ترمب يغامر بحرب غير شعبية مع إيران أملاً في تعزيز صورته قبل الانتخابات، لكن العملية ترتد عليه سياسياً مع تراجع التأييد وتنامي الانتقادات داخل معسكره. مغامرته العسكرية المتهورة تهدد بتوسيع الصراع، وبتدمير ما تبقى من فرصه السياسية، لتصبح “الغضب الملحمي” أسوأ قرار في مسيرته.
نادراً ما يخلو الأمر من تغريدة، وفي حالة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غالباً ما تكون هناك أكثر من واحدة، ولسوء حظه فإن كل ما ينشر على الإنترنت يظل محفوظاً في الذاكرة الرقمية.
ففي يناير (كانون الثاني) عام 2012، سخر ترمب من سلفه آنذاك الرئيس الأميركي باراك أوباما، مدعياً أنه فكر في مهاجمة إيران “من أجل الفوز بولاية رئاسية ثانية”. ثم عاد لاحقاً ليكرر هذا الادعاء في شأن مغامرة عسكرية لم يكن يؤيدها في ذلك الوقت، قائلاً: “الآن، بعدما تراجع التأييد الشعبي لأوباما بصورة حادة، ترقبوا أن يشن هجوماً على ليبيا أو إيران، إنه في حالة يأس”.
كانت آخر تغريدة له في هذا السياق بمثابة تحذير لحزبه من الانسياق وراء ما اعتبرها خطوة انتهازية، وقد كتب: “لا تسمحوا لأوباما باستخدام ورقة إيران لإشعال حرب من أجل الفوز بالانتخابات، احذروا أيها ’الجمهوريون‘!”.
خلال العقد الماضي، دأب دونالد ترمب على إعلان رفضه خوض حروب خارجية عبثية لا جدوى منها، أو السعي إلى “تغيير أنظمة”، أو إهدار الموارد الأميركية في التدخل في شؤون دول الأخرى. وقد شكل هذا الموقف ركيزة أساسية في عقيدة “أميركا أولاً”، وبالنسبة إلى أنصار حركة “ماغا”، مثل ترمب قطيعة حادة مع رؤساء أميركيين سابقين تورطوا في صراعات خارجية.
لكن ماذا عن اللحظة الراهنة؟ اتضح أن أرقام استطلاعات الرأي المتعلقة بترمب هي التي تشهد الآن انخفاضاً حاداً. فمع اقتراب الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني)، يسعى إلى تنفيذ عملية عسكرية خارجية ناجحة أخرى ليظهر نفسه قوياً ويجعل أميركا تشعر بالقوة، فبعد نشوة نجاح القصف الجراحي لمنشآت إيران النووية الصيف الماضي، وكذلك الغارة الجريئة في يناير (كانون الثاني) على كاراكاس للقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، يشعر ترمب بانتصار أكثر إثارة وملحمية في إيران.
إن تغيير في النظام في طهران من شأنه أن يثأر لعقود من الإذلال التي تعرضت لها الولايات المتحدة على يد آيات الله في إيران، وأن يعيد تأكيد قوتها ونفوذها. فهل من وسيلة أجدى لصرف أنظار “وسائل الإعلام المزيفة” عن ملفات جيفري إبستين، وعن تعثر سياساته المتعلقة بالرسوم الجمركية، وعن أزمة غلاء المعيشة المستمرة في الولايات المتحدة؟
غير أن حرب ترمب على إيران لا تحظى بشعبية، حتى داخل دائرته المقربة. فنائب الرئيس جي دي فانس الذي ينظر إليه بصفته صوتاً أكثر تعبيراً عن نبض حركة “ماغا” من ترمب نفسه، التزم صمتاً لافتاً حيال هذه الحرب. كما غاب عن غرفة العمليات في “منتجع مارالاغو”، إذ كان ترمب مجتمعاً مع وزير خارجيته ماركو روبيو، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، “فريقه المقرب”.
لكن المؤثرين المحافظين في الولايات المتحدة لا يبدو أنهم مقتنعون بهذا المسار، فقد كانت تعليقات كورت ميلز المدير التنفيذي لمجلة “ذا أميركان كونسرفاتيف” The American Conservative عكست هذا المزاج بوضوح، إذ قارن بين خطاب دونالد ترمب عام 2024 الذي ركز على “مناهضة العولمة ورفض النزعة الإمبريالية”، وممارساته الراهنة. قال ميلز: “يبدو الأمر الآن واضحاً للغاية، فالإدارة تخدم الأثرياء وتخوض حروباً نيابة عن دول أخرى. إنها تتبنى بصورة صارمة خطاب ’الديمقراطيين‘ عن الأوليغارشية، من المثير للدهشة أنهم لا يعارضون هذا الأمر بصورة أكبر. يبدو هذا الموقف كأنه مقدم على طبق من فضة، إنها حرب غير شعبية بنسبة اثنين إلى واحد، وترتبط على نحو غريب بفساد محتمل داخل الإدارة”.
هذا الصراع بدلاً من أن يشكل طوق نجاة لرئاسة دونالد ترمب، قد يؤدي إلى تقويضها. فإذا ساءت الأمور بالنسبة إليه، قد يواجه خطر العزل، خصوصاً أن حربه على إيران، وفقاً لاستطلاعات الرأي، لا تحظى بشعبية بين الناخبين المستقلين الذين يحتاج إلى أصواتهم من أجل الحفاظ على سيطرته على مجلسي الشيوخ والنواب. ومن دون دعم الكونغرس، سيكون عاجزاً عن الدفاع عن نفسه ضد مجموعة من الاتهامات الموجهة إليه، بما فيها انتهاك القانون ومحاولة التستر على فضيحة إبستين.
ما هو أشد وطأة يتمثل في الخسائر البشرية الأميركية غير المبررة، في حرب لم يكن سيد البيت الأبيض مضطراً إلى إشعالها، فهو سبق أن أكد أن البرنامج النووي الإيراني قد “دمر بالكامل”. ومن منظور الدفاع عن الولايات المتحدة، تبدو تحركاته الأخيرة غير منطقية.
الأهم من ذلك كله، كنت أعتقد أن معظم الأميركيين سيشعرون بالصدمة من تصريحات ترمب غير المكترثة في شأن الجنود الثلاثة في القوات الأميركية الذين لقوا حتفهم يوم الأحد ليكونوا أول ضحايا هذا الصراع، التي قال فيها: “من المرجح أن يكون هناك المزيد، هكذا هي الأمور”، إنها تعليقات قاسية ألقاها ترمب بابتسامة ساخرة تليق بشخصية مملة في حانة. وهذه ليست المرة الأولى التي يهين فيها جنوداً أميركيين، ويستحق أن يدفع ثمناً سياسياً باهظاً على هذا الازدراء لهم.
إن أفضل ما يمكن أن يأمله ترمب هو أن ينهي تورطه في إيران قبل أن تتسع رقعة الحرب لتشمل المنطقة بأكملها، وتدفع بأسعار النفط إلى الارتفاع، وتقود العالم نحو الفوضى والركود، ومن المرجح أن يدفع الشعب الإيراني والطيارون والبحارة والجنود الأميركيون الثمن الباهظ لهذا الخطأ المتهور وغير المبرر في التقدير.
سيتعين على دونالد ترمب أن يتحمل تبعات قراراته بالكامل، وقد يدرك قريباً أنصار حركة “ماغا” أن هذه المغامرة غير المحسوبة تصب بصورة أكبر في مصلحة إسرائيل مقارنة بمصلحة الولايات المتحدة، التي لا تواجه أي تهديد مباشر ووشيك من إيران. كما قد يرون أن رئيسهم قد جرى إقناعه، أو حتى خداعه، بالدخول في هذا المسار المتهور، من جانب صديقه القديم بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي.
في الواقع، كشف وزير الخارجية العماني، الذي كان وسيطاً في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، عن أن الإيرانيين رضخوا ووافقوا على مطالب واشنطن النووية قبل أن يطلق الرئيس الأميركي عملية “الغضب الملحمي”. وهكذا، فإن آية الله (خامنئي) الذي اغتاله ترمب، كان قد أعطاه بالفعل ما طالب به، ومع ذلك مضى ترمب قدماً في العملية.
قبل وقت ليس ببعيد، تحديداً في أواخر الولاية الرئاسية الأولى، كتب دونالد ترمب على حسابه عبر “تويتر”: “أنفقت الولايات المتحدة 8 تريليونات دولار [بالأحرف الكبيرة] على القتال وحفظ الأمن في منطقة الشرق الأوسط، وقد قتل أو أصيب آلاف من جنودنا الأبطال بجروح بالغة، كما لقي ملايين الأشخاص حتفهم على الجانب الآخر، [الجملة التالية بالأحرف الكبيرة] إن التورط بالشرق الأوسط كان أسوأ قرار اتخذ على الإطلاق”.
كان الرئيس الأميركي آنذاك محقاً، أما الآن فهو مخطئ. وعندما تحين انتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فلن يكون هناك ما ينقذ رئاسته من أسوأ قرار اتخذه على الإطلاق.
اندبندنت عربية
