تكشف الحرب الأوكرانية كيف تحولت أوكرانيا إلى قوة عسكرية متماسكة مدعومة غربياً، فيما أدت إلى إضعاف روسيا ديموغرافياً وسياسياً ودفعها إلى الارتماء في حضن الصين، في مفارقة جعلت حرب بوتين من أجل استعادة الإمبراطورية سبباً في خضوعه لإمبراطورية أخرى.
مرت أربعة أعوام على اندلاع الحرب، أربعة أعوام من هجوم روسي أراد سحق استقلال أوكرانيا، وهي حرب كان فلاديمير بوتين يعتقد أنها ستحسم خلال أيام. وعلى مدى عام واحد تقريباً من تلك الفترة، عملت مستشاراً خاصاً لوزير الخارجية، وكانت أوكرانيا ملفي الرئيس. ولا أظن أنه جرى استيعاب مدى تأثير هذه الحرب في تغيير مسار التاريخ، ليس الأوكراني فحسب، بل الروسي أيضاً.
قبل عام ونصف العام، كانت القوات المسلحة الأوكرانية عبارة عن تشكيل فوضوي قائم على التبرعات والجهود التطوعية، يعوض بالشجاعة ما يفتقر إليه من عتاد. أما اليوم، فلم يعد الأمر كذلك، إذ أصبح الجيش الأوكراني واحداً من أكثر القوى القتالية فتكاً وتطوراً تقنياً في العالم، وبإمكان الجندي الأوكراني المدرب جيداً الآن القضاء على فصيل كامل. كما أن الطائرات المسيرة على الخطوط الأمامية باتت في طليعة التقنيات الحديثة، ولم يعد الأمر مقتصراً على بريطانيا التي تدرب أوكرانيا في هذه المرحلة، بل باتت أوكرانيا نفسها تدربنا على خوض حرب الطائرات المسيرة.
لم يحدث هذا التحول من تلقاء نفسه. ففي المحصلة، يعود كثير منه إلى فولوديمير زيلينسكي. لم يكن معظم السياسيين الذين التقيتهم خلال عملي استثنائيين. كانوا منشغلين، وأحياناً على نحو ظاهر، بضجيج وسائل التواصل الاجتماعي، عابرين كظلال سرعان ما تنسى، ليس فقط من صفحات التاريخ، بل حتى قبل انقضاء عقد من الزمن. لكن زيلينسكي كان مختلفاً.
خلال لقاءاتي به، رأيت رجلاً مستغرقاً بالكامل في تفاصيل الجبهة، وفي تعقيدات الدبلوماسية، وفي اقتصاد الحرب التي يعتمد عليها شعبه. لم يكن يلين في مطالبه، يضغط بلا توقف من أجل مزيد، ويظهر قدراً من التركيز والإصرار على قضيته نادراً ما صادفته. لذلك أعده من القلائل الذين التقيتهم وأستطيع وصفهم بالأبطال الحقيقيين – وربما يكون الأخير في أوروبا.
دوره التاريخي، الحاسم خلال الأيام الأولى من الحرب حين أنقذ أوكرانيا بينما كان الأميركيون يحثونه على المغادرة، والمحوري اليوم وهو يناور في تعامله مع دونالد ترمب، هو ما أتاح لأوكرانيا هذه الفرصة كي يشتد عودها.
ما بدأ كحرب سريعة الحركة تحول اليوم إلى حرب استنزاف تمتد على خطوط تماس سوريالية تغطيها الشباك، إذ غيرت الطائرات المسيرة قواعد اللعبة بالكامل. مشهد يجمع بين خنادق الحرب العالمية الأولى ولمسة من عالم سيبراني قاتم. وفي خضم هذا النزف المستمر، تعاني أوكرانيا أزمة في القوى البشرية، لكن روسيا باتت تواجه المعضلة ذاتها، وعلى نطاق صادم.
هذه هي النقطة التي يغفلها كثر. أوكرانيا لا تقاتل الاتحاد السوفياتي الذي كان خلال ثمانينيات القرن الماضي ثالث أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، بل تواجه روسيا المتقدمة في السن ديموغرافياً، التي لا يتجاوز عدد سكانها أكثر بقليل من ضعفي عدد سكان المملكة المتحدة. هذا ليس مخزوناً بشرياً بلا حدود. ومع تسجيل روسيا نحو 1.2 مليون خسارة بشرية بين قتيل وجريح ومفقود – تخيلوا للمقارنة لو أن بريطانيا فقدت 600 ألف شخص – تظهر آثار ذلك بوضوح في الميدان.
ضمن قطاعات رئيسة من الجبهة، يتبين أن نحو ثلث أسرى الحرب الذين يصنفون “روساً” هم في الواقع مجندون من أفريقيا وبنغلاديش. ومالت الكفة أخيراً لمصلحة أوكرانيا، إذ باتت موسكو تخسر شهرياً عدداً من الجنود يفوق قدرتها على التجنيد، مما يدفع الكرملين إلى بحث يائس عن وقود بشري بين أفقر وأشد فئات العالم هشاشة. إنه جيش عالق في الوحل، وليس الجيش الأحمر تحت قيادة غيورغي جوكوف.
وكحال عدد كبير من المسؤولين الغربيين، من القادة وصولاً إلى المدربين العسكريين، كنت على تواصل دائم مع الأوكرانيين خلال عملي في الحكومة. صحيح أن أوكرانيا ليست عضواً في “الناتو”، لكن حتى لو لم تنضم إليه رسمياً أبداً، فإن الدعم الذي نقدمه لها جعلها شديدة الارتباط بالعائلة الأوروبية، وبصورة عميقة.
وعندما تنتهي الحرب – وستنتهي في مرحلة ما – أعتقد أن اندماج أوكرانيا في “الاتحاد الأوروبي” سيتقدم بوتيرة متسارعة. والمفارقة أنني أشك في أننا كنا سنشهد هذا القدر من الاندماج السريع والمكثف لولا الحرب. لقد كان بوتين هو الرجل الذي دفع أوكرانيا بصورة حاسمة نحو الغرب.
والحرب نفسها دفعت روسيا بصورة حاسمة نحو الشرق. ولا يقتصر الأمر على انتقال الروابط الاقتصادية الرفيعة المستوى بين التمويل الغربي والروبل الروسي، من “مايفير” إلى “سان-تروبيه” [أي من مركز مالي مهم ومؤثر إلى مكان غير مؤثر يقصده الأثرياء]، بل إن الصين أصبحت الراعي الرئيس للكرملين. وقد كان الثمن فادحاً، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، مع صفقات النفط والغاز الموسعة وفق شروط صينية مرهقة.
ودفعت روسيا ثمناً سياسياً أيضاً، يتمثل في تنامي نفوذ الصين داخل سياستها الداخلية، إذ يعرف عن الرئيس الصيني شي جينبينغ أنه يميل إلى تفضيل بعض الوزراء. ويبقى السؤال: كم من الوقت سيمر قبل أن يبدأ الصينيون باختيارهم مباشرة [أي التدخل في تشكيل الحكومة الروسية]؟ إنها مفارقة مؤلمة لروسيا أن حرباً شنت بهدف إحياء إمبراطورية، عجلت في الواقع بتحويلها إلى دولة تابعة لإمبراطورية أخرى. وستظل الجغرافيا السياسية الناتجة من ذلك حاضرة معنا لعقود مقبلة.
عمل بن جودا مستشاراً خاصاً لـديفيد لامي خلال توليه منصب وزير الخارجية ونائب رئيس الوزراء البريطاني بين عامي 2024 و2026.
اندبندنت عربية
