فارس الخطّاب أكاديمي ومحلل سياسي وخبير في الشأن العراقي مقيم في لندن.
تتواصل في شمال شرق سوريا حالة من التوتر السياسي والأمني بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة السورية، في ظل واقع ميداني بات يشكل إحدى أكثر القضايا تعقيدا في الملف السوري.
ويأتي هذا التعقيد من تشابك عوامل داخلية وإقليمية ودولية تجعل من مستقبل (قسد) ومنطقة نفوذها ملفا مفتوحا على احتمالات متعددة، تتراوح بين التسوية الجزئية واستمرار الوضع القائم، وصولا إلى سيناريوهات أقل ترجيحا كالتصعيد الواسع أو التفكيك القسري.
أميركا ومنذ انخراطها في مكافحة تنظيم الدولة “داعش”، تحول التعاون مع (قسد) إلى ركيزة أساسية في إستراتيجيتها شرق سوريا. منذ عام 2015 أصبحت (قسد) شريكا رئيسيا لواشنطن في الحرب على الإرهاب في سوريا.
وبمرور الوقت تحول هذا التعاون العسكري إلى نفوذ سياسي مباشر، حيث باتت القوات الأميركية الراعية الأساسية لوجود (قسد). وشيئا فشيئا باتت ليس مجرد شريك محلي، بل ورقة ضغط إستراتيجية في الملف السوري، كانت تُستخدم لمنع عودة السيطرة الكاملة لقوات (الأسد) على الشرق السوري، ولموازنة النفوذ الروسي والإيراني.
هذا التعاون لم يعد مقتصرا على الجانب العسكري، بل بات يمثل أداة نفوذ فعالة في التوازنات السورية؛ فوجود (قسد) وما تسيطر عليه من موارد اقتصادية أساسية، وفي مقدمتها النفط والقمح والمياه، يشكل بالنسبة للولايات المتحدة وسيلة للحد من نفوذ دمشق، وللضغط في أي مسار تفاوضي محتمل حول مستقبل البلاد.
كما ترى واشنطن في المنطقة الشرقية حاجزا جغرافيا يمنع اكتمال الاتصال بين طهران، وبغداد، ودمشق، وبيروت، وهو ما يمنح وجودها في تلك المنطقة أهمية إضافية في سياق سياساتها الإقليمية.
أي توترات بين دمشق و(قسد) تنشأ غالبا من تداخل المصالح المحلية مع خطوط النفوذ الخارجية، وليس بالضرورة نتيجة “تحريك مباشر” من طرف خارجي واحد.
وإلى جانب ذلك، يشكل الملف الكردي ورقة تستخدمها الولايات المتحدة بشكل غير مباشر في إدارة علاقتها المتوترة مع تركيا، بصرف النظر عن حساسية أنقرة تجاه أي كيان ذي صلة بحزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية.
تتعامل الحكومة السورية مع (قسد) بوصفها حالة استثنائية فرضتها ظروف الحرب على الإرهاب، وأيضا نظام الأسد، لكنها لا تعبر عن صيغة حكم قابلة للاستمرار.
وتؤكد دمشق بشكل واضح رفضها أي شكل من أشكال الاعتراف السياسي بالإدارة الذاتية، معتبرة أن وحدة الدولة وبنيتها المركزية تشكلان خطوطا حمراء في أي تسوية محتملة.
كما تولي دمشق أهمية خاصة لملف الموارد في الشرق، وترى أن استعادة السيطرة على حقول النفط والقطاعات الحيوية شرط أساسي لإطلاق عملية التعافي الاقتصادي، كما تشدد على أن أي اتفاق مستقبلي يتطلب دمج القوات التابعة لـ(قسد) ضمن مؤسسات الدولة، أو إعادة هيكلتها بما ينسجم مع منظومة الجيش السوري وأجهزته الأمنية.
تركيا ترفض بنيويا بقاء (قسد) بعد التخلص من نظام الأسد وتعتبرها وخاصة وحدات حماية الشعب (YPG) التي تشكل عمودها الفقري امتدادا مباشرا لحزب العمال الكردستاني (PKK).
وبناء على ذلك، ترى تركيا أن أي بقاء أو توسع لكيان كردي شبه مستقل شمال سوريا على حدودها الجنوبية يُعد تهديدا مباشرا لأمنها القومي، وأن (قسد) تملك مواصفات هذا الكيان المرفوض تركيًا، حيث لديها إدارة ذاتية واسعة: قوة عسكرية مستقلة، موارد اقتصادية، قدرة على التحكم بالحدود، وتواصل جغرافي بين القامشلي، وعين العرب، ومنبج، وعفرين، والأهم دور حزب العمال الكردستاني في توجيه (قسد) رغم تعهد هذا الحزب بالتخلي عن سلاحه والانخراط بالعمل السياسي داخل تركيا، ومحيط أمنها القومي في العراق، وسوريا.
إدارة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تتخذ قراراتها بين التأثير الخارجي وحسابات البقاء ضمن المنظومة السورية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال اختزال قرار (قسد) بجهة واحدة واشنطن أو دمشق أو حتى تركيا؛ إذ تتداخل في صناعة قرارها ثلاثة مستويات رئيسية:
أولها، التأثير الأميركي المباشر الذي يحدد سقف التحركات العسكرية والسياسية الكبرى.
وثانيها، التأثير الأيديولوجي والتنظيمي لحزب العمال الكردستاني، والذي يظهر في بنية القيادة وبعض خياراتها، وقد يصل إلى حد توجيهها نحو مواجهات غير محسوبة نتائجها بدقة.
أما المستوى الثالث، فيتعلق بحسابات (قسد) نفسها، التي تسعى إلى الحفاظ على وجودها العسكري والإداري ومنع أي فراغ أمني قد تستفيد منه أطراف أخرى، سواء كانت تركيا أو خلايا تنظيم الدولة.
وبذلك يمكن القول إن أي توترات بين دمشق و(قسد) تنشأ غالبا من تداخل المصالح المحلية مع خطوط النفوذ الخارجية، وليس بالضرورة نتيجة “تحريك مباشر” من طرف خارجي واحد.
مراكز الدراسات والمحللون السياسيون يضعون سيناريوهات متعددة لمستقبل علاقة (قسد) مع دمشق داخليا، والولايات المتحدة، وتركيا خارجيا؛ فمنذ التاريخ الحالي حتى سنتين مقبلتين تشير المعطيات الحالية إلى استمرار حالة “التوتر المنضبط”، حيث يحافظ كل طرف على خطوط حمراء تمنع انزلاق الوضع إلى مواجهة شاملة.
كما يبقى الوجود الأميركي العامل الأكثر تأثيرا في تثبيت الوضع الراهن، في ظل غياب مؤشرات على تسوية سياسية واسعة.
فيما يرتفع احتمال حدوث تغيرات ملحوظة خلال السنوات الخمس المقبلة، قد تدفع نحو اتفاق جزئي بين الطرفين، خصوصا إذا شهد الوجود الأميركي إعادة تموضع أو تقليصا مؤثرا. وتشمل هذه التغيرات المحتملة ترتيبات حول عودة بعض مؤسسات الدولة السورية إلى الشرق، وتفاهمات تتعلق بتوزيع الموارد وآليات الإدارة المحلية.
أما إذا استمرت الحالة القائمة بين دمشق و(قسد) فسيتوقف المشهد بشكل شبه كامل على مسار الوجود الأميركي، ففي حال انسحاب القوات الأميركية، فمن المرجح أن تتجه (قسد) نحو دمشق بشكل سريع، وإن تحت شروط أقل مرونة من اليوم. أما إذا استمر الوجود الأميركي، فقد يبقى الوضع على ما هو عليه، مع إمكانية إعادة هيكلة (قسد) ضمن صيغ جديدة يحددها تطور المشهد الإقليمي.
واقعيا يمثل المشهد في شرق سوريا نموذجا مكثفا للصراع الإقليمي والدولي على الجغرافيا السورية، حيث تتقاطع المصالح وتتعارض الحسابات بين واشنطن، وموسكو، وأنقرة، وطهران، وإسرائيل، ودمشق.
الاشتباكات العنيفة بين الجيش السوري و(قسد) خلال الأيام الماضية، وتجدد القتال بين قوات وزارة الدفاع السورية (الجيش السوري، من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وعناصر مرتبطة بها في أحياء مثل الشيخ مقصود، الأشرفية وبني زيد داخل مدينة حلب، مع تبادل قصف ومدفعية بين الطرفين، أجبرت آلاف السوريين من أهالي هذه المناطق المتضررة على النزوح صوب مناطق أقل خطورة تحت إشراف قوات الدفاع الحكومية.
في هذه البيئة المعقدة، تبدو العلاقة بين دمشق و(قسد) محكومة بتوازنات تتجاوز حدود الطرفين، وسيبقى مستقبل منطقة شمال شرق سوريا مرهونا إلى حد كبير بمدى قدرة الحكومة المركزية على فرض سيطرتها على المساحة السورية من خلال المفاوضات السياسية أولا، ثم من خلال بسط الأمن والاستقرار بكافة الوسائل الكفيلة بعدم خروج الأمور هناك عن سيطرتها.
تركيا ترى أن تفكك خطوط (قسد) غرب الفرات يجعل الضغط العسكري التركي أكثر تأثيرا، وأن أي تراجع لـ(قسد) في أحياء حلب، خصوصا الشيخ مقصود والأشرفية، يُضعف مكانتها التفاوضية ويقلص نطاق حمايتها العسكرية.
بشكل عام، تركيا تعتبر وجود (قسد) قرب حدودها “تهديدا قوميا”، ومعارك حلب تسهل عليها دفع المجتمع الدولي لتفهم أي خطوات توسعية ضدها.
العامل الأكثر حسما وحساسية في تحديد اتجاهات المشهد ومستقبل بقاء (قسد) كقوة عسكرية-سياسية مؤثرة، أو اتجاهها إلى الانحسار أو الاندماج القسري في بنية الدولة السورية، هو القواعد الأميركية في الحسكة، ودير الزور، والشدادي، والرميلان، التي منحت (قسد) حتى الآن مساحة كبيرة من الأمان وقدرة على فرض شروطها السياسية خلال أي مفاوضات مع دمشق، أو روسيا وحتى تركيا.
الجزيرة نت