رشاد عبدالقادر .. كاتب
كنتُ لا أزال صغيراً عندما بدأنا ننتبه لوجودهم؛ يتنقّلون من بيتٍ إلى بيت، من حيٍّ إلى حيّ، من بلدةٍ إلى بلدة، أحياناً يركبون في صناديق شاحنات الـ«بيك-آب» التي ترضى بنقلهم، وأحياناً يقطعونها مشياً على الأقدام. كانوا جزءاً من الجغرافيا والذاكرة، جزءاً من النباتات، جزءاً من طبيعة الأشياء.
كانوا كثيرين. يحلمون. يتحدّثون بابتسامة؛ بثقةٍ وإيمانٍ بأنّ الأحلام قابلةٌ للتحقّق. خرجوا أحياناً عن طورهم في حوادث ظهرت هنا وهناك؛ ارتكبوا أخطاء، مارسوا حماقات؛ لكنهم كانوا دائماً موجودين. ينتكسون أحياناً ويخرجون عن السيطرة؛ ويتطوّرون أحياناً، ويتغيّرون، وإنْ كان ذلك بتعنّتٍ وبطء.
دخلتُ السجن عام 1987، ثم خرجتُ عام 1994. كان المشهد قد تغيّر. كانوا قد انتقلوا إلى الجبال، تركوا أسرّتهم الدافئة، وأُسَرهم، ودراستهم، ومستقبلهم الشخصي، يطاردون الحلم الذي انتابهم، وانتاب أجدادهم من قبلهم، وأجداد أجدادهم من قبل قبلهم، في بيئةٍ ناكرةٍ، معادية.
كلّما تزايد الإنكار، تزايد تمسّكهم بالحلم… الحلم البسيط الواضح: أريد أن أعيش مثلك!
كنتُ أرى جثامينهم تصل تباعاً في مواكب مهيبة، إذا سمحت الظروف الأمنية. بعضهم عاد وقد قُطّعت أطرافه، وبعضهم الآخر عاد مريضاً، منهكاً، متقدّماً في العمر. لكنهم لم يتخلّوا عن الحلم؛ لأنه أبسط حلم، ولا يمكن لأي كائنٍ يستحق أن يُطلق عليه اسم «إنسان» أن يتنازل عن أكثر من ذلك.
في بداية الثورة في سوريا، كانت تنتابهم الريبة. لكن شباب «عامودا» المستقلّين اتخذوا خطّاً مختلفاً، ولم يأبهوا لهم. كانت أوّل بثوث المظاهرات، أيّام الجمعة، التي تصل إلى قناتَي «الجزيرة» و«العربية»، هي بثوث ثوّار «عامودا». وكانت ريبتهم في محلّها؛ إذْ لم تمضِ سنة، أو يزيد قليلاً، حتى بدأت الثورة تخرج عن المسار الجامع، لا سيما بعد جمعة «كلّنا جبهة الـ…ـنصـ…ـرة» في 14 كانون الأوّل 2012.
هكذا بدأ مشروعهم في «الإدارة الذاتية» الذي نعرفه اليوم. لم يكن الطريق، منذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا، يسيراً، بل كان غارقاً بالدماء. تكالب عليهم كثيرون، وهم أيضاً ارتكبوا كثيراً من الأخطاء، ومارسوا كثيراً من الحماقات، وبعضها قد لا يُغتفر.
ومع ذلك، هم لا يزالون هم؛ يحملون الحلم البسيط ذاته.
لكن..
«الثورة» انقلبت على نفسها.
ثوريون أصبحوا فاشيين.
مثقفون أصبحوا ظلاميين.
كُتّابٌ أصبحوا جاهليين.
ديمقراطيون أصبحوا يهلّلون للقمع.
داعون للمدنية أصبحوا دعاةً للطائفية.
ليبراليون أصبحوا دعاةَ إقصاء.
شيوعيون باتوا فاشيين جدداً.
وعربٌ تكاتف معهم الكرد على مرّ التاريخ، أصبحوا اليوم لا يرضون بأقلّ من إبادتهم.
أفرادٌ، وجماعاتٌ، وطوائفٌ، وأديانٌ، ودولٌ، توافقت اليوم على أنّ الكردي لا يستحق أن يعيش إنساناً، ولا يحقّ له ما يحقّ لغيره.
أشخاصٌ شاركتهم مهاجع سجن صيدنايا سبع سنوات، وقاسمتهم مرارة «النضال»، يعلنون، وعلى رؤوس الأشهاد، دون وجل، دون وخزة ضمير، ودون أن تهتزّ لهم شعرة، أنّ على الكرد أن يتخلّوا عن كونهم «بشراً».
نعم، «قسد» ارتكبت أخطاءً، لكنها القوّة الوحيدة التي لم تنجرّ إلى جنون هؤلاء الفاشيين.
نعم، «قسد» مارست الحماقات؛ حماقاتٍ كثيرة، لكنها الأمل الوحيد لإنقاذ سوريا من هؤلاء الفاشيين.
نعم، «قسد» فعلت ذلك، وربما أكثر، لكنها ليست فاشية. وبدونها ستعود سوريا إلى عصور الغاب: القويّ يأكل الضعيف.
وأرجو ألّا ترتكب «قسد» حماقةً أخرى؛ لأنّ استمرارها أهمّ من انتصارها. وإنْ لم يكن اليوم مؤاتياً، فثمّة أيّامٌ أُخَر. ولترفع شعاراً واحداً:
إنْ كانوا لا يريدوننا أن نعيش بسلام، فلن ندعهم يعيشون بسلامٍ أبداً.