغم ذلك، الزمن كان قصيرًا على سعته. تقصّيت في “العزلة” تمتين معارفي في علم الاجتماع وما يتصل به أكاديميًا، مواصلًا مشروعًا مستمرًا مع مراكز أبحاث لصياغة الأطر التأسيسية لتحليل الخراب البيئي في العراق، منجزًا أوراقًا بحثية عن المحو الثقافي و”إبادة الذاكرة الثقافية التاريخية” لبيئات أصلية بفعل الصناعة النفطية والسياسات الحكومية، في ظل فواعل مجاورة مرتبطة بالجفاف ونقص المياه والتطرف الحراري.
“إشباع العزلة” استدعى أيضًا دخولًا في ورشة ذاتية صممتها بتأنٍ للإقامة في مناطق تاريخية، بحثًا وقراءة وتدوينًا، وصولًا إلى مقاربات يمكن تحويلها إلى مفاتيح للفهم والتمييز واستنتاج الخلاصات. عملية شاقة ومضنية في مطاردة نصوص، مذكرات، مؤلفات ومراجع، وكتب رحلات، لما اعتبره البدايات الأولى لتشكل العراق الحديث، الفترة الممهّدة التي استغرقت زمنًا رماديًا بطيئًا وطويلًا، مع السيطرة العثمانية على مجمل المنطقة العراقية، في مفارقة زمنية استمرت زهاء أربعة قرون، من بدايات القرن السادس عشر حتى مقتبل القرن العشرين.
ورشة القراءة والتدوين والكتابة البيئية دلّتني على ما هو هام وأساسي في شغلنا الثقافي: كيف نقرأ ومع من نتفاعل؟ وكيف يمكن أن نفهم ونشكل موقفًا مع تعدد الزوايا والسرديات؟ إذ يمكن لهذين السؤالين أن يشكلا منهجيًا الكيفية التي يمكن من خلالها تقييم تحديات الحراك الثقافي في 2025.
كان عامًا أُطرت ملامحه ثقافيًا منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، وتكشفت فيه هشاشة المجال والوجود الثقافي وحدود قدرته على الاستجابة في مناخ سياسي واقتصادي ورقمي ضاغط، صراع حاد على المعنى في ظل استمرار الإبادة الوحشية في غزة وما رافقها من تضييق ممنهج على حركات التضامن مع فلسطين: شعبًا وذاكرة ومستقبلًا. لم تعد الثقافة فضاءً مستقلًا للنقاش، بل ساحة اختبار أخلاقي: كيف نكتب؟ ومن يُسمح له بالكلام؟ وكيف يُعاد تأطير العنف لغويًا ليصبح مقبولًا أو غير مرئي؟ الكثير من المنصات والفعاليات واصلت نشاطها بلغة محايدة ظاهريًا، لكنها فارغة أخلاقيًا، فيما وُضع المثقف أمام معادلة قاسية بين الموقف والإقصاء.
هكذا تحوّل 2025 إلى عام انكشاف؛ سقطت فيه أوهام قوة الثقافة وتأثيرها، وبات السؤال الجوهري ليس ماذا ننتج، بل لصالح أي معنى نقف. لم يُقمع الرأي فقط، بل قُمعت اللغة التي تعبر عنه. في لحظة ما، وعبر منصات عديدة، كان المطلوب خطاب ثقافي مفرغ من دلالته، متوازن شكلًا، وعاجز أخلاقيًا، ما عمّق الفجوة بين الفعل الثقافي والواقع المعيش.
في هذا السياق، لم تعد المشكلة في غياب الصوت، بل في ضياع المعنى وسط الضجيج. ما يُنتج كثير، لكن ما يُناقش بجدية بات أقل. النقد ضعيف، والمراجعة محدودة، والاستجابة حائرة، وغالبًا ما تُستبدل الأسئلة المعقدة بمواقف جاهزة أو اصطفافات سريعة. بدا المشهد ملتبسًا ورماديًا، مؤطرًا بـ”الجماعات” و”مكائد العلاقات” والسرديات السلطوية. ومع توافر الامتياز الرقمي، شهدنا انفجارًا في المنصات التي أنتجت حوارات و(بودكاستات) تقصّت الإثارة من دون الظفر بالموضوعية؛ تدفقا هائلا في المحتوى، حضورا واسعا للثقافة في الفضاء الرقمي، وغيابًا شاسعًا على أرض الواقع، في المدن والصالات والمنتديات. وفرة رقمية لم تُنتج عمقًا أو تراكمًا معرفيًا، ولا جمهورًا حقيقيًا.
بدا المشهد الثقافي العربي والعراقي على حد سواء متخمًا وضاجًا، يعاني من تضخم مُرهق: إنتاج متواصل، زمن تأملي أقل، ونقاشات سريعة تحكمها “السطحية” و”الخوارزميات” أكثر مما تحكمها الحاجة إلى الفهم والرصانة، وملء فراغ وعي يتداعى ويضحمل. لم تُستعد الثقة بين المنتج بوصفه مثقّقًا أو معبرًا عن الجسد الرمزي للثقافة وبين الجمهور بوصفه المجال الحيوي لذلك الجسد. لم تتشكل حركة نقدية قادرة على فرز ما يُنتج، ولم تتحول الكثرة الرقمية إلى أثر ثقافي منضبط يصمد مع الزمن. في هذه الحدود، ظلت الثقافة منتجًا نشطًا، لكنه مرهَق وهش وسريع التبدد.
الخلاصة، لم يكن 2025 عامًا للنضج الثقافي أو المراكمة المعرفية التي يُبنى عليها في عالم لا يكافئ العمق ولا يمنح المعنى وقتًا كافيًا لينضج، بل لحظة مترهلة تحكمها مفارقة “الاحتفاء والاختفاء”. احتفاء سريع، عابر، بكتاب أو مُنجز أو اسم يُستهلك في لحظته الإعلامية ثم ينطفئ بلا نقاش، ولا متابعة، ولا أثر مستدام. ما يُحتفى به لا يُقرأ بعمق، ولا يُختبر نقديًا، بل يُستبدل في اليوم التالي بانشغال جديد، ضمن دورة استهلاك ثقافي سريعة تُفرغ المنجز من معناه، وتحوّل الثقافة إلى ومضات حضور مؤقت، لا إلى ذاكرة أو مشروع.
| أصالة لمع- شريف الشافعي- هدى مرمر |
أصالة لمع (شاعرة وطبيبة لبنانية):
عام القراءة المتأنّية
حاولت هذا العام العودة إلى القراءات التي توسّع الأفق وتبطئ الإيقاع. قرأت كلاسيكيات لم أكن قد اطلعت عليها من قبل، وأعدت قراءة كتب أحببتها وأثّرت بي، واطّلعت بالطبع على الكثير من الشِعر.
فيما يتعلق بالإصدارات الجديدة، تابعت هذا العام خصوصًا الإصدارات الفرنسية، وأعتقد أن كتاب العام، بلا منازع بالنسبة لي، كان رواية “البيت الفارغ” للوران موفينييه، الحاصلة على جائزة غونكور. قرأت سبعمائة صفحة منها في أقل من أسبوعين؛ استحوذ عليّ سحر القصة واللغة والفن السردي المتفرّد للكاتب. بعدها اضطررت إلى الانتظار لأسابيع حتى يهدأ الانفعال بالنص قبل أن أتمكّن من الكتابة عنه والبدء بكتاب جديد. أتمنى أن تتمكّن الترجمة العربية من الحفاظ على روح هذا النص العظيم، وأن تصل بذات الحساسية إلى القارئ العربي.
على صعيد الفعاليات الثقافية، شاركت هذا العام في عدة فعاليات عربية ودولية، بدءًا بأمسيات “ساميلي” في إسطنبول، التي ينظّمها الصديقان أحمد زكريا وملاك دنيز أوزدمير. كانت تجربة فريدة أن أكون الضيفة العربية بين شاعر تركي وشاعر كردي، حيث بدا أن الحدود بين الثقافات وهمية إلى أبعد حد، ولا وسيلة أجمل من الشِعر لاجتيازها.
كما كانت فرصة رائعة أن أكون ضيفة مهرجان الشِعر المتوسطي بالمضيق في المغرب. يشرف على هذا المهرجان الشاعر عاطف معاوية ومجموعة من الشباب في جمعية العمل الثقافي بالمضيق، ويقدّمون، برغم مواردهم المحدودة، مهرجانًا يستضيف سنويًا مجموعة مميزة من الشعراء، واستطاع أن يكون علاقة فارقة في المشهد الشعري العربي.
أما مهرجان “أصوات حية” للشِعر المتوسطي في سات جنوب فرنسا، فكان تجربة استثنائية في 2025. يجمع المهرجان شعراء من حوض البحر الأبيض المتوسط والعالم على مدى عشرة أيام، في فضاءات عامة مفتوحة: الساحات، الحدائق، الشوارع، وحتى على متن المراكب في عرض البحر. شارك في الدورة الأخيرة عشرات الشعراء من جنسيات مختلفة ضمن فعاليات متنوعة تشمل قراءات شِعرية، حوارات، ندوات، ورش عمل، وأمسيات موسيقية، كل ذلك أمام جمهور متعطش للشِعر من مختلف أنحاء فرنسا، أصبح لديه موعد سنوي مع المهرجان. كل قراءة أمام هذا الجمهور تمنح النص حياة جديدة، فتتحول تجربة الشعر إلى تجربة حيّة تتجاوز حواجز اللغة والثقافات.
يختار المهرجان أيضًا شعراء لإصدار أنطولوجيا سنوية بلغتهم الأم وباللغة الفرنسية، وقد كان لي شرف اختيار اللجنة هذا العام. مهرجان سات يشكّل موعدًا سنويًا مهمًا للاحتفال بالشعر والشعراء، وأتمنى له الاستمرار في ظل نقص حاد في الموارد، وهو مشهد متكرر في كل ما يتعلق بالثقافة في فرنسا وفي العالم.
شريف الشافعي (شاعر وكاتب مصري):
المتحف المصري الكبير
أتصوّر أن الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير في الجيزة، بالقرب من هضبة الأهرامات، على مساحة 490 ألف متر مربع، في الأول من نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، يُعدّ من أبرز الأحداث الثقافية والحضارية والإنسانية لهذا العام، إن لم يكن الحدث الأبرز على الإطلاق. ويتوّج هذا الافتتاح رحلة طويلة استغرقت 20 عامًا منذ تهيئة موقع المشروع، فيما انطلقت أعمال البناء عام 2016، وبدأ التشغيل التجريبي للمتحف في تشرين الأول/أكتوبر 2024.
يضم المتحف مدخلًا ضخمًا تبلغ مساحته حوالي 7 آلاف متر مربع، يتوسطه تمثال الملك رمسيس الثاني، ويحتوي أيضًا على الدرج العظيم الممتد على مساحة 6 آلاف متر مربع. وتتضمن مقتنيات المتحف أكثر من 57 ألف قطعة أثرية تمثل العصور المصرية القديمة، منها أكثر من 5 آلاف قطعة من كنوز الملك توت عنخ آمون تُعرض مجتمعة للمرة الأولى منذ اكتشافها.
ويجسّد المتحف المصري الكبير سمات التفوق في الحضارة المصرية القديمة بما يليق بمكانتها التاريخية، وقد حظي تصميمه اللافت بعدة جوائز دولية، منها جائزة فرساي كأحد أجمل المتاحف في العالم عام 2024، وجائزة المشروع الأفضل عالميًّا من الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين، إضافة إلى شهادة المباني الخضراء كأول متحف أخضر في أفريقيا والشرق الأوسط.
يمثل المتحف نافذة للحضارة المصرية القديمة في أبهى صورها، إذ يُعدّ أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، ووجوده عند سفح الأهرامات يكمل المشهد الحضاري المتصل بين الماضي والحاضر. وتقوم فلسفته على عرض تطور الفكر والمجتمع والفن والدين في مصر القديمة منذ عصور ما قبل التاريخ حتى نهاية العصر اليوناني الروماني. وتصميمه المعماري فريد، إذ تبدو هندسته مستوحاة من خطوط الأهرامات والضوء الطبيعي، ليكون المتحف نفسه امتدادًا بصريًّا وروحيًّا للموقع الأثري.
وتتجلى أهمية المتحف أيضًا في أنه يضم قرابة 100 ألف قطعة أثرية، أبرزها مجموعة الملك توت عنخ آمون الكاملة التي تُعرض للمرة الأولى مجتمعة، إلى جانب تماثيل ونقوش وكنوز معمارية توثق مراحل المجد المصري منذ الدولة القديمة حتى نهاية الحكم البطلمي.
هدى مرمر (كاتبة لبنانية):
الترجمة تقود مشهد النشر العربي
شهد عام 2025 موجة كثيفة وتنافسيّة من الترجمات إلى اللغة العربية، حتى باتت بعض دور النشر العربية نادرًا ما تُصدر كتبًا مؤلَّفة بالعربية. وهو أمر مؤسف بطبيعته، لكنه قد يسهم في تشجيع الجيل الجديد على القراءة. فإلى جانب كتب تنمية الذات والروايات الكلاسيكية والمعاصرة، بدأ الاهتمام يتزايد بكتب التربية والتاريخ والسياسة والفانتازيا. وبرزت عناوين في تربية الأطفال ضمن قوائم الأكثر مبيعًا، مثل كتاب “فكّر بعقل طفلك” للكاتبة غزل بغدادي. وفي هذا السياق، اتّجهت أنظار محرّري التنمية البشرية إلى مذيعي البودكاست، ولا سيما الناشطين على منصّات إنستغرام وتيكتوك ويوتيوب، مثل سيمون سينيك المهتمّ بمحتوى إدارة الأعمال، وميل روبنز التي نشرت هذا العام كتابها عن نظرية “دعهم وشأنهم” في العلاقات الإنسانية. ويُذكر أنها أصدرت الكتاب الصوتي بصوتها على منصّة “أوديبل” بالتزامن مع طرحه في الأسواق، ما أسهم في انتشاره وتصدّره قوائم الأكثر مبيعًا على المنصّة.
مؤخرًا، أبدت دور النشر العربية اهتمامًا متزايدًا بالكتب الرومانسية والإيجابية الفرنسية، ويبرز في هذا السياق النجاح اللافت لرواية “كل أزرق السماء”، التي نفدت سريعًا منذ طرحها في الأسواق، مدفوعة بموجة الحبّ والحماسة التي نالتها من القرّاء، ولا سيما على منصّة “إكس”. وقد دفع هذا النجاح الدار إلى ترجمة عمل آخر للكاتبة الفرنسية ميليسا دا كوستا ونشره في العام نفسه. ومع نهاية العام، كشفت عدّة دور نشر عن أغلفة روايات فانتازيا ملحمية أميركية وبريطانية صدرت حديثًا أو ستصدر قريبًا. وقد تتطوّر هذه الحركة لتشمل ترجمة ما يُعرف بكتب “الأكاديميا السوداء”، تزامنًا مع رواجها الحالي في الدول الغربية وبين القرّاء على مواقع “غودريدز” و”أمازون” ومختلف منصّات التواصل الاجتماعي.
ومن اللافت أيضًا تنامي الاهتمام بأدب الطفل والناشئة، إذ أعلنت جائزة “البوكر” العالمية عن استحداث فرع جديد مخصّص لأدب الطفل المنشور باللغة الإنكليزية ابتداءً من العام المقبل. وقد يشكّل توجّه نجوم السينما والتلفزيون والكوميديا إلى كتابة قصص للأطفال حافزًا مشجّعًا لاستثمار قطاع النشر العالمي في هذا المجال على نحو أوسع.
إذًا، نحن أمام مشهد ثقافي مختلف نسبيًا، تشكّل عبر عقود من هيمنة كتب التنمية البشرية، وانتشار البودكاست، ومفاهيم التربية الإيجابية، واتّساع حضور الأدب العالمي. وفي سياق الجوائز، كان لافتًا فوز كاتبين من هنغاريا باثنتين من أبرز الجوائز الأدبية؛ إذ نال لاسلو كراسناهوركاي جائزة نوبل للآداب، فيما فاز دايفيد سالاي بجائزة “البوكر” للرواية الصادرة باللغة الإنكليزية. أما جائزة “البوكر” للأعمال المترجمة إلى الإنكليزية، فقد شهدت فوز الكاتبة الهندية بانو مشتاق عن مجموعتها القصصية، لا عن رواية كما جرت العادة، في انسجام مع تصاعد الاهتمام بالمجموعات القصصية، ولا سيما في الأدب المترجم إلى الإنكليزية.
ومن جهة أخرى، رسمت الحروب والصراعات الدائرة عالميًا صورة جديدة لسوق النشر، ولا سيما في ظل الحرب في غزّة وإيران وأوكرانيا، ما أدّى إلى تزايد ملحوظ في نشر الكتب الروائية وغير الروائية المتعلّقة بهذه البلدان. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا، صدرت أعمال عن فلسطين حصدت جوائز عالمية، من بينها كتاب عمر العقّاد “يومًا ما سيقول الجميع إنهم كانوا ضدّ هذا”، الفائز بالجائزة الوطنية الأميركية للكتاب غير الروائي. وفي أوروبا، وخصوصًا فرنسا، برزت إصدارات تتناول إسرائيل وأوكرانيا.
وبالتوازي مع شهادات فلسطينيين من داخل غزّة وخارجها، نُشرت شهادات لنساء تعرّضن لجرائم جنسية، من أبرزها سيرة جيزال بيليكو الفرنسية التي أثارت ضجّة واسعة في فرنسا، إضافة إلى مذكّرات فيرجينيا روبرتس جيوفر، التي تكشف فيها شبكات البيدوفيليا والاتجار بالقاصرين المرتبطة بجزيرة جيفري إبستين وغيلين ماكسويل، وتروي بتفصيل علاقتها بقضية الأمير أندرو.
نهايةً، نشطت حركة الكتب الصوتية في العالم العربي، إذ أُطلقت مؤخرًا على منصّات مثل “أبجد” و”راديو ثمانية” و”ستوريتل” و”إقرألي” باقات تتجاوز الكتب الكلاسيكية، وبدأت كبرى دور النشر العربية إتاحة إصداراتها بصيغ إلكترونية وصوتية على هذه المنصّات، ما سهّل وصول القارئ إلى الكتاب قبل وصوله الورقي إلى المكتبات في مختلف الدول.
ضفة ثالثة