أحمد مولود الطيّار
ليس سهلاً أن يكتب المرء عمّا عاشه وهو لا يزال يعيش في داخله. فالتجربة، حين لا تبرد بعد، لا تتحوّل إلى فكرة، بل تبقى وجعاً يتردّد بين الذاكرة والضمير، وربما لهذا تأخّرتُ طويلاً في الكتابة، لا لأنني لم أرَ، بل لأن ما رأيته كان أثقل من أن يُقال على عجل.
طوال سنوات، كان صمتي محاولة لتجنّب ظلمٍ آخر، لا دفاعاً عن سلطة، ولا تعاطفاً مع تنظيم، بل خوفاً من أن تتحوّل الكلمات — في بلدٍ مثقل بالانقسامات — إلى سكاكين طائشة تصيب “المكوّن” بدل أن تُصيب من يحكم باسمه.
كنت أقول لنفسي إن “قسد”، بحكم الأمر الواقع لا بحكم الشرعية، صارت تمثل شريحة واسعة من الأكراد السوريين، وأن هزيمتها قد تُقرأ، أو يُراد لها أن تُقرأ، كهزيمة للأكراد أنفسهم. وفي بلدٍ اعتاد أن يدفع الناس فيه ثمن السلطات، بدا لي هذا الاحتمال فادحاً إلى حدّ لا يُحتمل. لذلك حاولت، في كتابتي السابقة، أن أفصل بين القضية الكردية بوصفها قضية عادلة، وبين السلطة التي حملتها، وبين الشعب والتنظيم، وبين الحق ومن أساء تمثيله.
لكن السلطة، كما علّمتنا تجاربنا الطويلة، لا تحب الأسئلة. ولا تصبر على الشك. ولا تحتمل الانتظار.
في الرقة، شعرت أن الزمن متعب. لا يتقدّم ولا يتراجع، بل يدور في حلقة آسنة مغلقة. مدينة خرجت من حربٍ مدمّرة، لكنها لم تدخل زمن السلام، بل علِقت في فراغٍ ثقيل، تُدار بعقل الطوارئ لا بعقل الحياة. هناك بدا الحكم مؤقتاً في سلوكه، دائماً في ادّعائه، عاجزاً عن الاعتراف بأن المكان ليس غنيمة، وأن الناس ليسوا ملفاً أمنياً.
حين قلت لمن التقيتهم من أصحاب السلطة إن الناس لا يحبونهم، لم أقصد الإهانة، بل محاولة شرح ما لا تحب السلطات سماعه: أن الحكم الذي لا يُحَب لا يمكنه أن يدوم، وأن العلاقة المكسورة مع المجتمع لا تُرمَّم بالقوة. وشبّهتهم، بصدقٍ ربما كان جارحاً، بمستأجرٍ لا يصلح البيت الذي يقيم فيه لأنه يعرف، في أعماقه، أنه راحل.
ما حذّرتُ منه يومها لم يكن هزيمة عسكرية، بل هزيمة المعنى. فالهزائم الكبرى لا تبدأ عند الجبهات، بل في اللحظة التي تتوقّف فيها السلطة عن الإصغاء، ويصبح النقد خطراً، والاختلاف تهمة، والصمت لغة الحكم الوحيدة.
واليوم، حين تتكشّف نهاية التجربة، لا أشعر بالشماتة، بل بثقل السؤال: هل كان يمكن تفادي كل هذا لو أُصغي باكراً؟ وهل تتعلّم السلطات شيئاً قبل أن يُجبرها الزمن على السقوط؟
ومع ذلك، لم أتمنَّ يوماً هزيمة “قسد” بوصفها لحظة انتقام، بل تمنّيت — كما قال ياسين الحاج صالح — أن تكون الهزيمة، الدافع “إلى نقاش مستقيم حول القضية الكردية في سوريا. بعيداً عن أن يكون انهيار سلطة قسد خسارة للكرد السوريين، يمكن بالعكس أن يحررهم من مشروع هلامي مزايد، وأن يفرض القضية الكردية كقضية لا تقبل الاختزال ولا يمكن القفز فوقها على أجندة النقاش العام في سوريا.” وأصيف، التاريخ لا يكتفي بإسقاط السلطات، بل يطالب من بعدها بالمراجعة. فالهزيمة التي لا تُفهم تتحوّل إلى مظلومية، والمظلومية التي لا تُفكَّك تتحوّل إلى جدار جديد يعزل المستقبل.
ربما آن الأوان — لا بدافع اللوم بل بدافع النجاة — أن يُعاد التفكير في التجربة كلها: في وهم احتكار التمثيل، وفي العلاقة الملتبسة بين السلاح والحق، وفي الاعتقاد الخاطئ بأن القوة وحدها تحمي القضايا العادلة، بينما هي كثيراً ما تُعرّيها.
أما أنا، فلم أكن يوماً ابن سلطة، ولا كنت — في أي مرحلة — “متعاطفاً” مع “قسد” بوصفها تنظيماً أو نموذج حكم. وربما في داخلي شيء من البدوي الذي لا يطمئن للخيمة حين تكبر، ولا يثق بالشيخ حين يطيل الجلوس في صدر المجلس. طبعي ينفر من السلطات حين تستقر، ويضيق بها حين تدّعي الدوام، أيّاً كان اسمها أو رايتها أو اللغة التي تتكلم بها.
لم يكن نفوري هذا موقفاً أيديولوجياً، بل ميلاً غريزياً تشكّل مع الزمن، إذ علّمني التاريخ — وتجربة هذه البلاد على وجه الخصوص — أن الاستبداد لا يبدأ بالعنف، بل بالاعتياد عليه، وبالسكوت عنه حين يكون في بداياته، وبالالتباس الذي يجعل الناس يخلطون بين القضية العادلة والسلطة التي تتكلم باسمها.
لهذا لم يكن خروجي من الصمت إلى النقد تحوّلاً سياسياً، بل استجابة أخلاقية متأخرة لنداء الزمن. فالصمت، حين يطول، يفقد براءته، وحين يصبح عادة، يتحوّل إلى مشاركة غير معلنة.
أكتب اليوم لا لأقول إنني كنت محقاً، فهذه جملة بلا معنى أمام ما خسرناه، بل لأقول إن الزمن، حين يعود ليطلب الشهادة، لا يقبل أنصاف الكلمات.
الهزائم ليست نهاية التاريخ، لكنها لحظته الأكثر صدقاً.
إما أن نتعلّم منها، أو نعيد كتابتها — مرة أخرى — بدمٍ أثقل، ومعنى أفقر.