ساطع نور الدين
معجزة سورية جديدة صنعتها الاقدار، والصدف التي وضعت العرب والكرد مرة أخرى على طريق المصالحة التاريخية المستحيلة.
معجزة سورية جديدة ترفع حاكم دمشق الجديد، الرئيس احمد الشرع، الى مستوى عربي وعالمي لم يبلغه أي حاكم سوري من قبل.
معجزة سورية جديدة، تجعل زعيم أكراد سوريا مظلوم عبدي يستعيد، بشكل شبه حرفي، سيرة الزعيم الأقوى للقضية الكردية عبد الله أوجلان، الذي كانت هزيمته الأولى في دمشق بالذات، ورايته البيضاء مرفوعة في البوسفور.
لكنها ، ككل المعجزات، غير مفهومة وغير منطقية. فجأة، يتولى حاكم دمشق تسلم السلاح الكردي، الذي كان يحكم عنوة شمال الشرق السوري لنحو عقدين من الزمن، بشراكة ملتبسة مع سلاح العشائر العربية المتمردة على كل سلطة سورية.. قبل ان يجرد العلويين والدروز وغيرهم من سلاحهم المنتشر على مسافة أقرب الى العاصمة دمشق، وعلى عتبة أخطر من حافة الهاوية، هاوية الفدرالية المنشودة.
التوقيت تركي بلا أدنى شك. قرر الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، قبل مدة أنه سيسلم تركيا خالية من الإرهاب، في الداخل وعلى تخومها الحدودية. كانت “قسد”، جرحا غائراً، وخطراً داهماً: كيان كردي شبه مستقل، يحمي المظالم الكردية، ويحرك المواجع التركية، مع أنه كان أقل الكيانات الكردية الشبيهة، تهديداً للامن القومي التركي، حتى عندما نال تفويضاً اميركياً مستحقاً بإدارة الشمال الشرقي لسوريا، وما فيه من أغلبية عربية حاسمة، نتيجة شجاعته الاستثنائية في قتال داعش، وإعتقال محاربيها وعائلاتهم.
طبعا، يضاف الى هذا الدور، المكافأة الأميركية ل”قسد”، بالاستفادة من حقول النفط السورية المهملة، والاشراف على المخزون الغذائي الأهم الذي كانت تحتويه تلك المنطقة الخصبة من شمال شرق سوريا. لكن “قسد”، ظلت عقدة تركية لا تحتمل التسامح ولا التفاوض.. وقد قيل حتى في ذروة الزحف على حلب ومنها الى دمشق في الثامن من كانون الأول العام 2024، أن الهدف التركي الأول والاهم لم يكن بشار الأسد، بل كان مظلوم عبدي. فكان أن سقط الأول سهواً، وحصل الثاني على تأجيل للحكم بإنهاء كيانه.
ما يجري الان ليس سوى تنفيذ لقرار تركي سابق، بتقويض تلك الحالة الكردية الناشزة، حتى بالمعايير العراقية والإيرانية، لكن ليس بالمعايير السورية التي كانت ولا تزال تحتمل الخوض في أولويات مختلفة، عن إرسال الجيش السوري الحديث النشأة لاستعادة السيطرة على المثلث الحدودي في شمال شرق سوريا، مقابل وعود للكرد بالجنسية والشراكة الوطنية لا تستطيع سلطة غير مكتملة الأركان في دمشق ان تنفذها.
التوقيت التركي حاسم حتى في واشنطن، التي لم تتردد في رعاية تلك العملية الانتقالية الخاطفة، عملية التسلم والتسليم، بين سلطة سورية تحتاج كل يوم الى إثبات شرعيتها وجدارتها، وبين سلطة كردية فقدت وظيفتها وشرعيتها.. وكل ذلك تحت شعار وحدة وطنية سورية ما زالت قيد الاختبار، ولم يكن الكرد خطرها الأكبر، ولن تكون مساهمتهم في صونها وترسيخها، إلا شكلية، خاصة عندما تصطدم دمشق مع مطالب العشائر العربية وحقوقهم الشرعية في الحكم والمؤسسات.
والكلام عن أن إلتحاق الكرد بالدولة السورية يضيف الى مكوناتها العرقية والطائفية الأخرى شريحة “مدنية” كبرى مناهضة بالتعريف للحكم الإسلامي الجديد، يبدو الآن سابقاً لأوانه، ولا شيء يوحي الآن بأن الاستسلام الكردي التام، يؤهل الكرد السوريين عموما لدور تأثير جدي في عملية صنع القرار في دمشق.. مثلهم كمثل العلويين والدروز الذين ينتظرون منذ أشهر تلقي الدعوة للشراكة الوطنية.
الأقرب الى المنطق، هو ان زوال الكيان الكردي السوري يؤجل عملية الانتقال السياسي المتعثرة في دمشق، ولا يسرعها، كما هو الشائع الآن.. إلا إذا حصلت معجزة سورية أخرى.
بيروت في 20 / 1 / 2026