فضل عبد الغني – تلفزيون سوريا
يُعدّ سؤال كيفية استيعاب الدول الحديثة للتنوع العرقي واللغوي، مع الحفاظ على التماسك الوطني، من أبرز التحديات المستمرة في النظرية السياسية والتصميم الدستوري؛ ويتمثل جوهر هذا السؤال في توتر مفاهيمي بين نموذجين متنافسين للهوية الوطنية: نموذج يقوم على التجانس العرقي أو اللغوي، وآخر يقوم على تعددية شاملة تُقرّ بأنَّ التنوع عنصرٌ تأسيسي في بناء الأمة. ويكتسب هذا التوتر أهمية خاصة في مجتمعات ما بعد النزاعات، الساعية إلى إعادة بناء المجتمع السياسي بعد فترات من الإقصاء الممنهج.
من القومية الإقصائية إلى المواطنة المدنية التعددية
يمثل الإطار الأيديولوجي للإقصاء القومي العربي، الذي يصوّر الهويات غير العربية بوصفها تهديدًا للتماسك الوطني، ما يُشار إليه في الأدبيات بوصفه نموذجًا لأيديولوجية الدولة التي تُؤسّس الانتماء الوطني على التطابق العرقي واللغوي. وفي ظل هذه النماذج، تُهمَّش الأقليات وتُحصر في خانة “الآخر” الداخلي؛ فيُتسامح مع وجودها في أحسن الأحوال، في حين تُنكر هويتها المتميزة إنكارًا بنيويًا. ويُنتج هذا التصور تناقضًا عميقًا داخل الأطر الدستورية التي قد تُعلن المساواة الشكلية في الوقت نفسه الذي تُعرّف فيه الأمة بمصطلحات إقصائية.
ويقوم البديل المفاهيمي للقومية الإقصائية على نظريات القومية المدنية التي تُرسّخ الهوية الوطنية في المواطنة المشتركة والانتماء السياسي، لا في التجانس العرقي أو اللغوي. ويتجلى هذا التحول في إعادة صياغة الهوية الوطنية بوصفها “موحّدة ومتنوعة”، بما يفيد أنَّ الوحدة لا تتحقق عبر محو الفوارق، بل عبر الاعتراف بالاختلاف ودمجه ضمن إطار سياسي جامع. ووفق هذا المنظور، لا تُعامل هوية الأقليات باعتبارها هامشًا يُسمح به، بل تُفهم بوصفها مكوّنًا أصيلًا من مكوّنات الأمة ذاتها.
ويمثل هذا التحول ما يمكن فهمه بوصفه عقدًا اجتماعيًا جديدًا. فبدلًا من اشتراط الامتثال لهوية عرقية مهيمنة بوصفه شرطًا ضمنيًا للمواطنة، يرتكز التعدد المدني على المساواة في الوضع القانوني والسياسي بغض النظر عن الأصل العرقي. وتكمن أهميته النظرية في إعادة تعريف أسس المجتمع السياسي نفسه، إذ يُعاد تصور القوة الوطنية بوصفها ثمرةً للتنوع، لا نتيجةً للتوحيد القسري.
ويوفّر القانون الدولي لحقوق الإنسان أساسًا معياريًا متينًا لفهم التزامات الدول تجاه الأقليات. وينص حظر الحرمان التعسفي من الجنسية، كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، على أنَّ لكل فرد الحق في جنسية، وأنَّه لا يجوز حرمان أي شخص منها تعسفًا. ولا يقتصر أثر هذا المبدأ على الضمانات الإجرائية، بل يمتد ليشكّل قيدًا جوهريًا على سلطة الدولة التقديرية في تنظيم الجنسية وتحديد آثارها.
ويُرسّخ إطار حقوق لغات الأقليات في التعليم، كما صاغته اليونسكو وتدعم ملامحه صكوك متعددة من منظومة حقوق الإنسان، أنَّ تحقيق تعليم فعّال للأقليات اللغوية يستلزم اعتماد اللغة الأم، ولا سيما في السنوات التأسيسية. وتُظهر الأبحاث المقارنة أنَّ الأطفال الذين يتعلمون بلغة مألوفة يحققون نتائج أفضل من أولئك الذين يتلقون تعليمهم بلغات غير مألوفة. وتُبرز هذه الأدلة أنَّ حقوق اللغة لا تتعلق بصون التراث الثقافي فحسب، بل تُسهم كذلك في ترسيخ العدالة التعليمية بوصفها حقًا أساسيًا ومقومًا من مقومات تكافؤ الفرص.
ويُقرّ إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الأشخاص المنتمين إلى أقليات قومية، أو إثنية، أو دينية، أو لغوية بأنَّ على الدول التزامات إيجابية تتجاوز مجرد الامتناع عن التدخل. فهو يُلزم الدول باتخاذ تدابير تهيئ ظروفًا مواتية تمكّن الأقليات من التعبير عن خصائصها وتطوير ثقافتها، ولغتها، وتقاليدها، وعاداتها. ويُميّز هذا الإطار بين واجبات سلبية تتمثل في عدم التمييز، وواجبات إيجابية تتطلب دعمًا فعّالاً من الدولة لضمان إمكانات التنمية الثقافية واللغوية للأقليات ضمن المجال العام.
ويُنشئ تصنيف لغة الأقلية بوصفها لغة “وطنية” مستوىً من الاعتراف يمنحها شرعية عامة، مع تمييزها في الوقت نفسه عن اللغة الإدارية الرسمية. ويتيح هذا التمييز اعترافًا عمليًا بالتعددية اللغوية دون الإخلال بوحدة الإدارة العامة، محولًا حقوق اللغة من استخدام خاص مسموح به إلى حق مُعترف به رسميًا ضمن منظومة الحقوق العامة.