ما تكشفه ملفات إبستين ليس فضيحةً أخلاقيةً لأشخاص أمطرتنا الصحافة بقصصهم، ولا هو ابتذالٌ انتشر كالنار في الهشيم فوق صفحات التواصل الاجتماعي، ولا انحرافًا فرديًا يمكن عزله وإغلاقه بملف قضائي، بل هو لحظة إزاحة الستار عن بنية عالمٍ بلغ فيه الابتذال ذروته، حتى صار الانتهاك والجريمة يُعامَلان كحدث عادي بلا تبعات، ويُؤطَّران على أنهما فضيحةٌ لكن بلا مساءلة، ثم تُنشر أخبارهُما بكمٍّ هائل، وبملايين الصفحات، وبتعويم التفاصيل لإغراق أخبار العالم، وكأنها محاولة للتطبيع مع تهافت القيم، وابتذال المعايير، وتدني الأخلاق.
المسألة هنا ليست في وجود صور مبتذلة، أو فيديوهات شائنة، أو محادثات مخلة، بل في الطريقة التي حُوِّلت بها الجرائم والانتهاكات إلى مادة إعلانية وعناوين استهلاكية تتصدر نشرات الأخبار، فتجذب المزيد من الزبائن، وتحصد الكثير من الإعجابات على منصات التواصل، وتحوِّل الضحايا إلى بيانات وأرقام، والجناة إلى أسماء محمية بسلطة المال والسياسة والإعلام. والإعلام، هنا، لا يحتاج إلى إنكار الوقائع؛ بل يكفيه أن يديرها، ويُكثر الكلام، ويتسارع الإيقاع، ويُستنزف الانتباه، حتى يصبح الرفض عبئًا والقبول خيارًا مريحًا.
وأمام هذا الخليط العجيب من الدناءة وتعفّن القيم والابتذال، تقفز إلى الذهن بعض عناوين الكتب التي تمس هذه الظاهرة أو تعلن عنها، أو تقارب — ربما من بعيد — ما وصلنا إليه، ومنها كتاب نظام التفاهة، وكتاب العمى الأخلاقي، وكتاب العنف الرمزي.
في كتاب نظام التفاهة لآلان دونو، يعرض فكرةً ملخصها أننا نعيش داخل نظام التفاهة، حيث السلطة ليست بيد من يستطيع التميّز في القيادة وعلى قدر مسؤولياتها، بل متاحة للتافهين باختلاف درجاتهم ومستوياتهم. ويبيّن دونو، متسائلًا: «ما هو جوهر كفاءة الشخص التافه؟ إنه القدرة على التعرّف على شخصٍ تافهٍ آخر. معًا، يدعم التافهون بعضهم بعضًا، ويرفع كلٌّ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار؛ لأن الطيور على أشكالها تقع». التفاهة هنا ليست سلوك أفراد، بل نظام حكم يفضّل الامتثال على الكفاءة، والسكوت على الجرأة، وإدارة القبح على مواجهته. في هذا النظام تُعلَّق الأسئلة الأخلاقية باسم الواقعية، ويُكافأ التكيّف، ويُقصى النقد، وبالتالي ينعدم الإصلاح.
أما كتاب العمى الأخلاقي: فقدان الحساسية في الحداثة السائلة لزيغمونت باومان وليونيداس دونسكيس، فيستنتج مؤلفاه أن ما أُطلق عليه «الحداثة السائلة»، بما تحمله من هشاشة مستمرة، وهيمنة للسوق، وتعاظم للفردية، أنتج حالةً من العمى الأخلاقي. ويشخصان المشكلة بأنها ليست في غياب القيم، بل في تعطيل استخدامها. نعرف الفرق بين الخير والشر، لكننا نتوقف عن السماح لهذه المعرفة بأن تُلزمنا بنوعية الفعل، وبالتالي نتصرف على مزاجنا، أيًّا تكن النتيجة.
في هذا العالم «السائل»، تتشظى المسؤولية بين أدوار وإجراءات وسلاسل طويلة من الوسطاء، فلا يعود أحد مسؤولًا بالكامل. تُفصل الأفعال عن نتائجها، ويُبعَد الضحايا إلى زاوية مهملة، فيصبح الإيذاء ممكنًا بلا شعورٍ بالذنب، وتُستبدل العلاقة الإنسانية بنظام تصنيف شامل يُستهلك فيه البشر كأرقام وإحصاءات وملفات. ويُزاح المعنى الإنساني لصالح لغة تقنية تُسكِت التعاطف والأحاسيس النبيلة، ويسودها التوحش ما دام يشبع رغبات مزاج القائمين على هذا النظام.
وإذا نظرنا إلى أهم القائمين على نظام التفاهة المدجَّن بالعنف الرمزي، أو اللاعبين الأساسيين المتورطين في فضائحه، فسنجدهم ما زالوا على رأس أعلى السلطات، والأخطر أن مؤيديهم ما زالوا يلتفون حولهم، مُغيَّبين عن المشهد كله، وكأن على عيونهم غشاوةً لعبت سدًّا بينهم وبين ما شاهده العالم بأسره. هذه الغشاوة يمكن أن نطلق على من نسجها وشكّلها اسم «العنف الرمزي»، مستندين إلى بيير بورديو الذي يعرّفه بأنه نوع من العنف الثقافي يؤدي وظائف اجتماعية كبرى، ويمكن تلمسه في وضعية الهيمنة التي يمارسها أصحاب النفوذ على أتباعهم بصورة مقنّعة وخادعة؛ إذ يفرضون مرجعياتهم الأخلاقية والفكرية على الآخرين، ويولّدون لديهم إحساسًا عميقًا بالدونية والعطالة، والشعور بأنهم رعايا لا مواطنون.
هذا العنف لا يُرى بوصفه عنفًا؛ لأنه يعمل عبر اللغة، والمعايير، والبداهات. إنه القدرة على فرض طريقة بعينها لرؤية العالم، بحيث تبدو الهيمنة طبيعية، والسكوت عقلانيًا، والانتهاك قابلًا للتأطير القانوني. في هذا الإطار لا تُنكر الجرائم، بل تُعاد صياغتها لغويًا ومعرفيًا حتى تخرج من دائرة الإلزام الأخلاقي، وتتحول الحقيقة إلى ضجيج، وتغرق في تعدد الزوايا والرؤى ووجهات النظر.
والتناقض الجلي هنا أن من تورطوا في هذا الابتذال والجريمة يرفعون راية الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويكذّبون ما لا يُكذَّب، ويصدّقون ما لا يُصدَّق. وهذا التناقض ليس عرضيًا؛ إنه منطق المنظومة حين تُفرَّغ القيم من مضمونها وتتحول إلى شعارات انتقائية. ففي نظام التفاهة تصبح الأخلاق غير ضرورية، وحين يصيبه العمى الأخلاقي تصبح القيم بلا التزام، انتقائيةً ومزاجيةً، وتفقد المعايير. والعنف الرمزي الذي تربت تحت سطوته هذه المجتمعات يقدّم الشعارات والأفكار بوصفها بداهات لا تُسأل ولا يطالها الشك.
السؤال الكبير الذي تفرضه ملفات إبستين: كيف يستمر هؤلاء المجرمون على رأس أعمالهم ويمارسون حياتهم بكل طبيعية، أناسًا «عاديين»، ببدلات رسمية وخطابٍ أنيق، قادرين على ارتكاب ما لا يُحتمل ثم مواصلة حياتهم وكأن شيئًا لم يحدث، وخاصة بعد أن انكشفوا بهذا الشكل؟ ربما الجواب القاسي أن نظام التفاهة نجح في قتل المعنى قبل قتل الحقيقة؛ فحين يموت المعنى يصبح كل شيء قابلًا للتطبيع، وعندما تُبتذل القيم يصبح كل قبح قابلًا للإدارة. التفاهة هنا تُقدَّم كاستقرار وديمومة، والعمى الأخلاقي كواقعية فرضها نظام اقتصادي ثقافي سياسي لا يرحم؛ نظام يقنعنا: «كم سيكون العالم آمنًا ومريحًا ودافئًا وودودًا إذا كانت الوحوش هي التي ارتكبت أفعالًا وحشية». والعنف الرمزي يُقدَّم هنا كأفضل وصفة للتربية والتدجين.
كيف نخرج من هذا الحضيض بعدما وصلت الأخلاق إلى القاع؟ هل من مخرج أصلًا؟ ربما، لكنه مخرج متدرّج وصعب؛ لأننا لا نخرج من القاع بقفزة واحدة، بل بجرأتنا على أن نسأل وننقد في نظام التفاهة، وبقدرتنا على الإحساس بأنفسنا وبالآخر عندما يسود العمى الأخلاقي، وبقدرتنا على كشف البداهة وآليات التدجين في العنف الرمزي. عندها تتحول الأخلاق من خطاب عائم إلى قوة اجتماعية تُحرج نظام التفاهة الموسوم بالعمى الأخلاقي، وتُضيّق هامش التطبيع مع العنف الرمزي، وتمنع تحويل الجرائم إلى مجرد محتوى إعلامي.
وبالتأكيد، المخرج ليس أن يصبح العالم خاليًا من الانتهاكات والجرائم؛ فهذا وهم. المخرج أن يصبح الشر غير مريح، وأن يفقد حالة الاعتياد، ويعود — كما يجب — ثقيلًا على الضمير، مكلفًا سياسيًا، مُحرجًا للإعلام، وغير قابل للإدارة السهلة. حينها فقط تتغير قواعد اللعبة: لا لأن التفاهة اختفت، بل لأنها لم تعد الطريق الأسهل؛ لا لأن العمى الأخلاقي انتهى، بل لأن الحساسية الأخلاقية عادت لتنتج فعلًا؛ لا لأن العنف الرمزي زال، بل لأن الناس صاروا قادرين على رؤيته وتسميته ونقده.
