غالبًا ما يظل المترجم خلف كواليس الأدب، بعيدًا عن عدسة الكاميرا التي تسلط بؤرتها على صاحب الفكرة في تجاهل تام لناقلها، غير أن جائزة “البوكر” الدولية أعادت ترسيم هذه العلاقة منذ عقدٍ من الزمان، وتحديدًا حين هزت رواية “النباتية” لهان كانغ الأوساط الأدبية برفقة مترجمتها ديبورا سميث. من هنا استرد المترجم مكانته متقاسمًا التتويج والمكافأة مع الكاتب؛ اعترافًا بأن الترجمة ممارسة ترقى إلى مستوى الإبداع، وهو ما فتح لنا نوافذ على ثقافات كانت تبدو بعيدة المنال.
تأتي القائمة الطويلة لـ”البوكر” لعام 2026 تتويجًا لمسيرة عقدٍ كامل، بتنوّع لغوي وجغرافي لافت؛ إذ تتنافس 13 رواية مترجمة عن 11 لغة، أبدعها كتّاب ومترجمون ينتمون إلى 14 دولة تمتد عبر أربع قارات. غير أن التنوع لا يكمن في الأرقام وحدها، بل في ذلك النسيج البشري الذي تقف خلفه هذه الأعمال؛ فمن بين أصحابها ممثلون حائزون على جوائز، ومؤرخو غابات، وناشطون بيئيون، إلى جانب رسامي “المانغا” وكتّاب السيناريو. وفي انتصار واضح للابتكار، استحوذت دور النشر المستقلة على أكثر من نصف العناوين المختارة، مؤكدةً أنها لا تزال المساحة الأرحب للتجريب والتجديد في المشهد الأدبي العالمي.
مصائر أفسدتها الحرب
ما تزال الحرب موضوعًا يثقل التجربة الإنسانية في أدب هذا الجيل، وفي وقت يشهد العالم توتراتٍ عسكرية وسياسية على نحو غير مسبوق، يأخذنا الأدب المترجم إلى إعادة قراءة أثر الحرب على الفرد والمجتمع عبر حكايات تنسج بين التاريخ القديم والمعاناة الراهنة، لتؤكد أن تأثير الصراع لا يزول بانتهاء المعارك، بل يستقر في الذاكرة والهوية على مستويات متعددة.
في روايتها “الجندي الذي لا يُنسى” (The Remembered Soldier)، تقتفي الهولندية أنجيت دانج (ترجمة ديفيد ماكاي) أثر الحرب العالمية الأولى على التركيبة البشرية؛ باعتبارها أول مسمار يُدق في عرش الحضارة الأوروبية. وذلك عبر رحلة امرأة ترفض التسليم بفقدان زوجها. وبعد سنوات من الصمت والانتظار، يُعثر على نون ميركيم تائهًا في حقول بلجيكا فاقدًا الذاكرة.
وإذا كان فيلم “The Curious Case of Benjamin Button” قد تخيّل زمنًا يسير عكسيًا، فإن هذه الرواية تؤكد العكس تمامًا: الزمن لا يعود، ولا يمكن استعادة ما كان. فمحاولة الرجوع إلى الماضي تصبح المعركة الأصعب، لأن سهم الزمن يتجه دائمًا إلى الأمام، تاركًا الإنسان وحيدًا أمام خساراته.
على غرار آخر، يفكك ماتياس إينار في “الهاربون” (The Deserters)، ترجمة شارلوت مانديل، تآكل المعنى حين تفقد المعارك هيبتها. ينسج الكاتب الفرنسي حكايتين يفصلهما الزمان والمكان؛ جندي يترنح في أحراش المتوسط هربًا من حرب بلا مسمّى، وعالم رياضيات من ألمانيا الشرقية يُستعاد صوته في مؤتمر تكريمي عقب انهيار الجدار. عبر هاتين الشخصيتين، يفحص إينار فكرة “الفرار” بوصفها موقفًا وجوديًا، لا جبنًا جسديًا؛ فالانسحاب قد يكون رفضًا أخلاقيًا، والصمت أحيانًا شكلٌ من أشكال المقاومة.
| تمثل هذه القائمة محطة فارقة في تاريخ الجائزة؛ إذ تحتفل بمرور عشر سنوات على نظامها الحالي الذي يكرس مبدأ المناصفة في المجد والقيمة المادية بين المؤلف والمترجم |
الحرية المفقودة
يتنوع الخطر المحدق بالإنسان مع ممارسات الأنظمة، فلا يأتي التهديد من غريبٍ يطرق الباب، بل من سلطةٍ توحشت تحت سقف الوطن. تنقلنا آنا باولا مايا في روايتها “ما على الأرض، هو بالضبط ما في أعماقها” (On Earth As It Is Beneath)، ترجمة بادما فيسواناثان، إلى مستعمرة عقاب معزولة في البراري البرازيلية، بُنيت فوق أنقاض مزرعة قديمة شهدت تعذيب المستعبدين وتصفيتهم. هناك، ومع اقتراب إغلاق السجن، يُطلق السجان برونكو جيل لعبة وحشية؛ حيث يُسمح للنزلاء بالفرار تحت ضوء القمر البدر، لتبدأ مطاردتهم ببنادق الحراس في طقس شهري يدمج بين إرث العنف التاريخي وغريزة البقاء البدائية.
تكتمل اللوحة مع شيدا بازيار في روايتها “الليالي هادئة في طهران” (The Nights Are Quiet in Tehran) —بترجمة روث مارتن— التي تروي قصة تمزق عائلة إيرانية عبر أربعة عقود (1979-2019). تبدأ الحكاية بآمال الثورة الشيوعية التي خاضها “بهزاد” و”ناهيد” ضد الشاه، وتنتهي بالفرار من قمع النظام الجديد إلى ألمانيا الغربية. عبر هيكل روائي متعدد الأصوات، ترصد بازيار الصراع بين جيل الآباء الذين يقتاتون على الحنين ومرارة الانكسار، وجيل الأبناء (لاله، ومو، وتارا) الذين يحاولون صياغة هوية جديدة في المهجر.
تشمل القائمة أيضًا عددًا من الأعمال حول قوة الأنثى وقدرتها على تعديل مسارها بقوى خارقة. من ضمنها “نساء بلا رجال” (Women Without Men) لشهرنوش بارسيبور، التي تُعد اليوم كلاسيكية حديثة استعادت بريقها بعد رحلة مريرة مع الحظر. فهذا العمل الذي صودر بعد أسبوع من نشره عام 1989 وتسبب في سجن مؤلفته، يطل اليوم بترجمة فريدون فاروخ لينسج مصائر خمس نساء يجمعهنّ القدر في حديقة سرية على أطراف طهران، بعيدًا عن قيود المجتمع. وفي سرد مدهش يمزج بين السخرية والحلم، تقدم الفرنسية ماري ندياي في روايتها “الساحرة” (The Witch)، ترجمة جوردان ستامب، تشريحًا لعلاقات الأمومة والقوة الكامنة خلف الحياة الرتيبة، بينما تأخذنا الدنماركية أولغا رافن في “الطفل الشمعي” (The Wax Child)، ترجمة مارتن أيتكن، إلى القرن السابع عشر، حيث تصبح دمية من الشمع شاهدة على حياة نساء استخدمن السحر للبقاء وسط محاكمات الساحرات. تكتمل هذه الحلقة في رواية “هي التي تبقى” (She Who Remains) للبلغارية رينيه كاراباش (ترجمة إزيدورا أنجيل)، وتسرد قصة هروب بطلتها من زواج تقليدي عبر التنازل عن أنوثتها لتعيش كذكر وفق تقاليد جبلية صارمة.
الحب والسينما في قبضة الاستعمار
تتضح قدرة الرواية على تأريخ المشاعر وسط تقلبات السياسة في “رحلة تايوان” (Taiwan Travelogue) لليابانية يانغ شوانغ- تزي (ترجمة لين كينغ). فهي تسرد قصة حب معقدة بين روائية ومترجمتها في تايوان الثلاثينيات عبر أوصاف شهية للطعام وحوارات مرحة تذيب الحدود بين الواقع والخيال، لتصبح الرومانسية مرآة لتحليل أثر الاستعمار على الهوية وتوازنات السلطة. يمتد هذا الاشتباك مع الماضي إلى غابات أميركا الجنوبية في رواية الأرجنتينية غابرييلا كابيزون كامارا “نحن خضر ومرتَعشون” (We Are Green and Trembling)، ترجمة روبن مايرز، التي تستحضر شخصية تاريخية من القرن السابع عشر تهرب من قمع الإمبراطورية لتعتني بفتاتين من السكان الأصليين، في عمل يزاوج بين الحنو والغضب بلغة شعرية رهيفة. ولا يبتعد الألماني دانيال كيلمان في روايته “المخرج” (The Director)، ترجمة روس بنجامين، عن هذا السياق، إذ يسلط الضوء على حياة المخرج جي. دبليو. بابست وكيفية تسلل الأيديولوجيا النازية إلى مفاصل الفن إبان الاحتلال الأوروبي، طارحًا ببراعة مدى قدرة الإبداع على الصمود أمام الانحلال الأخلاقي لمبدعيه.
تُختتم القائمة بعملين يقدمان فحصًا دقيقًا لعالم القرى والمجموعات الصغيرة ولشبكة العلاقات الإنسانية فيها: رواية “الدوق” (The Duke) للكاتب الإيطالي ماتيو ميلتشوري، ترجمة أنتونيلا ليتيري، ومجموعة القصص القصيرة “راحة ضئيلة” (Small Comfort) للكاتبة السويدية إيا جنبرغ، ترجمة كيرا جوزيفسون.
في “الدوق”، يعيش القارئ في قرية معزولة بسفوح دولوميت، وهناك يتصاعد نزاع بين رجلين على الميراث والسلطة، مع مشاهد مشحونة بالتوتر والتحولات الدرامية التي تكشف عن طبائع البشر وتفاصيل حياتهم اليومية. أما في “راحة ضئيلة”، فتتقاطع خمس قصص قصيرة متصلة حول المال، والحب، والقيم الإنسانية، من زوجين مضطرين للعيش معًا مؤقتًا لضمان ميراث، إلى باحثة تكتشف كيف يؤثر المال والحب على المجتمع والعلاقات.
الكاتب ومفسروه
تلخص رئيسة لجنة التحكيم، ناتاشا براون، روح هذه القائمة قائلة: “العديد من الكتب المقدمة تناولت العواقب المدمرة للحرب، كما تضم نزاعات صغيرة بين الجيران، قرى جبلية غامضة، مؤامرات شركات الأدوية الكبرى، نساء ساحرات، وعشاقًا تعساء… ورغم أن تواريخ النشر الأصلية تمتد لأربعة عقود، فإن كل قصة تبدو جديدة ومبتكرة”.
وتمثل هذه القائمة محطة فارقة في تاريخ الجائزة؛ إذ تحتفل بمرور عشر سنوات على نظامها الحالي الذي يكرس مبدأ المناصفة في المجد والقيمة المادية (50 ألف جنيه إسترليني) بين المؤلف والمترجم.
وبينما يترقب العالم الإعلان عن القائمة القصيرة في 31 مارس/ آذار الحالي، وصولًا إلى حفل التتويج الكبير في مايو/ أيار المقبل، تفتح الجائزة هذا العام بابًا للجمهور لكي يكون جزءًا من المشهد، إذ أطلقت استفتاءً عالميًا يتيح للقراء إمكان اختيار “كتابهم المفضل” من بين الأعمال العشرة التي حصدت الجائزة منذ عام 2016؛ بدءًا من صرخة هان كانغ في “النباتية”، وصولًا إلى “سراج القلب” لبانو مشتاق (فائز 2025). هذه المبادرة، التي تستمر حتى 21 أبريل/ نيسان، لا تكتفي بمنح المشاركين فرصة للفوز بالمجموعة الكاملة للأعمال الفائزة، بل تؤكد فلسفة الجائزة بأن الأدب ليس مجرد إبداع منعزل، بل هو حوار مستمر بين الكاتب والمترجم والقارئ.