مشروع “الإدارة الذاتية” الكردي في شمال شرق سوريا يواجه اليوم أصعب اختبار منذ نشأته. الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع منحت قوات سوريا الديمقراطية مهلة محددة، أربعة أيام بدأت مساء 20 يناير وتنتهي اليوم، 24 يناير 2026، لإقرار خطة اندماجها في القوات النظامية. هذه المهلة القصيرة تحمل رسالة واضحة: زمن التسامح مع الانقسام انتهى.
الضغط لم يأت من دمشق وحدها. المبعوث الأميركي توم باراك وجّه تحذيرًا مباشرًا إلى مظلوم عبدي، القائد الفعلي لقسد، من مغبة محاولة جر إسرائيل إلى الصراع، معتبرًا ذلك خطأً استراتيجيًا قد يضع تركيا وإسرائيل، أهم حلفاء واشنطن الإقليميين، على مسار مواجهة مفتوحة. الرئيس الأميركي دونالد ترامب بدوره لم يخف إعجابه بالرئيس الشرع، واصفًا إياه بـ”الرجل القوي”، ومعلنًا أن إعادة بناء سوريا مهمة صعبة لكنها ضرورية. هذا المثلث من الضغوط – مهلة عسكرية من دمشق، تحذير دبلوماسي من واشنطن، ودعم سياسي علني – وضع قيادة قسد أمام سؤال مصيري: هل تمثل هذه اللحظة فرصة تاريخية للاندماج في سوريا الجديدة بضمانات دستورية، أم أنها فخ لإنهاء القضية الكردية؟
الرفض الكامل أو محاولة تدويل الأزمة عبر إسرائيل سيحوّل مناطق قسد إلى ساحة صراع إقليمي ويجعل الأكراد عبئًا استراتيجيًا يهدد الاستقرار وعلاقات واشنطن مع أنقرة
المسار إلى هذه اللحظة بدأ قبل سنوات. قسد تحولت من ميليشيا محلية محدودة النفوذ إلى شريك رئيسي للتحالف الدولي ضد داعش، ما منحها شرعية دولية وغطاءً جوياً مكّنها من السيطرة على ربع الأراضي السورية وبناء هياكل إدارة ذاتية. لكن سقوط نظام الأسد في أواخر 2024 وصعود حكومة الشرع المدعومة من موسكو وطهران قلب المشهد. الاتفاق الأولي في مارس 2025 حول الدمج التدريجي تعثر سريعًا، ومع نهاية 2025 تقدّم الجيش السوري في الرقة ودير الزور، فيما انسحبت قسد من مواقع استراتيجية، لتجد نفسها أمام واقع جديد.
دمشق استثمرت هذا التقدم العسكري بمهلة الأربعة أيام، مرفقة بوقف إطلاق نار وتعهد بعدم التقدم نحو الحسكة والقامشلي، مقابل مطالب واضحة: تقديم أسماء مرشحين لمناصب عسكرية رفيعة وصياغة خطة دمج تفصيلية. بالتوازي، أصدر الشرع المرسوم رقم 13 الذي يعترف بالأكراد كشعب أصيل ويؤكد أن هويتهم جزء من الهوية الوطنية. دمشق تصفه بأنه خطوة حسن نية، بينما تعتبره قسد مجرد بداية تحتاج إلى ضمانات دستورية لا رجعة فيها. فجوة الثقة هنا عميقة، والوقت قصير.
واشنطن، التي كانت شريكًا عسكريًا لقسد، وجهت الصدمة الأكبر. خطاب باراك كشف عن تحول جوهري: لم تعد واشنطن ترى في قسد حليفًا طويل الأمد، بل قوة انتهت مهمتها مع هزيمة داعش. الرسالة واضحة: الفرصة الوحيدة للأكراد تكمن في الاندماج ضمن دولة سورية موحدة، مع ضمان حقوق المواطنة والحماية الثقافية. أي محاولة للبحث عن حماية عبر إسرائيل ستُشعل ردّة فعل تركية عنيفة، وهو سيناريو تعتبره واشنطن كابوسًا استراتيجيًا.
أمام هذا المشهد، أربعة سيناريوهات تلوح في الأفق. الأول، الأكثر ترجيحًا، قبول شروط الاندماج والدخول في مفاوضات مكثفة حول التفاصيل: المناصب الوزارية، دمج المقاتلين، الصلاحيات المحلية، وضمانات دستورية للغة والثقافة. المكاسب واضحة: تجنب حرب أهلية، الحفاظ على مكتسبات ثقافية ضمن إطار قانوني، والحصول على دعم دولي. لكن المخاطر قائمة: فقدان السيطرة التدريجي على الأرض وضغوط من حزب العمال الكردستاني. السيناريو الثاني، طلب تأجيل أو رفض جزئي، سيؤدي غالبًا إلى انهيار وقف إطلاق النار وتقدم الجيش السوري نحو الحسكة والقامشلي، مع خسائر كبيرة لقسد. السيناريو الثالث، رفض كامل مع محاولة تدويل الأزمة عبر إسرائيل، هو الأكثر كارثية، إذ سيؤدي إلى عقوبات أميركية وانزلاق المنطقة إلى مواجهة تركية–إسرائيلية بالوكالة. السيناريو الرابع، التفكك الداخلي، حيث تنقسم قسد بين تيار وطني يسعى للتفاوض وتيار أيديولوجي يرفض التنازل، ما قد يقود إلى انهيار سريع من الداخل.
في المحصلة، يقف مظلوم عبدي أمام فرصة تاريخية، وإن كانت محفوفة بالمخاطر. المرسوم رقم 13 يمثل أول اعتراف رسمي بالهوية الكردية في سوريا الحديثة. الدعم الأميركي لعملية الاندماج، رغم أنه انقلاب على تحالفات الماضي، يوفر غطاءً سياسيًا قد يحمي العملية. حتى الضغط التركي يصب اليوم في اتجاه الوحدة السورية. خيار الرفض سيحوّل الأكراد في نظر واشنطن من شركاء إلى عبء يهدد الاستقرار الإقليمي. القبول الذكي والسريع، مع التفاوض الصارم على أفضل الشروط الممكنة، هو الطريق الوحيد لتحويل انتصار دمشق العسكري إلى فرصة سياسية للأكراد. التاريخ كثيرًا ما ظلمهم، وقد لا يمنح فرصة أخرى لمن يضيّع هذه اللحظة.
سقوط نفوذ قسد لم يكن حدثًا عفويًا ولا نتاج تفوق عسكري بحت، بل نتيجة هندسة سياسية دقيقة شاركت فيها واشنطن وأنقرة ودمشق. ومع انتهاء هذه المرحلة، تدخل سوريا فصلًا جديدًا عنوانه إعادة توحيد السلطة، وسط تساؤلات مفتوحة حول شكل العلاقة المستقبلية بين الدولة والأكراد، وحدود الدور الأميركي في بلد يعاد تشكيله على إيقاع تفاهمات غير معلنة.
العرب اللندنية