في موقفٍ يكاد يكون استثنائيا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، تتصاعد أصوات التهديد من قِبَل قادة النظام في طهران بفرض عقوبة الإعدام على المتظاهرين الذين يخرجون للشارع. هذا الخطاب الذي يبدو في ظاهره ذروةً في الصلابة والعزم، يحمل في أحشائه رجةً عميقة من الهلع، ويطرح سؤالا وجوديا لا يخص إيران وحدها، بل يمسّ قلب شرعية النموذج الثيوقراطي ذاته: هل نحن إزاء احتضار نظام، أم أننا ببساطة نشهد أزمة عابرة من أزمات التاريخ الطويلة؟ المشهد الحالي لا يمكن اختزاله في حدثٍ واحد؛ إنه تراكم متزامن لعناصر الانهيار: القمع الدموي الذي فقد فاعليته المخيفة، والاقتصاد المنهار الذي لم يعد قادرا على إطعام الشعب أو شراء ولائه، والأدوات الإقليمية التي طالما تباهى النظام ببراعته في استخدامها، وهي تتهاوى واحدة تلو الأخرى. إن تجمع هذه العواصف معًا في وقت واحد يجعل من السؤال عن “النهاية” ليس ضربا من التمني، بل تحليلاً لواقع ملموس يكتب فصوله الأخيرة.
إن تهديدات الإعدام العلنية والجماعية ليست دليلاً على القوة، بل هي إعلانٌ صريح عن الإفلاس السياسي. فالنظام الذي يقترح قتل مواطنيه كحلٍ وحيد للتحدي، يكون قد اعترف ضمنيا بأنه استنفد كل أدوات الإقناع والحوار، وأن جدار الخوف الذي بناه على مدى أربعة عقود قد تصدع. التاريخ لا يعطف على من يلجأ إلى هذا الخيار الأخير؛ فمنذ الثورة الفرنسية إلى سقوط الأنظمة الشمولية في القرن العشرين، تظهر الوقائع أن القمع المفرط غالبا ما يكون القشة الأخيرة التي تدفع الجماهير من حالة الغضب إلى حالة التمرد الحاسم. عندما تهدد السلطة بإعدام الناس لأنهم يطالبون بالحياة الكريمة، فإنها تحول المطالب الاقتصادية والاجتماعية إلى معركة وجودية، يصبح الموت فيها خيارا محتملا سواء في السجن أو في الفقر المدقع. حجم الاحتجاجات الحالية واتساع قاعدتها الجغرافية والاجتماعية -حيث لم تعد مقتصرة على طلاب أو فئة معينة بل طالت شرائح واسعة من الطبقة الوسطى وحتى الفئات الفقيرة- يدلان على أن التهديد لم يعد يردع، بل قد يحول المتظاهر العادي إلى ثائرٍ لا يخسر شيئا. إنها لحظة تحول خطيرة، حيث يتحول القمع من أداة ضبط إلى وقود للانفجار.
لا يمكن فهم هذا اليأس الجماهيري دون الغوص في مستنقع الانهيار الاقتصادي، الذي يُمثّل العامل الحاسم في تفجير الغضب. لقد تحول الاقتصاد الإيراني، رغم ثرواته الهائلة من النفط والغاز والمعادن، إلى نموذج للفشل المؤسسي. تضخمٌ نقدي تجاوز حاجز الخمسين في المئة سنويّا، وريالٌ منهار فقد أكثر من ثمانين في المئة من قيمته خلال سنوات قليلة، وبطالةٌ مزمنة بين الشباب تتجاوز الخمس والعشرين في المئة، كلها أرقامٌ مجردة تترجم على الأرض إلى ملايين العائلات التي تجد نفسها عاجزة عن تأمين قوت يومها. العقوبات الدولية لعبت دورا بالغ القسوة، لكن النظام حوّلها من تحدٍ خارجي إلى ذريعةٍ دائمة لإخفاء فساده وإدارته الكارثية. الفساد الذي تخترق شباكه كل مؤسسات الدولة، من الحرس الثوري إلى المؤسسات الخيرية المقربة من المرشد، حوّل الثروة الوطنية إلى غنائم توزع على الموالين، تاركا الشعب يغرق في الفاقة. هذا الواقع الاقتصادي المزري لم يعد قابلاً للتحمل أو التبرير بخطاب المقاومة والاستقلال. فالشعب الذي يُطلب منه الصبر والتضحية في معركة الوجود، يرى النخبة الحاكمة تعيش في بذخٍ فاحش، ما يخلق شعورا عميقا بالخيانة والغضب الذي لا يمكن لأي قمع أن يخمده. عندما يصل المواطن إلى حافة الجوع، تتحول كل الشعارات المقدسة إلى هراء، وتصبح المخاطرة بالحياة في الشارع أقل رهبة من الموت البطيء في البيت.
وإذا كان النظام قد فقد أدواته الداخلية لاسترضاء الشعب، فإن أدواته الخارجية التي طالما استند إليها لتعزيز شرعيته وتصدير أزمته بدأت هي الأخرى تتداعى. “حزام المقاومة” الذي كان يُروَّج له كإمبراطورية نفوذ تمتد من طهران إلى بيروت، يظهر اليوم مشقوقا ومهترئا. في العراق، لم تعد الميليشيات المدعومة إيرانيّا تحظى بتلك الهيمنة المطلقة، وبدأت القوى الوطنية بإعادة حساب مصالحها. وفي سوريا، أصبح الوجود الإيراني عبئا اقتصاديا وعسكريا باهظ الثمن، أمام تراجع الدعم الروسي وتصلب الموقف الإسرائيلي. حتى في لبنان واليمن، حيث كان النفوذ الإيراني أكثر تجذرا، نجد أن حزب الله وحوثيي اليمن يواجهون تحديات داخلية واقتصادية جسيمة تحد من قدرتهم على خدمة أجندة طهران كما في السابق. فشل هذه الإستراتيجية الإقليمية في حماية النظام داخليا هو نقطة تحول محورية؛ فالنموذج الذي كان يقدم نفسه كحامٍ للأمة وقائد للمقاومة، عاجزٌ اليوم عن حماية اقتصاده أو تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم لشعبه. انكشفت حدود شعار “تصدير الثورة”، وتبين أنه كان أداةً للتوسع الإقليمي على حساب التنمية الداخلية، فدفع الشعب الإيراني الثمن من رفاهه وأمنه. هذا الترابط العضوي بين الضعف الداخلي وفشل الأدوات الخارجية يشكل حلقة مفرغة تزيد النظام عزلة وتقربه من الهاوية.
تتراوح السيناريوهات المحتملة بين انهيار مفاجئ، أو تحول تدريجي تنزلق فيه السلطة من أيدي رجال الدين إلى تحالف عسكري – تقني، أو حتى شبح حرب أهلية إذا انشق الحرس الثوري على نفسه
وفي قلب هذه العاصفة تتصدع المؤسسة التي كانت تمثل العمود الفقري للنظام: المؤسسة الدينية ذاتها. لم يعد الصف الديني موحدا خلف نظرية ولاية الفقيه، بل برزت أصوات مهمة داخل الحوزات العلمية، وخاصة في قم ومشهد، تنتقد استبداد النظام وتحذره من مغبة تحويل الدين إلى أداة قمع. لقد بدأ البناء الشرعي للنظام ينهار من الداخل، بعد أن تحول الولي الفقيه من مرجعية روحية وسياسية، إلى قائد أعلى لجيش من المؤسسات الأمنية والاقتصادية الفاسدة. هذا الانزياح الخطير أفقد النظام شرعيته الدينية لدى شريحة واسعة من المتدينين الشباب الذين يرون تناقضا صارخا بين تعاليم الإسلام السمحة وممارسات النظام القمعية. الجيل الجديد الذي نشأ في ظل الجمهورية الإسلامية، والمتشبع بالعالم الرقمي والاتصال بالعالم الخارجي، لم يعد يقبل بالخطاب التقليدي ولا بالمرجعيات المطلقة. إنه يتحدى السلطة الأبوية للنظام، ويريد دولةً حديثةً تحترم كرامته وحريته، لا دوغمائية ثيوقراطية تجمد البلاد في زمن الماضي. هذا التحول الجيلي هو أخطر ما يواجه النظام، لأنه يقطع عليه طريق التجديد من الداخل، ويدفعه إلى المزيد من التشدد والعزلة، ما يسرّع نهايته.
على المسرح الدولي، تتابع القوى الكبرى هذا المشهد باهتمام بالغ وحذر شديد. فالغرب، وإن كان سعيدا بإضعاف نظام طهران، يخشى فراغ السلطة والفوضى التي قد تنجم عن انهيار مفاجئ، وخاصة في ما يتعلق بملف البرنامج النووي والأمن الإقليمي. روسيا والصين، الحليفان الإستراتيجيان للنظام، تريان في الأزمة تهديدا لمصالحهما، لكنهما في الوقت نفسه لا ترغبان في استنزاف مواردهما في إنقاذ نظام قد يكون مصيره محتوما. هذا التردد الدولي وانقسام المواقف قد يمنحان النظام هامشا من الوقت، لكنهما لن ينقذاه من مصيره إذا استمرت العوامل الداخلية في التآكل. سقوط النظام الإيراني سيغير خريطة الشرق الأوسط جذريّا؛ فملفات مثل الحرب في اليمن، والمأزق السوري، وتوازن القوى في الخليج، ستشهد تحولات كبرى. العالم يقف على حافة لحظة تاريخية، قد تشهد انتقال إيران من دولة ثورية معادية للنظام الدولي إلى لاعب مختلف، أو قد تغرق في فوضى لا يعلم أحد عواقبها.
في النهاية، تتراوح السيناريوهات المحتملة بين انهيار مفاجئ على غرار سقوط حلف وارسو، أو تحول تدريجي تنزلق فيه السلطة من أيدي رجال الدين إلى تحالف عسكري – تقني قد يحاول إنقاذ الدولة على حساب الأيديولوجيا، أو حتى شبح حرب أهلية إذا انشق الحرس الثوري على نفسه. دور الحرس الثوري وقوات الباسيج سيكون حاسما؛ فهم يشكلون دولة داخل الدولة ويملكون القوة والمال. هل سيضحون بالأيديولوجيا من أجل الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية العملاقة؟ هل يمكن لدولة آيات الله أن تتكيف وتتغير بما يكفي للنجاة، أم أن طبيعتها الثيوقراطية تجعل أي إصلاح حقيقي مستحيلاً؟ التاريخ يعطينا درسا قاسيا: الأنظمة التي تجمد الزمن، وترفض التكيف مع تطورات عصرها، وتفقد شرعيتها في عيون شعبها، يكون مصيرها الزوال، مهما طال أمدها ومهما بلغت قسوتها. العالم اليوم يتابع بترقب مشهدا قد يكون نهاية حقبة، ليس فقط في إيران، بل في تاريخ تجربة الحكم الثيوقراطي في العصر الحديث. السؤال ليس “إذا” كانت النهاية قادمة، بل “متى” وكيف ستأتي، وما الثمن الذي سيدفعه الشعب الإيراني والعالم قبل أن تشرق شمس جديدة على أرض فارس القديمة.