قبل انهيار الاتحاد السوفياتي وكتلته الاشتراكية بسنوات، علّمتنا حروبنا اللبنانية تهافت الأيديولوجيات وأحزابها. كذلك، اكتشفنا باكراً تلك “الظلامية” التي يأتي بها الإسلام السياسي، وخواء الأنظمة العربية، خصوصاً “التقدمية” منها. وأدركنا حينها بالدم والنار والدموع والألم والخراب، أن “الطريق إلى القدس” الذي تشقه هذه الأيديولوجيات وذاك الإسلام السياسي وتلك الأنظمة الخبيثة، إنما تأخذنا وبلادنا إلى جهنم وبعيداً جداً عن فلسطين.
وبحماسة المتطهر والمتخفف من كل هذا، رحنا نستكشف آفاقاً فكرية وسياسية وثقافية، تحتفي بقيم السلم والحوار والتسامح، وننحاز إلى الوعود الجديدة التي راحت تهبّ على العالم بعد سقوط التجربة الشيوعية. وتأكدت صوابية هذا الانحياز بعد المغامرة الكارثية لصدام حسين في الكويت، وافتتاح مسار مؤتمر مدريد، وهبوب العاصفة الديموقراطية في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية، وأفول عصر الانقلابات، والانتصار العظيم لنيلسون مانديلا مع نهاية نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. ورغم فشل انتفاضة تيان آن مين في الصين، كان العالم في ذروة التفاؤل بعصر مقبل بلا حروب وثراء أكثر وظلم أقل.
شعرنا أن زمن التعصب القومي والديكتاتوريات والأنظمة الشمولية و”الصراعات الوجودية” إلى زوال، بل وأن الهوة بين العالم الغني والعالم الفقير تتضاءل وتضيق بفضل بشائر “العولمة” الاقتصادية التي ستزيل كل حدود.
شهدنا ثورة الاتصالات والإنترنت والانتقال من العصر الصناعي إلى العصر التكنولوجي، وازدهار السفر والسياحة على نحو غير مسبوق، وتضاعف الثروات واختفاء الأوبئة القاتلة (الجدري وشلل الأطفال..) وتلاشي المجاعات الموسمية، ونهضات عمرانية لا مثيل لها، في الصين والخليج العربي وأوروبا والبرازيل وشرق آسيا، وإفريقيا.. وفوق هذا، صرنا نلاحق مشاهد طوابير المقترعين في بلدان لم تشهد في تاريخها انتخابات حرة أو “رئيس منتخب”، أو حتى تظاهرات سلمية. وكان “الاتحاد الأوروبي” يبدو أكثر من أي وقت مضى يوتوبيا حقيقية، ومثالاً للاحتذاء في القارات الأخرى.
باتت “الدمقرطة” السياسية والليبرالية الاجتماعية- الاقتصادية أقرب إلى الديانة الجديدة، كما أن “الغرب” ما بعد الاستعمار، الإنسانوي، و”الحلم الأميركي” بما يحمله من قيم، قابلان للتعميم بلا عوائق.. هكذا في كرنفال كوكبي ينهي التاريخ، كما بشرنا الفيلسوف الهيغلي فرانسيس فوكوياما.
ذاك الكرنفال بات اليوم ماضياً بعيداً وسراباً.
النكوص العظيم المبتدئ في أيلول 2001، والمترافق مع الانتكاسات الكبيرة في أميركا اللاتينية وإفريقيا، وفشل مسار السلام في الشرق الأوسط، وتحول العولمة إلى نيوليبرالية اقتصادية لا محل فيها للعدالة الاجتماعية، واستعصاء الديموقراطية في العالم العربي، وتفشي الإسلام السياسي المتطرف والعنيف (القاعدة وأخواتها) على نحو غير مسبوق، وانحسار أنظمة الرعاية في أوروبا والتحول إلى يمين أكثر يمينية مما هو مألوف.. كل هذا تحول بسرعة إلى موجة كاسحة مع حربي العراق وأفغانستان، ثم مع هزيمة الثورات الملونة، وانفجار الهجرات المليونية من جنوب العالم إلى شماله، واشتعال الحروب الأهلية على شاكلة مذبحة رواندا، وظهور التحديين الروسي والصيني ضد الغرب وسياساته وهيمنة القطب الواحد، الأميركي.
على امتداد العقدين المنصرمين، تشظت تلك الوعود الخلابة، وحلّ عالم التشاؤم، الذي تجسّد خصوصاً في مآل “الربيع العربي” والغزو الروسي لأوكرانيا، وصعود اليمين الفاشي وتيارات التعصب القومي والشعبوية، إن في الهند أو في أوروبا والولايات المتحدة وروسيا، بالترافق مع تداعيات تدهور المناخ والبيئة والأزمات الاقتصادية المتلاحقة (ابتداء من 2008)، وبروز قضايا المهاجرين والحدود والمخدرات والإرهاب.
العالم المتشائم أصبح اليوم مخيفاً.
ومن هذا الخوف العظيم، جاءت الترامبية لتطوي آخر ما تبقى من “نظام دولي” (بكل مؤسساته الحقوقية والتكافلية، وأعرافه الأخلاقية والقانونية). قيم جديدة لا اعتبار فيها لكل ما قامت عليه مبادئ “الأمم المتحدة” الناظمة لعلاقات الدول والضامنة لحقوق الشعوب. وبدت حرب الإبادة في غزة النموذج الأقصى (والمقبول!) لهذا العالم الجديد.
وقد يكون ما هو آتٍ أشبه بالرجوع إلى خريف 1939، مصحوباً بداروينية اجتماعية- سياسية معولمة، شديدة العنف والقسوة.