خوشناف حمو. كاتب
لم تعد السياسة في المشرق، منذ زمن غير قصير، حقلًا للاحتكام إلى القيم أو استدعاء السرديات الأخلاقية، بل غدت فنًا لإدارة الوقائع، وترتيب الخسائر، وتدوير الأزمات بدل حلّها. في هذا العالم، لا تُكافأ العدالة لذاتها، ولا تُمنح الشرعية لمن يملك الحق فقط، بل لمن يعرف كيف يترجم هذا الحق إلى لغة المصالح، والتحالفات، وقابلية التفاوض.
من هذا المنظور، تبدو الحركة القومية الكردية في سوريا عالقة بين خطابين: خطاب المظلومية الذي استُنفد، وخطاب الواقعية الذي لم يُنجز بعد.
فالانتقال من الوعي بالحق إلى السياسة بوصفها ممارسة، لا شعارًا، لا يزال متعثرًا، إن لم يكن مؤجَّلًا عمدًا. الحقوق، حين لا تُحمَل عبر مؤسسات، ولا تُصاغ في برامج، ولا تُدرج ضمن أفق وطني أوسع، تتحول من قضية سياسية إلى مادة أخلاقية صافية، أي إلى خطاب بلا أدوات.
تعاني هذه الحركة، في بنيتها العميقة، من أزمة تمثيل لا تخفى. تضخم حزبي يقابله فراغ اجتماعي، وانقسام تنظيمي لا يعكس تعددية حقيقية بقدر ما يشي بعجز مزمن عن إنتاج قيادة ذات شرعية. فحين تنفصل الأحزاب عن المجتمع، تتحول السياسة إلى شأن داخلي مغلق، تُدار فيه الخلافات باسم الناس لا معهم، وتُراكم التنظيمات وجودها فيما يتآكل مضمونها.
وتترافق هذه الأزمة مع هشاشة الاستقلالية السياسية. فالقرار الكردي السوري كثيرًا ما يُستعار من تجارب لا تشبه السياق السوري، أو يُربط بأجندات خارجية تفوقه حجمًا وثقلًا. هنا لا يعود الحديث عن تحالفات، بل عن فقدان القدرة على إنتاج أولوية ذاتية، وعلى تعريف المصلحة من داخل المجتمع لا من خارجه.
أما الخطاب، وهو الوجه الثقافي للسياسة، فيعاني بدوره من اختلال واضح. لغة مرتفعة السقف، مثقلة بالرموز والتاريخ، لكنها فقيرة في تصورها للممكن. خطاب يستدعي المثال بدل أن يحلل الواقع، ويبالغ في إعلان الأهداف فيما يعجز عن شرح الطريق إليها. في السياسة، ليس الخطر في الطموح، بل في تجاهل شروطه.
في هذا السياق، تفرض العلاقة مع «قسد» نفسها كإحدى أكثر المسائل التباسًا. فقسد، بوصفها كيانًا عسكريًا–سياسيًا، ليست التعبير الطبيعي عن مشروع قومي كردي، ولا تقدّم نفسها كذلك. الرهان عليها باعتبارها حاملًا تلقائيًا للأهداف القومية هو سوء قراءة، كما أن القطيعة معها بلا أفق سياسي ليست سوى انفعال بلا حساب. ما يُطلب هنا ليس موقفًا أخلاقيًا، بل إدارة عقلانية للعلاقة: فصل وظيفي يجنّب التبعية، ويستبعد الصدام، ويكبح الأوهام.
أما دمشق، التي يُفضّل كثيرون التعامل معها كمسألة مؤجلة أو محرجة، فهي في الواقع العقدة المركزية. فالدولة السورية، مهما أصابها من تآكل، ما تزال الإطار السيادي الذي تُدار داخله السياسة. التعاطي معها لا يكون عبر الإنكار ولا عبر الرومانسية الوطنية، بل عبر براغماتية تفاوضية باردة، تُبقي المسألة الكردية داخل الفضاء الوطني السوري. فكل خروج من هذا الفضاء لا يؤدي إلا إلى عزل الذات وتحويل القضية من شأن وطني إلى ملف هامشي.
ويُساء، في هذا السياق، تقدير دور إقليم كردستان العراق. فالإقليم يشكل سندًا سياسيًا ومعنويًا لا يمكن إنكاره، لكنه ليس بديلًا عن الفعل الداخلي، ولا يمكن تحويله إلى امتداد للصراع السوري من دون تعريض التجربتين معًا للاهتزاز. الدعم لا يعني التفويض، والقرابة القومية لا تلغي اختلاف الشروط والسياقات.
غير أن المأزق الأعمق يتجاوز الأحزاب والتحالفات، ليطال غياب فاعل اجتماعي مستقل. فالأحزاب، حين تُترك بلا رقابة، تميل بطبيعتها إلى الانغلاق وإعادة إنتاج ذاتها. هنا يبرز المجتمع المدني، لا بوصفه شعارًا تحديثيًا، بل كأداة لإعادة السياسة إلى المجال العام: مساءلة الأداء، فرض أولويات الناس، وتحويل الحقوق من مطالب مجردة إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
مجتمع مدني قادر، في الوقت نفسه، على مدّ الجسور مع الفضاء السوري الأوسع، بما يحرّر القضية الكردية من عزلتها الهوياتية، ويعيد إدراجها ضمن أفق دولة المواطنة، لا ضمن سردية الاستثناء الدائم.
الخلاصة أن المأزق الكردي في سوريا ليس مأزق حقوق بقدر ما هو مأزق سياسة. ليس مأزق مظلومية، بل مأزق تمثيل، وإدارة، وواقعية. وما لم تنتقل الحركة القومية من لغة الانفعال إلى لغة البناء، ومن وهم الخارج إلى ثقل الداخل، ستبقى تطالب بالشرعية من العالم، فيما تفقدها في مجتمعها.
في السياسة، الواقعية ليست تنازلًا، بل إدراكٌ صارم لحدود الممكن. وذلك، في هذا الشرق، فضيلة نادرة.