
تكتب غابي هينسليف أن من يجد فكرة اللوتوقراطية فكرة مثيرة ومنعشة، فقد يحب كتاب “سياسة بلا سياسيين” (اندبندنت عربية)
ملخص
فما من جزيرة شبه خاوية في القطب الشمالي مهددة بالاحتلال، وما من رئيس دولة مهدد بالخطف من قصره الجمهوري، وما من أساطيل تجوب مياه العالم في غطرسة لا يردعها رادع.
تعالوا نتخيل العالم خالياً من دونالد ترمب. أثق أنني بهذه الجملة أفقد كثيراً من القراء الذين سيطيب لهم بعدها الشرود في حلم يقظة دافئ يرسم عالماً أجمل من الواقع الذي نعيشه. فبهذه الجملة فقط ينشأ، ولو في الخيال، عالم أقل صخباً وجنوناً، أقل احتمالاً لأن ينقلب رأساً على عقب، وأقرب ولو قليلاً إلى المنطق. فما من جزيرة شبه خاوية في القطب الشمالي مهددة بالاحتلال، وما من رئيس دولة مهدد بالخطف من قصره الجمهوري، وما من أساطيل تجوب مياه العالم في غطرسة لا يردعها رادع. لكن الدعوة أشمل من ترمب وأجمل، تخيلوا العالم بلا أحزاب يمينية متطرفة قائمة على الكراهية، أو يسارية منفصلة عن الواقع، تخيلوا العالم بلا ترمب ولا بوتين ولا جينبنغ. ولكل قارئ أن يضيف سياسيُّه “المفضل” إلى قائمة الغياب الجميل هذه، ذلك أن الدعوة، والكتاب الذي تتناوله هذه السطور، يتخيل العالم بلا سياسيين على الإطلاق. وقد صدر الكتاب المعني حديثاً عن دار آلن لين بعنوان “سياسة بلا سياسيين: دفاعاً عن حكم المواطن” لهيلين لاندمور أستاذة العلوم السياسية في جامعة يال.
في عام 2020، كتب ناثان هيلر في مجلة “ذي نيويوركر” مقالة بمثل عنوان هذا الكتاب بالضبط، قال فيها إن الباحثة هيلين لاندمور، وهي أستاذة العلوم السياسية بجامعة ييل الأميركية، قضت غالب مسيرتها المهنية في محاولة فهم قيمة الديمقراطية ومعناها، وخلال الأعوام الأخيرة عملت مع مجموعة من الأكاديميين، الشباب في الغالب، من أجل محاولة حل مشكلة التمثيل الديمقراطي، ومن أجل معالجة عيوب هذا النظام الذي يعتقد على نطاق واسع أنه بلا عيوب أو مشكلات على الإطلاق. ضمن كتاب صدر لها عام 2012 عن مطبعة جامعة برينستن بعنوان (المنطق الديمقراطي: السياسة والذكاء الجمعي وحكم الكثرة)، تحدت لاندمور فكرة أن قيادة القلة أفضل من قيادة الجموع، أما كتابها القادم فيتصور ما يمكن أن يكون عليه شكل الحكم الحقيقي لقيادة الجموع، والنموذج الذي تستلهمه هو فكرة بسيطة مفادها أنه إذا كان حكم الشعب هو الهدف، فيجب إذاً أن يحكم الشعب.
كان العنوان المقترح للكتاب القادم حتى ذلك الحين كما كتب ناثان هيلر هو “الديمقراطية المفتوحة: إعادة اختراع الحكم الشعبي للقرن الـ21″، لكن الكتاب المعتزم انتهى إلى أن حمل عنوان مقالة هيلر التي مضت إلى تفصيل فكرة لاندمور. تدعو الكاتبة إلى ما تسميه “الديمقراطية المفتوحة” وهي “لا تركز على انتخاب ساسة محترفين للقيام بأدوار تمثيلية، وإنما تتحدد القيادة من خلال طريقة تكاد تماثل واجب المحلفين” في النظام القضائي الأميركي، “فبين الحين والآخر يظهر رقم المواطن فيكون لزاماً عليه أن يؤدي واجبه المدني، وهو في هذه الحالة أن يتولى مقعداً في هيئة تشريعية، لفترة محددة، وتكون وظيفته هي العمل مع آخرين من أمثاله في وحدة لحل المشكلات وتوجيه البلد. وحينما تنتهي الفترة المحددة يترك المرء السلطة ويرجع إلى حياته الطبيعية وعمله المعهود من قبل. “هي فكرة تولية السلطة السياسية لمواطنين يجري اختيارهم عشوائياً، أو إعطائهم نوعاً من الدور السياسي في هيئة استشارية أو جمعية مواطنين”، بحسب ما قال ألكسندر غويرو أستاذ الفلسفة في جامعة روتجرز، الذي سبق أن نشر خلال عام 2014، بحثاً مهماً يناصر فيه الاختيار العشوائي بدلاً من الانتخاب، وهو نظام له سوابق في أثينا القديمة وإيطاليا بعصر النهضة، وأطلق عليه اسم “حكم القرعة” أو اللوتوقراطيةlottocracy” ” وهي كلمة منحوتة تعني الحكم بالـ”لوتري” أي اليانصيب. “وتتخيل لاندمور حكم اللوتوقراطية مقترناً بقنوات للتغذية العكسية وإجراءات أخرى تهدف إلى نقل السلطة من القلة إلى الكثرة”.
وهكذا يخلو العالم من ترمب وبوتين وجينبنغ وكل من تودون أن تصادفوا أسماءهم، أو بالأحرى ألا تصادفوها مرة أخرى، فيا له من حلم وردي.
تستهل غابي هينسليف استعراضها للكتاب (ذي غارديان – الـ23 من فبراير/شباط 2026) بقائمة تضم أحلامها وخيالاتها، فتكتب: “ما من دونالد ترمب أو نايجل فاراج أو ليز تراوس، ما من زاك بولانسكي أو حتى فولوديمير زيلينسكي. ما من أحزاب سياسية أو انتخابات، وإنما مجموعة عشوائية من البشر العاديين يجري اختيارهم بالقرعة لإدارة البلد لفترة عامين، كأنها لجنة محلفين لكنها ذات سلطات هائلة، إذ يجد أعضاؤها بين أيديهم مصير بلد كامل”.
الأمر يتعلق إذاً بحكم المواطنين لأنفسهم، بدلاً من حكم الساسة المتمرسين لهم، ويتعلق بانتقاء عشوائي، وينطوي على ثقة في قدرة أي شخص على تمييز مصلحته، بدلاً من ألاعيب السياسة الخفية التي تصعد ببعضهم على جثث بعض، ليحصل الفائز في النهاية على كرسي تنغرس قوائمه في قلوب المواطنين أو في عقولهم أو في كليهما. لكن، ماذا لو أنكم في خيالكم تصورتم للحظة أن تنتقي الآلية العشوائية لحكم بلدكم، أياً ما يكون بلدكم هذا، حكاماً من بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي؟ أو من مستخدمي “تيك توك”؟ أو من مروجي نظريات المؤامرة؟ أو من المتعصبين ضيقي الآفاق؟ أي رعب يمكن أن يحدث لو أوتي الغوغاء من مختلف الألوان سلطات الرؤساء والملوك؟
تكتب غابي هينسليف أن من يجد فكرة اللوتوقراطية فكرة مثيرة ومنعشة، فقد يحب كتاب “سياسة بلا سياسيين”، “الذي تحاجج فيه هيلين لاندمور بتوسيع جذري في سلطة المواطن. ولو أنكم رأيتم في ذلك ضرباً من الجنون والهوائية لا يلائم جدية العصر الذي نعيش فيه، فلا بأس. لكننا في البداية نعرض للحجة التي ترى أن السياسة خربت خراباً يتجاوز أي قدرة على الإصلاح، وأن إلغاء التمثيل الانتخابي هو الوسيلة المثلى للإصلاح”.
“على رغم أن مؤلفة الكتاب محاضرة في جامعة يال، فقد ولدت ونشأت داخل فرنسا، وعملت من كثب مع جمعيتين للمواطنين شكلهما إيمانويل ماكرون في أعقاب تظاهرات السترات الصفراء خلال عام 2018، التي اندلعت في ظاهر الأمر بسبب ارتفاع أسعار الوقود (فوجهت المجموعة الأولى بتحدٍ يتمثل في أن تنتج حلولاً أفضل للتعامل مع أزمة المناخ إذا كانت غير راضية عن حلول ماكرون، والثانية درست مسألة الموت الرحيم). لكن لاندمور تدرس أيضاً أمثلة من إيرلندا بعد الأزمة المصرفية، والحكم المحلي البلجيكي، والجمعية الإيرلندية التي حظيت بإشادة واسعة إذ انعقدت لقيادة البلد في عملية تشريع الإجهاض، مما أعطى الناخبين حق اتخاذ قرار حساس على نحو ألزم الجميع به”.
وترى غابي هينسليف أن أفضل أجزاء الكتاب الجدير بأن يقرأه أي شخص مهتم بمكافحة الاستقطاب هو “الفصول المؤثرة في نحو غير متوقع، التي توضح الفوائد الإنسانية للمشاركة. وتراوح هذه الفوائد ما بين تكوين صداقات متينة وروابط مدنية عميقة، وحتى الوصول إلى فتوح يمكن أن تتحقق حينما يلتقي الأغراب وجهاً لوجه ويبذلون محاولات أصيلة لفهم آراء بعضهم بعضاً، بدلاً من محض الصياح في وجوه بعضهم بعضاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي”.
تشير هينسليف إلى أن استمرار صعود اليمين المتطرف في فرنسا خلال هذه الفترة جعل إشراك الشعب في القرارات التي كانت النخبة تنفرد بها من قبل دواء سحرياً لغواية الشعبوية. “وثمة جاذبية عميقة أيضاً في فكرة منح الشعب الوقت لاستكشاف القضايا المعقدة والدقيقة على النحو الملائم، بدلاً من سوقهم إلى إصدار أحكام متسرعة بناءً على ضغط حملة انتخابية مشحونة بأنصاف الحقائق”. ولكن هينسليف تعترف أنها بدأت في التشكك في حجج الكتاب “حينما قفزت لاندمور من إظهار أن لجان المواطنين المحلفين أداة فعالة للنظر في قضايا معينة، إلى القول إن هذه اللجان قادرة على إدارة البلاد، حتى إنه يمكن إلغاء البرلمانات المنتخبة”.
تفضل لاندمور – ولو في المستوى النظري على حد قولها – ضرباً من اليانصيب، يجري من خلاله اختيار مجموعات من عوام الناس عشوائياً لتشكيل برلمان. “ويخدم هؤلاء لمدة عامين قبل رجوعهم إلى، إلى ماذا بالضبط؟ هل ينبغي على الجهات التي كانوا يعملون لها أصلاً أن تحتفظ لهم بوظائفهم؟ وماذا لو أنهم اكتشفوا فجأة أنهم بارعون في إدارة البلد فرغبوا في عدم الرجوع إلى العمل ضمن الشركات التي كانوا يعملون لها؟ لعل هذه الأسئلة بعيدة من ’المستوى النظري‘، ولكن ثمة تأملات لكيفية التعامل مع من يولد من القادة خلال هذه العملية، إذ يمكن ترقيتهم ’عضوياً‘ إلى مجلس تنفيذي إشرافي يمارس سلطات مماثلة لسلطة رئيس الدولة”.
“وماذا لو فسد هؤلاء فأرادت أمة غاضبة أن تتخلص منهم؟ إن أعظم ضمانات الديمقراطية هو حق التخلص من الحكام الفاسدين من خلال صناديق الاقتراع، لكن لاندمور تقترح بدلاً من ذلك برنامجاً مستمراً من الاستفتاءات حول القضايا الكبرى لضمان أن يفعل حكام اليانصيب ما يريده الشعب (وجربوا أن تقنعوا بهذا أي شخص عاش استفتاء الاستقلال الاسكتلندي ثم استفتاء البريكست). وليس من الواضح أيضاً كيف سيجري التعامل مع الفائزين في اليانصيب الذهبي ممن يعزفون عن تولي السلطة، فهل سيُرغمون عليها أم سيسمح لهم بالانسحاب؟”.
“ولعل العيب الأكبر في هذه الفرضية هو التناقض بين المشكلات الأخلاقية المعقدة التي نجحت جمعيات المواطنين في حلها، وبين التهديدات التي تواجهها بريطانيا مثلاً خلال الفترة الحالية من الاستبدادية بالخارج، وارتفاع التطرف بالداخل، والركود الاقتصادي الذي يؤجج كليهما. فقضايا التغير الاجتماعي – من قبيل الإجهاض أو زواج المثليين في إيرلندا أو العمل المناخي في فرنسا – ملائمة تماماً بطبيعة الحال لأن تنتظر أعواماً إلى أن تحلها حكمة الجماهير، خلافاً لأن نصحو فنكتشف أن دونالد ترمب قد ضم غرينلاند، أو أن الموازنة تسببت في انهيار العملة، أو أن جائحة قاتلة تفشت. ففي أوقات الأزمات نادراً ما يكتشف بلد أنه ضجر من الخبراء أو الخبرات”.
تشهد هينسليف بأن لاندمور محقة في أن “السياسة محبطة ومخيبة للرجاء وسقيمة تماماً، فهي عرضة للفساد والتفكير الجماعي النخبوي وإيثار حفنة الأثرياء على ما يرده الجماهير، كما أنها تجتذب الشخصيات المحبة للقيادة أكثر مما تجتذب الشخصيات المحبة للتفكير”.
لكن لا يمكن القضاء على هذه العيوب في رأي هينسليف “بإلغاء المحترفين تماماً على أمل ألا تظهر في بدائلهم من الهواة مثل رذائلهم في ظل الضغوط والإغراءات نفسها (فما الذي سيمنع أصحاب المصالح من الضغط على البرلمانات الشعبية مثلما تضغط على برلمانات المحترفين؟ وما الذي يمنع السلطة من أن تفسد الثورة إذ تصل إلى أيدي العوام وقد باتوا في البرلمان بعدما كانوا مغمورين وباتوا يديرون البلد؟ وهل كتب جورج أورويل مزرعة الحيوانات من فراغ؟)”.
“إن العيب الأكبر في أي نظام سياسي هو الناس في نهاية المطاف – من في السلطة، ومن انتخبوهم في بعض الأحيان – وهم لسوء الحظ العنصر الذي لا غنى عنه. ومن المغري بالطبع، في ضوء طبيعة العالم اليوم، أن نفكر في أن أي شخص قد يكون أفضل من هذه المجموعة الحالية. لكن هذا الكتاب لا يشجعني على المخاطرة بأن أكتشف صدق ذلك الظن بالطريقة الصعبة”.
ولا يختلف ستيفن بوش عن هينسليف في شكه في طرح لاندمور، فهو وإن وافق على مثالب السياسة كما نراها والساسة المحترفين كما نعرفهم، يرى أن فيهم ميزة لا غنى عنها وهي أن لديهم، في نهاية المطاف، “الوقت للتفكير في السياسة والحكم، بل لديهم التفرغ التام لذلك”.
وضمن سياق استعراض بوش عدداً من الكتب الصادرة حديثاً حول أزمة الديمقراطية الليبرالية، يتناول بوش بلا حماسة كتاب “سياسة بلا سياسيين” فيكتب (فايننشال تايمز – الـ23 من فبراير 2026) أنه من الواضح أن الديمقراطية الليبرالية تنحسر “ولعلها خربت على نحو يتعذر إصلاحه، فلم يبق أمام الديمقراطيين الليبراليين من سبيل للتقدم إلا الدعوة إلى شيء جديد”. “وهذا هو الحل الذي تطرحه هيلين لاندمور في كتابها… إذ تذهب إلى أن الديمقراطية يجب أن ترجع إلى الجذور لتعيد اكتشاف قوة اليانصيب المدني والجمعيات الشعبية. وعلى رغم أن الفكرة جذابة، فإنني أعتقد أنها في النهاية غير مقنعة. فحينما قرأت جملاً من قبيل أن ’هذا هو السبب في أن القدماء تعلموا ألا يتركوا أحداً في السلطة لوقت طويل‘ وجدت نفسي مرغماً على تذكر الغرائب الجنونية التي كان أهل اليونان القديم يفكرون فيها ويؤمنون بها”.
“حينما تصف لاندمور العمل الذي نجم عن مؤتمر المواطنين الفرنسي للمناخ بأنه ’يضاهي في جودته ما قد يصدر عن برلمان‘، شعرت بسذاجتي. إذ عندما يتعلق الأمر بمسائل لا يبالي بها أغلبنا ولا يفهمونها إلا لماماً، أستبعد أن اختيار بعضنا باليانصيب لاتخاذ قرارات سياسية يمكن أن يحل محل دور الساسة المنتخبين عما قريب. ولا أقول إنني لا أبالي بأوجه القصور والعيوب المتأصلة في الاحترافية السياسية، لكن الكتاب يعاني كثيراً عدم نظره في الأسباب التي حدت بنا في الأصل للانصراف عن آليات الديمقراطية المباشرة من قبيل القرعة وهيئات المحلفين”.
العنوان: Politics Without Politicians: The Case for Citizen Rule
تأليف: Hélène Landemore
الناشر: Allen Lane
اندبندنت عربية
