لا نعرف أحدًا كتب سيرته الذاتية وهو مجهول، غير ظاهر في السطح الثقافي والعلمي وغير مؤثر. لذلك فالفُرص المتاحة لإظهار جزء كبير من السيرة الشخصية لعَلمٍ فني وثقافي تتم، إلى حدٍّ ما، عبر اللقاءات الصحافية والإعلامية في استذكار الماضي وتقطيره، بما فيه من أحداث ورؤى وتقاطعات، وظروف النبوغ من الطفولة حتى الشيخوخة في تسلسل زمني متوالٍ كمسطرة ذات أرقام متتابعة. وهذا ما يُكسب الكثير من شعبية المبدع الذي تستفزّه أسئلة الصحافة والإعلام، ليكون على مقربة اجتماعية من الناس، بل يكون على مقربة من ذاته التي اختلط فيها كل شيء ولا شيء أيضًا.
السيرة الذاتية جنس أدبي واضح المعالم. والبوح الشخصي في المقابلات الصحافية يكشف نوعًا من السيرة الذاتية في أجواء فنية وأدبية، تعمل لصالح الأنا في غالب الأحيان، وتلك الأنا تُخرج ما بوسعها الكثير من الماضي الشخصي، تحت وقْع الأسئلة، فتكون الإجابات متضمنة لكينونة الشخصية الثقافية، حتى وإن لم يكن القصد منها أن تكون صريحة، بقدر ما هي فاتحة نفسية تشير إلى الظروف الاجتماعية المحيطة بالموهبة ونشأتها وصيرورتها.
فلليني
فدريكو فلليني مخرج إيطالي كبير. تعرفه السينما العالمية ويعرفها، مثلما يعرفه الجمهور السينمائي مبدعًا زاوج بين الخيال والواقع في أفلامه الكثيرة. وهو الذي عاش حياته في الإخراج السينمائي بعد أن مارس الكتابة الصحافية في الكوميديا الإيطالية، وتدرّب على رؤية المفارقات الاجتماعية من خلالها. أما ولعه بالسيرك؛ وكان يرى فيه الواقع شاقوليًا؛ فقد أدركه في سن العشرين الأولى، ومع هذا فإنه لم يجد نفسه في هذه الدوّامة المنقلبة التي لا تهدأ عن الحركة، ولا تصوّر الواقع كما حدث، إنما تصوّره من زوايا ليست حقيقية تمامًا. ومع أن الماضي كله بالنسبة له كتجربة مفروضة لا بدّ من أن ينعكس على تجربته الإخراجية في السينما، “الماضي هو البطل الحقيقي لجميع أفلامي” كما يقول.
تلك كانت مرحلة أولى في إنهاض الوعي وتمرينه على مستجدات الإبداع الناشئ الذي لم يستقمْ بعد. وكأيّ شخص تتلبسه الموهبة ولا يستطيع إخراجها عنوة، فإن محاوِرًا جيدًا كـ جيوفاني غرازيني، مُلمًّا بمشروع فلليني السينمائي، كان قادرًا على استنطاق الرجل عبر ثمانية عشر حوارًا؛ بواقع أكثر من 120 سؤالًا؛ لم يبدأ بها من الطفولة كما درجت المقابلات الصحافية في اعتيادياتها الفنية، بل بدأ من الشيخوخة فيه، من آخر العمر الحرج، ما بعد الستين. عندها كان فلليني أكثر قدرة على معالجة الماضي وأخطائه وكينونته، بل أكثر قدرة على فلسفته ووضعه في إطار الحياة التي بدأت منذ عام 1920.
لم يكتب فلليني سيرته الذاتية، لكن غرازيني استخرج منها الكثير، وتمكّن من استنطاقه على مراحل زمنية متقاربة على ما يبدو، لنتعرف مباشرة على أن المخرج الإيطالي (يُنكر) معرفة كل العوالم باستثناء عالم السينما و(مع ذلك يمضي في تحليل تلك العوالم الأخرى بإدراك شديد)، لأن (إجابات فلليني تحمل ثقلها وخفتها معًا) كما يقول مترجم الكتاب أمين صالح. وفي هذا يتواضع فلليني، كأنما لا يريد أن يستخرج مستودع الماضي فيه، يرتبك ويبرر: “لا أعرف ما هو الشيء المناسب الذي ينبغي أن أقوله… مع تقدمي في السن تقلّ حاجتي لفهم صلتي بالواقع… لن أرجو أن أنظّم العالم… لا أجيب على الكثير من الأسئلة وإذا فعلت فسوف أختبئ وراء قصص قصيرة وعادية أخترعها في اللحظة…”. والقصص القصيرة التي يُغلّف فيها ما يريد أن يتذكره، ليست بنت ساعتها، بل هي تحضير مسبق والتفاف على ما يريد أن يلتفّ عليه من أسئلة مركزية كما نعتقد. لا نقول بأنه خائف، بل لا يريد البوح بأكثر مما يتوجب أن يبوح به للقارئ والمُشاهد السينمائي. فانشغالاته العملية جعلته في مواجهة الخيال السينمائي، ومن ثمّ لا يوجد للأوهام مسرد في حياته “أحتاج إلى نظام… ليس لديّ أوهام كثيرة”. فهو مع حقيقة نفسه وناقدها والمتعرّف عليها مبكرًا “أعرف فقط ما سوف لن أكونه”. وهذا الاعتراف الإيجابي يضعنا أمام حقيقة هذا المخرج الذي أبصر الطريق إلى الفيلم مبكرًا، والفيلم عنده “طريقة سحرية للتعبير عن الحياة”. والعمل المتواصل هو “حاجز وقائي عظيم. سترة مدرعة… أُكنّ حبًا عظيمًا لعملي”. وطريقة ناجزة إلى التصحيح الاجتماعي عبر الفيلم، كما يراه في أكثر من حديث يُخرجه بالطريقة الداخلية التي تضغط عليه الأسئلة الصحافية وهي تواجهه. لهذا كان أسلوبه في الإخراج السينمائي تداخلًا حيًّا بين الواقع والخيال بحيث يجعل منه أسطورة فيلمية من خلال الماضي الذي لا يغادره. وفي تركيزه على الذات الشخصية تنعكس صور افتراضية قديمة قد لا يتبناها المُشاهِد، أو لا يلحظها، فإن فلليني (يُمرّر) تلك الصور بفلترة عالية مما يجعل من عوالمها جملة من المفارقات الحسية التي تَسِم أفلامه، ولعلها انعكاسات غير واعية لا يُقحمها، إنما يُعزّز من قيمة الواقعية الجديدة التي يتبناها في مجمل ما أخرجه من أفلام.
طفولة فلليني
مَشاهِد الطفولة الماضية لا يتراءى فيها إلا ما يترك أثرًا في ضمير الطفولة ذاتها. تظل حميمية على الشاشة الداخلية للإنسان. تظهر في مثل هذه الأوقات الصحافية؛ كأنما علم النفس يُخبرنا بأن المثابات الحرجة الأولى، هي التي تُسهم في فرض قيودها السرية على بناء الشخصية، وتغذيتها بالخوف أو التردد أو الشجاعة، بمعنى إزاحة الفطرة أولًا، وتغذيتها بالأحداث ما صغُر منها وما كبُر. وسنرى في الانفعالات الجنسية الأولية؛ غير الواعية؛ مطبًّا ابتدائيًا قسريًا عليه [راهبة صغيرة وجهها أحمر.
كانت تحتضنني وتعصرني. كانت تحتك بي وتجذبني إلى جسمها الذي له رائحة قشور البطاطس والمشبّع بنكهة حساء فاسد]. هذا الوعي المتأخر عند فلليني، وهو يستحضر تلك الجاذبية النسائية، التي تقدّمت على غيرها من الأحداث، يقف في ذكراها غير سعيد، ويُمعن في وصف الراهبة بأذىً (جسمها… المشبّع بنكهة حساء فاسد). هو ارتداد واعٍ لأكثر من خمسين سنة كان يمكن أن تُنسى مع أحداث صغيرة وكبيرة مرّت به، غير أن ذلك الصدى البعيد جعل من ذلك الطفل الأول: (أخجل قليلًا عندما لا أكون واثقًا من شيء… أخجل عندما أكون مُبهمًا، متكيفًا، طائشًا…). ومن ذلك تأتي إجاباته التي يسمّيها حماقات: “الحماقات التي أتفوّه بها أثناء المقابلات الصحافية، الأحداث الحميمة، الثرثرة العقيمة”. وعلى شاكلة “لو كان لديّ ابن لحاولت أن أتعلم منه” نعدّها انقذافًا إلى تلك المرحلة البريئة، فالاستبدال الطفولي؛ طفل -أصبح الآن شيخًا معروفًا- بطفل افتراضي يكون بمثابة (ابن) هو ما يوجب القول بأن (حادثة الراهبة الصغيرة) انتهكت تلك البراءة الصغيرة، ووطّنتها في اللا وعي الشخصي لفلليني -الأكثر من ستيني عمرًا- ولا نُحمّل هذه الذكرى الباقية أكثر مما تتحمّل، لكن طرق التداعيات الحرة، كما تعلّمْنا من كارل يونغ وفرويد أن نكون على تماس مع جوهر تلك المرحلة وما فيها من أخطاء ومفترقات جسدية وحسية، تسمح لنا أن نكون لصيقين بها، ونُفسّر المقولات بما نفترضه واقعًا قد حصل بالصورة التي رسمها فلليني باقتضاب شديد.
في المدرسة “لم أتعلّم إلا القليل…”
قد نستوضح الكثير من أقواله بشأن طفولته نصف الرومانية. فالرياضة تُسبّب له “حالة من الفتور واللامبالاة… أشعر بالضجر حين أحضر، مصادفةً، مباراة في كرة السلة أو التزحلق أو سباق الجري…”. ليس هذا فحسب، إنما التكوين الجسماني ونموه البطيء سبّب له حالة اختناق نفسي قديمة، ألجأته إلى إيجاد بدائل تُلائم هيكليته الأولى. السيرك الدوّار لم يجد فيه سبيلًا لتطوير وعيه، ولا حتى الصحافة الفكاهية سحبت منه الطاقة السلبية التي كان يعاني منها “ربما تفرّجت على مباريات المصارعة بشيء من الاهتمام، لأنني على الأرجح كنت أعاني من مُركّب نقص، إذ نظرًا لكوني نحيلًا أشبه بهيكل عظمي فقد كنت أحسد أولئك الشبان بعضلاتهم المفتولة…”
(2)
ظلّ فلليني في مجمل أفلامه أكثر التصاقًا بالواقع، مع فسحة خيال جامحة، من دون النظر إلى التاريخ والأسطورة ومحاكاة الروايات والقصص التي كُتبت في عصره؛ “لا أملك على الإطلاق ذلك النوع من الحس التاريخي. إنه منظور لا يعنيني تمامًا. ما يهمني هو العيش يومًا بيوم وما أستطيع أن أفعله وأنا حيّ، أما الباقي فهو مجرد تخمين…”. إن تصوير الواقع كما هو أمامه من دون تداعيات هو مشغله الفيلمي “لا أظن أني أُحرّف الواقع على الإطلاق. أنا أصوّره… لا أميل إلى الخداع…”، وحينما غادر الطفولة، وصار عَلَمًا عالميًا في الإخراج السينمائي، لم يُفصح بما اختلجت فيه دواخله سوى مع هذا اللقاء الـ غرازيني الذي فتح فيه مسالك البوح من الأمكنة الداخلية فيه كلها، لذلك نجده يُصرّح في الكتاب: “لديّ قناعة مطلقة بأنني قوة خلاقة”. هذا الامتلاك الذي يشعر به فلليني سببه الهرب من الطفولة ومشاكلها التي لم يتحسسها الطفل فلليني في وقتها؛ غير أن المشوار الطويل الذي قضاه في ومع السينما، صهر فيه كل شيء، وصار الفيلم شجاعته التي يُنازل بها كبار المخرجين في العالم. مع أنه يظلّ متواضعًا في فلسفته الشخصية الناضجة، أشبه “بسائح فضولي لكنه ضجِر، أشبه بعابر سبيل. شخص يوجد هنا ولا يوجد”. ويُتقن الكثير من مفردات الحياة التي أوصلته إلى الأدب والسينما والثقافة العامة، بما فيها الجماليات المتنوعة التي تواءمت مع فلليني الستيني، وهو يضع فيلمًا تلو الآخر في مشوار العمل الذي انتشله كثيرًا.
من الأشياء التي خلُص إليها هي إبعاد الأدب/ رواياتٍ وقصصًا/ عن الحقل السينمائي، إذ يرى أن الحاجة “فقط إلى كتّاب سينما… لأن التأويل الأدبي للأحداث لا علاقة له بالتأويل السينمائي، إنهما منهجان للتعبير مختلفان كليًا…”
(3)
فنيًا يضع فلليني معادلات شبه مألوفة نظريًا من فلسفة شخصية يرى فيها بأن “الخوف إحساس صحي”، بما معناه أن الخوف في كثير من الأحيان هو مغامرة واقتحام، بل هو شجاعة. ومن سرد استذكاري نقف عند حالتين: الأولى “شهدتُ جلسات الاستحضار مع أشخاص شديدي الحساسية تجاه الوسائط الخارقة وموهوبين بقوى استثنائية {تؤهلهم لتخريب اليقين}”. والثانية يسردها فلليني على أساس التجربة التزامنية، عندما اختار الممثل الإنكليزي فريدي جونز لدور رئيسي لفيلمه “والسفينة تبحر” وكان وقتها متشككًا حول مقدرته على أداء الدور، ولم يقتنع بتمكّنه من دور أورلاندو في الفيلم بالرغم من إجراء اختبارين فنيين له. وفي لحظة مرافقته إلى المطار “… نظرتُ إليه بضغينة وفكرت: لا، لا تستطيع أن تكون أورلاندو كما تخيّلت… عندها لم أرَ في حياتي وجهًا غريبًا ومجهولًا بالنسبة لي كما هذا الوجه. في تلك اللحظة… رأيت ملصقًا إعلانيًا طوله عشرون مترًا مطبوعًا عليه بخط كبير…: “أورلاندو” – وهو إعلان عن آيس كريم يُدعى أورلاندو- عندئذ تلاشت كل شكوكي، وقررت فورًا، وبلا تردد، أن يلعب جونز الدور…”.
من أقوال فلليني في الكتاب:
- أُعطي الأفضلية للموضوعات الأصلية المكتوبة مباشرة للسينما.
- يبدو أنني دائمًا أنتهي بإنتاج الفيلم ذاته.
- طريقتي في الصلاة هي أن أُدرك أوضاعًا معقدة على نحو خاص والتي لا أستطيع الإفلات منها.
- لم أواجه قطّ مشاكل مع الممثلين. أحب عيوبهم، أخطاءهم، غرورهم، سماتهم العصابية، نفسياتهم الطفولية.
- الممثلون الهزليون هبة من الله إلى البشرية.
- في أميركا تأتي الأفكار إليّ عبر لغة ليست لغتي، عبر واقع لا أعرف تلميحاته وإشاراته.
- “الحياة الحلوة” أول فيلم إيطالي تستغرق مدة عرضه ثلاث ساعات وثلاثين دقيقة.
- الإضاءة هي الجوهر الحقيقي للفيلم. هي أيديولوجيا، شعور، لون، نغمة، عمق.
- الإرهاب كابوس يتفاقم بسبب الرؤية الضبابية لمحللين سياسيين وصحافيين يبتكرون المبررات له… يزعمون أن الإرهابيين يحاولون قتل الخواء داخل ذواتهم ويُطلقون النار على رعبهم الخاص من أجل تدمير هذا الرعب. ربما اعتدنا التفكير بأن الحرب تُبرّر الجريمة، لكن حين لا تكون هناك حرب فإن الجريمة تُصبح وحشية أكثر.
- يونغ هو رفيق سفر، أخ أكبر، حكيم، عالم وَراءٍ. فرويد يريد أن يُفسّر لنا ما نكونه، يونغ يُرافقنا إلى بوابة المجهول ويدعنا نرى ونفهم بأنفسنا.
يصف العاملين معه:
- بيير غيراردي، مصمم المناظر، متشرد أرستقراطي. حميم ومستقل مثل راهب بوذي. جشع، شرِه وغير ناضج مثل رضيع مولود حديثًا.
- دانيلو دوناتي: متعاون آخر. حميم ومتجانس جدًا.
- توليو بنيللي: أحترمه كمبدع الحبكات… لديه مزاج وحساسية روائي حقيقي.
- نينو روتا: يتمتع بمخيلة هندسية ورؤية موسيقية جديرة بالعوالم السماوية.
من أفلامه:
- أضواء حفل المنوعات (1950) بالاشتراك مع ألبرتو لاتوادا – الشيخ الأبيض 1952 – فيتولوني 1953 – الطريق 1954 – المحتالون 1955 – ليالي كابيريا 1957 – الحياة الحلوة 1960 – بوكاشيو 70 (جزء) 1962 – ثمانية ونصف 1963 – جولييتا والأرواح 1965 – المهرجون 1971 – ساتيريكون 1969 – روما 1972 – كازانوفا فلليني 1976 – مدينة النساء 1980 – والسفينة تبحر 1983 – المقابلة 1987 – صوت القمر 1990.
المصدر:
- فدريكو فلليني – حاوره: جيوفاني غرازيني – ترجمة: أمين صالح – دار خطوط – عمّان.
تعريف:
- فلليني: مخرج سينمائي، أسطوري كما يصفه النقاد السينمائيون. وُلد في 20 كانون الثاني/ يناير 1920 في مدينة ريميني – إيطاليا، وتُوفي في روما في 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1993 بعد إصابته بنوبة قلبية. حصل في مشواره السينمائي مخرجًا على أربع جوائز أوسكار لأفضل فيلم أجنبي، وجائزة أوسكار شرفية عن مجمل أعماله.