يقول دانيال بسنر، الباحث الأميركي في معهد كوينسي (مؤسسة تنتقد النزعة الصقورية الحربية لدى نخب واشنطن)، إننا نخطئ فهم فرانسيس فوكوياما، فمقولته في نهاية التاريخ لم تكن احتفالية، بل على العكس تضمّنت رثاء للاتحاد السوفياتي. في مقال حديث عن “الإمبريالية الأميركية الجديدة” بشأن غزة، يقول فوكوياما: “أدّت النكبة الأصلية، أو “كارثة” إنشاء إسرائيل عام 1948، إلى خلق ظروف مزعزعة للاستقرار في المنطقة لا تزال آثارها ملموسة حتى يومنا هذا”. هنا، يريد هذا المثقّف حماية تجانس إرثه الفكري، بالإقرار باستحالة النهاية الليبرالية للتاريخ دون نهاية الصهيونية.
خطاب فوكوياما -منظّر “نهاية التاريخ”- مهم كزاوية جديدة للنقد، لأن غالبية الانتقادات التي يواجهها حازم صاغية -منظّر “وداع العروبة”- لا تساهم إلا في تعظيم شخصيته العامة التي يسوقها لنا، تلك القائمة على الثنائية المزيّفة للفرداني العقلاني الذي تعيبه الحشود العاطفية بالخيانة أو التواطؤ مع “أعداء الأمة”. أنا بعكس ذلك أنوي تفكيك خطاب صاغية على أرضية “ما بعد العقيدة” التي يدّعي أنه يتحلى بها كي أظهر أنه يفشل حتى في ذلك، ليغدو متماثلاً مع الذين ينتقدهم؛ إنسان عاطفي شعاراتي وعقائدي، نتاج لمجتمع شديد العسكرة والصدامية باليمين اللبناني.
في مقابلة له مع الشابين السوريين حسام القطلبي وملاذ الزعبي، نكتشف أن صاغية احتاج إلى محور الممانعة عدواً كي يتظاهر بأنه يملك مشروعاً، فما إن سقط المحور حتى تبين أنه لا يملك أي شيء ذي قيمة ليقول. صاغية لا يتبنى نظرية اجتماعية، بل يملك القدرة البلاغية على تنميق التشوّه الفكري للنظريات الاجتماعية عن منطقتنا لحياكتها على مقاس وحاجات اليمين اللبناني، هذا ينتج تناقضات في خطابه لا يمكن تجنب مؤاخذته عليها ليس فقط من النواحي العقائدية الوعظية بل في أبسط النواحي المعرفية الموضوعية.
صاغية كعادته يسخر من الشعاراتية، أو “الجبهوية” أي “Popular-Frontism” بالخطاب العربي قائلاً، إن “الشعارات التي تعاقبت علينا؛ الوحدة العربية، تحرير فلسطين، الاشتراكية والتحالف مع الاتحاد السوفياتي، حرب التحرير الشعبية” هي كلها مهزلة، مع ذلك هو يتبنى “الجبهوية” دون شروط ضد ما يراه ككيان “وظيفي عسكري”، يمارس القوة على لبنان ويبتز الفلسطينيين ويهدّد الأردن كي يصبح “صانع الحدث في منطقة المشرق”.
إن كنت تظن أن صاغية يتحدّث هنا عن إسرائيل -بينما هو يتحدّث عن سوريا- فهذا لأن صاغية يعيش معركة جبهوية وشعاراتية بامتياز مثل أي يساري ممانع، الفرق هنا أن سوريا هي إسرائيله، وهو يريد أن يخوض مع جارته حرباً وجودية ملحّة في كل الأوقات، بل يرى أن هدف إسقاط النظام جعل التوقف عن التفكير والتحليل ضرورياً. وبعد هذا السقوط، يؤكد صاغية خلال المقابلة أن “أم المعارك” التي لا صوت يعلو فوق صوتها هي معركة “نزع السلاح” في لبنان، هنا يتحوّل صاغية إلى “ممانع معكوس” لا يريد محاربة إسرائيل، ولكنه يريد بحماسة غير عقلانية محاربة الآثار البنيوية غير المباشرة لوجودها.
صاغية هنا يتقن التلاعب بين الملحّ والمؤجّل، فهو يقلّل من قيمة التفسيرات التقليدية للحق في تقرير المصير بالمشرق بمواجهة الخارج الغربي والخليجي النفطي، ويرفع من مكانة الحق في تقرير المصير الداخلي الطائفي. الحل الجدلي هنا بين الإشكاليتين هو دولة دستورية وحدوية عربية ذات صفات فيدرالية، وهذا ما اعترف به على مضض في بداية المقابلة عن المملكة العربية السورية قبيل معركة ميسلون، قبل أن ينغمس في تسفيه الأسباب الخارجية لمشاكل المنطقة وتعظيم الأسباب الداخلية القومية التي لم تشبع النزعات الطائفية بالمحاصصة أو الفيدرالية أو التقسيم، حتى إن مقابله حسام القطلبي قاطعه قائلاً، إنه يتحدث وكأنّ “الانقسام الطائفي بريء تماماً من انعدام فرص التعدّدية السياسية” وكذلك “كأنه ليس للعامل الدولي، ليس لوجود إسرائيل أو ليس ما كان يسمى سابقاً الأطماع الاستعمارية أيّ دور في تكريس هذا الانقسام أو تعميقه أو إعدام فرص النجاة منه”.
يعتبر صاغية أن العصبية الخلدونية العربية بمواجهة الخارج والحساسية في العلاقة مع الغرب هي السبب في خراب ديارنا، حتى إن القطلبي قاطعه بأن تركيا تمتلك ذات الحساسية لكنها تمكنت من بناء دولة ناجحة (يستشهد صاغية بالنموذج الياباني الحليف للغرب ويتجاهل النموذج الصيني المتصادم مع الغرب). احتقار صاغية للثقافة الشعبية الناقدة للغرب تأتي بالمفارقة مع تورّطه في مشروع سياسي لبناني مرتبط عضوياً بالمحافظين الجدد في واشنطن، والذين يتبنون أطروحة الحضارة اليهودية-المسيحية “الواحدة ذات الرسالة الخالدة”، ما يجعلهم في حالة صدام مستمر مع منطقتنا خاصة عبر إسرائيل. وبالرغم أن صاغية ينتقد النظامين البعثيين في سوريا والعراق: “إذا حكيت عن الطائفية أنت طائفي مش إذا عملت الطائفية أنت طائفي”، إلا أنه يرتكب ذات الخطأ المنهجي؛ “فيك تمارس صدام الحضارات لكن ما فيك يكون إلك رد فعل طبيعي عليه”.
ومع أن صاغية يدّعي الواقعية السياسية نقطة للقوة في خطابه إلا أن هذا لباس لمثالية مفرطة متهوّرة وطفولية غير آبهة بأي قراءة جيوسياسية جدّية، فعندما سأله مقابله عن مسألة الدفاع ضد العدوان الخارجي (المعترف بأهميتها حتى بالدول الديمقراطية الإسكندنافية)، أجاب أن تفكيك الجيشين السوري والعراقي “من حيث المبدأ هيدي خطوة منيحة”، وأنه على المجتمعات العربية تجاوز “ثقافة القوة” وعندها ستخف الحاجة إلى “الجيوش”، وبما يتعلق في لبنان، يرى صاغية أنه “فيه يعيش بلا جيش”.
يقدّم صاغية نفسه هنا كحمامة سلام لا تكاد تحتمل عذوبة هديلها، كي يغطي على ضجيج البساطير في كيان عدائي شديد العسكرة “طارد لأهله مخيف لجيرانه” اسمه اليمين اللبناني بنسخته الكتائبية بالحرب الأهلية والـ 14 آذارية بالألفية الجديدة، كيان يخوف الموارنة من محيطهم المشرقي ويستغل المظلومية الدرزية الجنبلاطية ويستخدم السنّة من أجل الوصول إلى المال الخليجي، ويمارس استشراق ومكارثية الحرب الباردة ضد البيئة الشيعية، ويحتقر اللاجئين الفلسطينيين والسوريين، والأهم من كل ذلك أنه كيان ليست لديه مشكلة في تحويل أي بلد مشرقي إلى “ساحة”، لتنفيذ وهم انتشال لبنان من كونه “ساحة”.
* كاتب فلسطيني// المصدر جريدة الاخبار
