التعدد العرقي يشكل مشهداً سياسياً مركباً في إيران تتداخل فيه المطالب القومية مع رهانات الإصلاح الداخلي (أ ف ب)
ملخص
يبقى مستقبل هذه المعادلة مرهوناً بقدرة أي نظام سياسي قد يخلف الجمهورية الإسلامية على استيعاب هذا التعدد ضمن إطار وطني جامع يضمن المشاركة والحقوق المتساوية، أو بانزلاق العلاقة بين المركز والأطراف نحو مزيد من التوتر، في ظل تحولات إقليمية ودولية تضيف طبقات إضافية من التعقيد إلى الداخل الإيراني
تعد إيران واحدة من أكثر دول الشرق الأوسط تنوعاً من حيث بنيتها القومية والدينية، إذ تضم فسيفساء واسعة من الشعوب والمكونات العرقية التي تشكلت تاريخياً داخل جغرافيا سياسية واحدة، لكنها احتفظت بخصوصياتها اللغوية والثقافية والاجتماعية. وعلى امتداد القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، طورت هذه المكونات أطرها التنظيمية والسياسية، سواء في الداخل أو في المنفى، دفاعاً عن حقوقها السياسية والتاريخية والثقافية، ومطالبة بإعادة تعريف العلاقة بينها وبين الدولة المركزية.
ويعكس هذا التعدد مشهداً سياسياً مركباً، تتداخل فيه المطالب القومية مع رهانات الإصلاح الداخلي، وتتصادم فيه مشاريع الفيدرالية وتقرير المصير مع رؤية الدولة المركزية التي تقوم على وحدة الأراضي والهوية الوطنية ذات الطابع الفارسي.
الأكراد: تقاليد حزبية وصراع طويل
تقع المناطق الكردية في غرب وشمال غربي إيران بمحاذاة العراق وتركيا، وتشمل أساساً محافظتي كردستان وكرمانشاه، إضافة إلى وجود سكاني في محافظتي أذربيجان الغربية وعيلام. وتعد سنندج مركزاً رئيسياً للنشاط السياسي الكردي.
الحركة السياسية الكردية في إيران ذات جذور عميقة، وتعرف بتقاليدها الحزبية الراسخة. ومن أبرز القوى: الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، الذي يرفع شعار الديمقراطية لإيران والحكم الذاتي لكردستان وحزب كومله ذو الخلفية اليسارية وحزب الحياة الحرة الكردستاني وحزب الشعب الكردستاني.
وتدور مطالب هذه القوى حول الاعتراف بالهوية القومية، والإدارة الذاتية، وضمان الحقوق الثقافية واللغوية، ضمن رؤى تتراوح بين الفيدرالية والحكم الذاتي الموسع.
كذلك أعلنت خمسة أحزاب سياسية كردية، في 23 فبراير الماضي، عن تأسيس “ائتلاف القوى السياسية في كردستان إيران”، في خطوة تهدف إلى توحيد جهودها داخل الإقليم وتعزيز حضورها في المشهد السياسي.
وفي الوقت نفسه، واجهت هذه الأحزاب حملة شعواء من التيار الفارسي بقيادة رضا بهلوي، إذ رفضت الائتلاف معه في أكثر من مناسبة احتجاجاً على مشروعه الذي تصفه هذه الأحزاب بالعنصري والشمولي، ويرفض حقوق الشعوب غير الفارسية في إيران.
الأذربيجانيون: ثقل ديمغرافي وحساسية سياسية
يشكل الأذربيجانيون أحد أكبر المكونات غير الفارسية في البلاد، ويتمركزون في شمال غربي إيران ضمن محافظات أذربيجان الشرقية والغربية وأردبيل وزنجان وقزوين وهمدان، فيما تعد تبريز عاصمة الإقليم التاريخية ومركزه الاقتصادي والثقافي.
يتسم المشهد السياسي الأذربيجاني بتنوع لافت بين تيارات ثقافية إصلاحية وأخرى ذات نزعة قومية واضحة. ومن أبرز القوى: حزب أذربيجان المركزي وحزب المقاومة الوطنية الأذربيجانية والحزب الديمقراطي لأذربيجان الجنوبية.
وتتركز مطالب هذه التيارات حول الاعتراف بالهوية واللغة، وتوسيع المشاركة السياسية، وبعضها يطرح مبدأ تقرير المصير في إطار قانوني يستند إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وتنبع حساسية هذا الملف من الثقل السكاني والاقتصادي للأذربيجانيين، فضلاً عن حضورهم التاريخي في مؤسسات الدولة في العاصمة طهران، ما يجعل أي نقاش حول حجمهم الحقيقي وتأثيرهم السياسي مسألة ذات أبعاد استراتيجية.
البلوش: الجغرافيا الطرفية وأزمة التنمية
في جنوب شرق البلاد، يقع إقليم بلوشستان، وهو من أكثر المناطق هشاشة اقتصادياً على رغم موقعه الجيوسياسي الحساس على الحدود مع باكستان وأفغانستان وإطلالته على بحر العرب. ويقطنه غالبية من البلوش السنة، وعاصمته زاهدان.
تتركز المطالب السياسية في هذا الإقليم حول إنهاء التهميش الاقتصادي، وتحقيق تنمية متوازنة، ومعالجة ما يوصف بالتمييز القومي والمذهبي. ومن أبرز القوى السياسية: حزب الشعب البلوشي، الذي يدعو إلى نظام فيدرالي، وجبهة بلوشستان المتحدة، وحركة المقاتلين الوطنيين في بلوشستان، التي تمثل مجموعة من التنظيمات القومية المسلحة، أبرزها جيش تحرير بلوشستان، وتسعى هذه الحركة إلى الحصول على الحكم الذاتي الشامل أو الانفصال.
ويمثل ملف بلوشستان أحد أبرز التحديات الأمنية والتنموية للدولة، نظراً لتداخل العوامل الاجتماعية والاقتصادية مع البعد الأمني الحدودي مع باكستان وأفغانستان.
الأحواز: الثروة النفطية والهوية العربية
يقع إقليم الأحواز في جنوب وجنوب غربي إيران، ويتمتع بغالبية سكانية عربية، ويطل على الخليج العربي. ويعد أحد أهم الأقاليم من الناحية الاقتصادية، إذ يشكل شرياناً حيوياً للدولة بإنتاجه أكثر من 78 في المئة من النفط والغاز، فضلاً عن احتضانه موارد معدنية ومائية وزراعية كبيرة.
تتركز مطالب القوى الأحوازية على الاعتراف بالهوية العربية، وضمان التوزيع العادل للثروات. ومن تنظيماتها: حزب التضامن الديمقراطي الأحوازي، وحركة النضال العربي لتحرير الأحواز، والجبهة الديمقراطية الشعبية لتحرير الأحواز والتجمع الأحوازي والجبهة العربية لتحرير الأحواز، والتيار الوطني الأحوازي، وتنفيذية دولة الأحواز، إلى جانب عدد من القوى السياسية الأخرى. كذلك أسست هذه القوى أخيراً اللجنة التنسيقية للقوى الأحوازية لمتابعة تطورات المشهد السياسي الإيراني وحضر ممثلون عنهم في اجتماع للكونغرس الأميركي بين ممثلي الشعوب في إيران ونواب الكونغرس.
وتتباين الرؤى داخل هذه التيارات بين الدعوة إلى الفيدرالية، والمطالبة بحق تقرير المصير ضمن إطار وطني، وطرح خيار الاستقلال الكامل. كذلك يثار جدل مستمر بشأن سياسات تغيير ديمغرافي في الإقليم، واتهامات بتهجير السكان العرب وإعادة توطين مجموعات أخرى، وهي قضايا ظلت محل نقاش سياسي وحقوقي واسع.
الفرس: مركز الدولة وتعدد المعارضات
تتركز الغالبية الفارسية في وسط البلاد، ولا سيما في محافظات طهران وقم وأصفهان وشيراز ويزد وكرمان وسمنان وخراسان، حيث تتموضع مفاصل السلطة السياسية والمؤسسات العسكرية والأمنية والإعلامية والاقتصادية.
وعلى رغم تمركز السلطة في هذا الفضاء، فإن الساحة الفارسية نفسها ليست متجانسة سياسياً. فمن أبرز قوى المعارضة: منظمة مجاهدي خلق، التي خاضت صراعاً مسلحاً ضد النظام والتيار الجمهوري الداعي إلى إقامة نظام علماني ديمقراطي والتيار الملكي (بهلوي) بقيادة رضا بهلوي، الساعي إلى استعادة النظام الملكي.
وفي الداخل، تستمر قوى إصلاحية محسوبة على النظام في العمل ضمن هوامش محدودة، في ظل قيود سياسية مشددة على المعارضة.
ائتلافات عابرة للقوميات
في مواجهة مركزية الدولة، برزت محاولات لتأسيس أطر تنسيقية تجمع قوى قومية مختلفة، ومن أبرزها مؤتمر شعوب إيران الفيدرالية، الذي يضم أحزاباً كردية وأذربيجانية وبلوشية وعربية أحوازية وتركمانية، ويطرح مشروع إعادة هيكلة الدولة على أساس جمهورية برلمانية فيدرالية.
تعكس هذه المبادرات إدراكاً مشتركاً لدى بعض القوى بأن التنسيق العابر للهويات قد يمنحها ثقلاً سياسياً أكبر في مواجهة الدولة المركزية ذات الطابع الفارسي.
الإحصاء العرقي: بين السياسة والديموغرافيا
يعد ملف الإحصاء السكاني القائم على الانتماء القومي من أكثر القضايا حساسية في إيران، إذ تتجنب السلطات، سوى في العهد البهلوي أو الجمهورية الإسلامية، إجراء إحصاء شامل يعكس التوزيع العرقي، لا سيما بين غير الفرس، خشية التداعيات السياسية المحتملة. وفي هذا السياق، صرح وزير التربية والتعليم في حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، حميد رضا حاجي بابائي، بأن 75 في المئة من طلاب المدارس في إيران ثنائيي اللغة، ما يعكس أن القومية الفارسية لا تمثل سوى 25 في المئة من إجمالي السكان.
وتعود أسباب ذلك إلى أربعة اعتبارات رئيسية:
هاجس الثقل الديمغرافي: الكشف عن الأوزان السكانية الحقيقية لبعض القوميات، خصوصاً الأذربيجانيين، قد يعيد طرح سؤال التوازن داخل الدولة.
ترسيخ الهوية الرسمية: تسعى الدولة إلى تقديم إيران ككيان متماسك بهوية وطنية جامعة ذات طابع فارسي، ما يتعارض مع إبراز التعدد القومي في أرقام رسمية.
مخاوف مطالب تقرير المصير: إعلان نسب دقيقة قد يمنح زخماً أكبر لمطالب الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو حتى الاستقلال.
تجنب تسليط الضوء على التهميش: يرى منتقدون أن إحصاءً شفافاً قد يكشف اختلالات في توزيع السلطة والموارد، ويعزز الروايات الحقوقية بشأن التمييز، ولا سيما في أقاليم مثل الأحواز، بحيث يشكل العرب في إيران- بحسب وثيقة تسربت من وزارة الاستخبارات (اطلاعات)- نحو 10 في المئة من مجموع السكان في البلاد.
خلاصة المشهد
تكشف خريطة المكونات القومية في إيران عن واقع اجتماعي وسياسي بالغ التعقيد، يتجاوز الثنائية التقليدية بين النظام والمعارضة، ليطرح أسئلة جوهرية تتصل بالهوية، وطبيعة الدولة، وحدود التمثيل السياسي.
فبين مشروع الدولة المركزية الذي يؤكد وحدة الأراضي والهوية الوطنية الجامعة، ومطالب قوى قومية تدعو إلى الفيدرالية أو حق تقرير المصير، تتشكل معادلة دقيقة تحكم المشهد الإيراني وتحدد اتجاهاته.
ويبقى مستقبل هذه المعادلة مرهوناً بقدرة أي نظام سياسي قد يخلف الجمهورية الإسلامية على استيعاب هذا التعدد ضمن إطار وطني جامع يضمن المشاركة والحقوق المتساوية، أو بانزلاق العلاقة بين المركز والأطراف نحو مزيد من التوتر، في ظل تحولات إقليمية ودولية تضيف طبقات إضافية من التعقيد إلى الداخل الإيراني.
اندبندنت عربية