لا شك في أن ملامح القيادة الجديدة ستحدد إن كانت إيران ستلتزم بفتوى خامنئي تحريم امتلاك السلاح النووي، أم أنّا سنكون في صدد قيادة أكثر تشدداً تغير العقيدة النووية وتتجه نحو الإسراع في تطوير سلاح نووي ليكون رادعاً مستقبلاً.
هل يعنى اختفاء على خامنئي من المشهد الإيراني سقوط نظام ولاية الفقيه الذي أُسس بعد الثورة على حكم الشاه عام 1979؟ ومن يحكم إيران الآن؟ وهل تتغير السياسة الخارجية الإيرانية؟
قُتل المرشد الأعلى الإيراني على خامنئي في أعقاب ضربات جوية مشتركة بين واشنطن وإسرائيل في الـ 28 من فبراير (شباط) الماضي، وفي أعقاب مقتله تساءل كثر حول من يحكم إيران، ولا سيما في ظل سياسة قطع الرأس التي تنتهجها إسرائيل وتستهدف التخلص من القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين في هيكل النظام الإيراني الحالي، إذ تنبع أهمية منصب المشد الإيراني من كون إيران دولة دينية (ثيوقراطية) يحكمها رجال الدين على مذهب ولاية الفقيه.
السياسة الخارجية
وبداية فإن نخبة صنع قرار السياسة الخارجية الإيرانية تتمثل أولاً في دائرة المرشد الأعلى الإيراني التي تشمل كلاً من شخص المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني، ومنصب المرشد الأعلى مؤسس الجمهورية الإيرانية روح الله الخميني، انطلاقاً من نظريته حول الحكومة الإسلامية وحاجة الأمة إلى ولي فقيه في زمن غيبة الإمام، على أن تكون لهذا الولي السلطة السياسية والدينية معاً، وقد شغله روح الله الخميني منذ عام 1979 حتى وفاته عام 1989، ثم تولى المنصب آية الله خامنئي حتى مقتله أواخر الشهر الماضي.
ووفقاً للدستور فإن سلطة المرشد الأعلى بعيدة المدى وتمتد لكل مستوى تقريباً في مستويات عملية صنع القرار ومؤسساته، ونظراً إلى افتقار علي خامنئي إلى الشخصية الكاريزمية لسلفه الخميني وشعبيته، فضلاً عن تدني رتبته الدينية بين كبار رجال الدين، فقد وطّد مركزه وسلطته كزعيم للبلاد عبر إنشاء شبكة من العلاقات الشخصية، ونجح في إنشاء شبكة من الأتباع المخلصين والممثلين له في كل فرع من فروع الحكومة، وجعل دوائر السلطة المرتبطة به أكثر قوة مما جعله يمتلك السيطرة على كل قضية يتدخل فيها، فأسس قاعدة دعم مستقلة وشبكة شخصية وممثلين له تتمركز في آلاف الوظائف الإستراتيجية في كل وزارة ومؤسسة حكومية مهمة، بما في ذلك المؤسسة الدينية والجيش، وهي اليوم تشكل شبكة مصالح مكرسة لإنفاذ سلطة خامنئي، وهي أكثر قوة من الموظفين الحكوميين الآخرين، لأن لديهم سلطة التدخل في أية قضية.
وكذلك فلدى خامنئي السلطة على المؤسسات الخيرية التي تتمتع بأصول تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، إضافة إلى ملايين أخرى يتلقاها مكتبه وتتعلق بالتبرعات الخيرية المقدمة إلى الأماكن المقدسة في إيران، مما يلقي الضوء على العلاقة الوطيدة بين خامنئي وقادة الحرس الثوري ذوي النفوذ الاقتصادي، مع رجال الدين المتشددين، ومن ثم دلالات ذلك على التنافس الفئوي بين التيارين المتشدد والمعتدل.
النخب المسيطرة
وتتضح دلالات تلك العلاقة عند عملية اختيار المرشد المقبل الثالث للجمهورية الإيرانية بعد غياب خامنئي، إذ إن الدائرة الأولى في النخبة الحاكمة تتمثل في المرشد الإيراني علي خامنئي وقائد الحرس الثوري، ويَعدُ الدستور الإيراني واجبات الحرس الثوري بأنها حراسة الثورة ومنجزاتها، ويمكن أن نجد غموضاً يكتنف هذه المادة التي لم تفسر حدود سلطات الحرس الثوري، وهو الأكثر تأثيراً سياسياً من الجيش النظامي، ويرجع تعاظم نفوذه سياسياً لاعتماد النظام عليه في قمع المعارضة منذ بدايات تأسيس النظام السياسي، وقد تطور دوره إلى ما هو أبعد من دوره الأصلي كحارس أيديولوجي للنظام الثوري، فهو بشكل عام يؤيد التيار المتشدد، وتأتي كثير من الشخصيات البارزة من بين صفوفه، وقد امتد نفوذه في مجال السياسة الخارجية من خلال “قوة القدس” التي تقود التأثير في جميع أنحاء المنطقة.
أما النخبة الثانية فهي النخبة التنفيذية التي تشمل رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، فضلاً عن المجلس الأعلى للأمن القومي، الجهة المنوط بها عملية تنسيق وتيسير عملية صنع القرارات في شأن الأمن والسياسة الخارجية، ووفقاً للدستور فإن صلاحيات المجلس الأعلى للأمن القومي تتمثل في تعيين السياسات الدفاعية والأمنية للبلاد في إطار السياسات العامة التي يحددها القائد، وتنسيق برامج الدولة في المجالات المتعلقة بالسياسة وجمع تقارير الاستخبارات، وتطوير الأنشطة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ذات العلاقة بالخطط الدفاعية والأمنية العامة، إضافة إلى الاستفادة من الموارد المادية والفكرية لإيران في مواجهة التهديدات.
ويتولى رئيس الجمهورية رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي الذي تتألف عضويته من رؤساء السلطات الثلاث، رئيس هيئة أركان القيادة العامة للقوات المسلحة، ومسؤول شؤون التخطيط والموازنة، وممثليْن عن المرشد الأعلى، ووزراء الخارجية والأمن والداخلية، والوزير المتخصص بالقضية محل النقاش، وأعلى مسؤولين في الجيش وحرس الثورة.
ولا يمكن لرئيس الجمهورية أن يتبع سياسة خارجية لا تتفق وإرادة المرشد الأعلى للجمهورية حتى لو كان يتمتع بتأييد شعبي واسع، فلا يمكن تبنيه السياسات التي يعارضها القائد أو العناصر الأخرى ذات النفوذ في النظام، وقد جرى اختزال صلاحيات الرئيس في منصب سكرتير تنفيذي إلا إذا كان يتمتع بدعم العناصر القوية للنظام، ولا سيما الحرس الثوري، وارتباطاً بديناميكيات النخب الحاكمة التي تميز النظم السلطوية فهناك نوعان من دوائر النخب المغلقة: إحداهما تتعلق باستمرار تداول النخبة نفسها من وظيفة إلى أخرى، والثانية الحفاظ على أفراد النخبة نفسهم في الوظائف ذاتها، ليجري اتخاذ قرارات السياسة الخارجية الرئيسة من قبل القائد أو المؤسسة المهيمنة، وينطبق ذلك على النظام الإيراني الذي تنحصر الوظائف السياسية فيه حول عدد من الشخصيات ذات الأهمية خلال حقبة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية، وقد تداولت النخبة ذاتها المناصب التنفيذية والتشريعية والقضائية.
وفي إطار ما سبق ومن واقع سياسي ودستوري للنظام الإيراني، ولكون من اختفى من المشهد هو المرشد الإيراني، لكن النظام لا يزال فيه المجلس الأعلى للأمن القومي وعلى رأسه أمينه العام علي لاريجاني، إضافة إلى استمرار مؤسسة الحرس الثوري بنفوذها العسكري والاقتصادي، وإدارتها الحرب مع واشنطن وإسرائيل، فضلاً عن أنه وفقاً للدستور جرى تشكيل مجلس القيادة الموقت الذي تشكل من رئيس الدولة ورأس السلطة القضائية وفقيه من مجلس تشخيص مصلحة النظام إلى حين انتخاب مرشد جديد، ولا يمكن القول إن النظام الإيراني قد انهار مع استمرار شبكة المصالح الشخصية التي أسسها المرشد والتي تعتمد على رجال الدين في الحوزات والمدارس الدينية وخطباء الجمعة في طهران، فضلاً عن وجود قاعدة شعبية من المتشددين المؤمنين بالنظام الإيديولوجي.
الأسماء المرشحة
لا بد من الأخذ في الاعتبار أنه منذ حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل، وفي ظل تلميحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب حينها أنه يعلم مكان خامنئي، فقد عمل الأخير على اختيار المرشد الثالث من بعده، وقيل حينها إنه جرت تسمية ثلاث شخصيات لم تعلن لحمايتها من الاستهداف من إسرائيل التي تعمل حالياً على التخلص من كل رموز النظام ومؤسسات اختيار قادته، مثلما استهدفت اغتيال أعضاء مجلس الخبراء الـ 88، ولذلك فمن المرجح أن المرشد المقبل معروف الهوية ومن أسماء جرى تداولها إعلامياً، مثل مجتبى خامنئي وابن خامنئي الذي لديه علاقات قوية مع الحرس وشبكة نفوذ اقتصادي وسياسي وعسكري، وكذلك الرئيس السابق حسن روحاني وعلى رضا أعرافي ومحسن قمي ومحسن راكي وصادق لاريجاني وغلام إجئي وهاشم بوشهري.
السيناريوهات المحتملة
سمّى خامنئي ثلاثة أشخاص لخلافته منذ انتهاء حرب الـ 12 يوماً العام الماضي في حال اختفائه من المشهد، ومن ثم فالمتوقع أن يجري اختيار القيادة الجديدة من خلال توافق بين الحرس الثوري الذي يمسك بزمام الأمور سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، إضافة إلى الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي على لاريجاني، والذي لديه نفوذ قوى هو وعائلته في جميع المؤسسات الحيوية للنظام، وكذلك رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، وسيحدد شكل القيادة الجديد ملامح السياسة الخارجية الإيرانية.
وفي ظل الحرب الجارية التي تتسع في مداها الزمنى وبنك الأهداف الأميركية، نطرح تساؤلاً حول شخصية المرشد المقبل، ولا سيما أن خامنئي كان في السابق يؤكد ضرورة اختيار شخصية ثورية تحفظ استمرار النظام، فهل يمكن الآن اختيار شخصية ثورية لها رؤية خامنئي للعالم والذات نفسها في ظل الضربات الأميركية، ومحاولة إسرائيل زعزعة استقرار النظام وإسقاطه، إما بالقضاء على المؤسسات الأمنية لإضعاف قبضة الدولة ومن ثم تشجيع المواطنين على الخروج في احتجاجات، أو عبر ما يقال من الدفع بجماعات مسلحة انفصالية عبر الحدود الإيرانية، ولذا فهناك تركيز على ضرب إيران من جهة الغرب.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في أن تتواصل واشنطن مع الموجودين في السلطة الإيرانية حالياً للتحاور معهم حول فرصة استمرار النظام شرط عدم التصعيد، وربما تحاول واشنطن الدفع بشخصية إصلاحية من داخل النظام مثل حسن روحاني، لكن هذا السيناريو قد يكون ضعيفاً في حال استمرت الحرب مع سعي إيران وواشنطن إلى استنزاف بعضهما بعضاً، ومن ثم فربما تحتاج إيران إلى وجه أكثر تشدداً لإثبات صمود النظام الثوري.
والسيناريو الثالث أن تحاول واشنطن أو تنتظر التوصل إلى صفقة مع أحد قيادات الحرس الثوري ليظل ممسكا بزمام الأمور مع الحفاظ على مصالح الحرس الاقتصادية، والتي تشكل 40 في المئة من الاقتصاد الإيراني، في مقابل التوافق مع المتطلبات الأميركية، أما الاحتمال الأخير فربما يتحرك الجيش الإيراني الذي ظل مهمشاً لأكثر من 40 عاماً في شكل انقلاب عسكري يستعيد زمام الأمور، بحجة أن سياسات الحرس الثوري هددت بقاء الدولة والنظام، وهنا لا بد من تأكيد أن الفاعلين الموجودون حالياً هم من سينسقون عملية اختيار المرشد والرئيس المقبل على خلفية تطورات الحرب الجارية، ومن ثم فإن القيادة الإيرانية ترتبط بمتغيرات الحرب ومدى صمود النظام في مواجهة الضربات الأميركية والإسرائيلية من عدمه، وترتبط كذلك بالمسار السياسي وتحديد ملامح سياسة إيران الإقليمية، سواء تجاه المنطقة أو علاقتها بشبكة الوكلاء والدور الإقليمي الذي استثمرت فيه لأربعة عقود، ومصيره الآن غير واضح، وكذلك سيقل التنافس السياسي المعروف بين المتشددين والإصلاحيين، ولن يكون حاضراً في ذلك التوقيت الذي ينحصر فيه اهتمام النظام بالاستمرار والبقاء، ومن ثم فإن الأهم هو التوافق من أجل البقاء.
ملامح القيادة الجديدة
هل سيأتي مرشد له قوة خامنئي نفسها، ومن ثم سيكون الفاعل الأساس في صنع السياسة الخارجية؟ أم ستكون عملية التنصيب شكلية للحفاظ على نظام ولاية الفقيه والدور الأكبر يكون للحرس الثوري؟
لاشك في أن ملامح القيادة الجديدة ستحدد إن كانت إيران ستلتزم بفتوى خامنئي تحريم امتلاك السلاح النووي، أم أنا سنكون في صدد قيادة أكثر تشدداً تغير العقيدة النووية وتتجه نحو الإسراع في تطوير سلاح نووي ليكون رادعاً مستقبلاً.
اندبندنت عربية
