ملخص
أميركا ارتكبت خطأين استراتيجيين، أولهما غزو العراق بقرار من الرئيس جورج بوش الابن وإسقاط النظام الذي كان يفاخر بأنه “حارس البوابة الشرقية للأمة العربية”، وكسر السد القوي أمام الطوفان الإيراني. وثانيهما استقتال الرئيس باراك أوباما من أجل اتفاق نووي مع إيران سمح لها بممارسة أكبر عملية غش في مجال التخصيب والوصول إلى “العتبة النووية”، والأخطر هو رهانه على “الإخوان للمسلمين” في ثورات ما سمي “الربيع العربي” والعمل لقيام توازن بين قوتين إقليميتين، شيعية بقيادة الولي الفقيه علي خامنئي، وسنية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان. وهو رهان أسقطه الجيش المصري في إطار ثورة شعبية أطاحت حكم “الإخوان” في مصر، ثم جاء سقوط “الإخوان” في تونس.
على طريقة المثل الكردي القائل “لا صديق للكرد سوى الجبال”، يمكن أن يُقال اليوم “لا حليف لإيران سوى الصواريخ والمسيرات”، لكن الصواريخ حليف ضعيف في مواجهة حرب أميركية وإسرائيلية مشتركة، وسط اكتفاء الصين وروسيا بالإدانة اللفظية للحرب إلى جانب إدانتهما للاعتداء الإيراني على دول الخليج، وخسارة تعاطف أوروبا، والأخطر خسارة تركيا ودول الخليج ومصر وباكستان التي عملت كوسيط للحيلولة دون وقوع الحرب وترتيب تسوية.
ليس أمراً قليل الدلالات أن تسارع إيران العاجزة عن الرد على الهجوم المدمر في الداخل إلى قصف مراكز اقتصادية ومدنية في السعودية والإمارات العربية والكويت والبحرين وقطر وحتى مسقط، الوسيط في المفاوضات، وصولاً إلى قصف تركيا. لا بل أن ترشق دول الخليج بـ500 صاروخ و2000 مسيرة، في حين اقتصر قصفها لإسرائيل على 200 صاروخ و100 مسيرة.
هذا دليل على الوصول إلى ما سمته سوزان مالوني من مؤسسة بروكنغز قبل الحرب “يأس إيران الخطر”، بحيث أصبحت “أكثر عزلة مما كانت عليه في الماضي، ولا تستطيع فرض إرادتها على المنطقة ولا حتى الدفاع عن حدودها وشعبها”.
ذلك إن ما سماه ريتشارد فونتين وأندريا تايلور “محور الاضطراب” الذي يضم روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية “ليس محوراً بالمعنى الفعلي بل يجمعه الاعتراض على النظام العالمي الذي لا يراعي مكانته”.
وما فعلته إيران هو دفع المنطقة كلها إلى الاضطراب والفوضى، في رهان على توسيع دائرة الحرب لدفع دول المنطقة والعالم إلى الضغط على الرئيس دونالد ترمب لوقف الحرب بقوة الخوف على الاقتصاد والنفط وحرية الملاحة.
هذا رهان خاطئ. وأقل ما قاله وزير الخارجية التركي حقان فيدان الذي أقنع ترمب بقبول التفاوض على مطالبه الأربعة بالتقسيط، لكن طهران لم تقدم سوى قليل في المفاوضات لنجاحها، هو أن إيران ارتكبت بهجومها على دول الخليج “خطأً استراتيجياً لا يصدق”.
لكن الخطأ الاستراتيجي كان “فرعاً لخطأ استراتيجي أكبر من البداية، تحويل الإمام الخميني ثورة شعبية من أجل الحرية والديمقراطية إلى جمهورية إسلامية قمعية لديها مشروع مرتبط بالغيب ليس لها وحدها، ولا حتى لمحيطها القريب، ولا كان تأسيس أذرعها المسلحة في العراق وسوريا ولبنان ودعم الحوثيين في اليمن و’حماس‘ و’الجهاد الإسلامي‘” في غزة هو لمواجهة إسرائيل بمقدار ما هو لمقاومة الأنظمة العربية والوجود الأميركي في الإقليم.
في المقابل، فإن أميركا ارتكبت خطأين استراتيجيين، أولهما غزو العراق بقرار من الرئيس جورج بوش الابن وإسقاط النظام الذي كان يفاخر بأنه “حارس البوابة الشرقية للأمة العربية”، وكسر السد القوي أمام الطوفان الإيراني. وثانيهما استقتال الرئيس باراك أوباما من أجل اتفاق نووي مع إيران سمح لها بممارسة أكبر عملية غش في مجال التخصيب والوصول إلى “العتبة النووية”. والأخطر هو رهانه على “الإخوان للمسلمين” في ثورات ما سمي “الربيع العربي” والعمل لقيام توازن بين قوتين إقليميتين، شيعية بقيادة الولي الفقيه علي خامنئي، وسنية بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان. وهو رهان أسقطه الجيش المصري في إطار ثورة شعبية أطاحت حكم “الإخوان” في مصر، ثم جاء سقوط “الإخوان” في تونس.
من المفارقات أن يحتج على الحرب الأميركية ضد إيران من رقصوا على طبول الغزو الأميركي للعراق، ومن يدافعون عن الغزو الروسي لأوكرانيا، ويتحمسون لاستعادة الصين لتايوان بكل الطرق. فما يفعله ترمب، بصرف النظر عن المواقف من أسلوبه ومقاصده، هو عملياً “تصحيح” ما فعله بوش الابن وأوباما، إسقاط نظام الملالي المصمم عبر “تصدير الثورة” لخدمة “ولاية الفقيه” ومشروعها لغرب آسيا، الذي يرى في الوجود الأميرکي ثم في “مشروع ترمب للسلام في الشرق الأوسط” أكبر عقبة على طريقه، لكن العقبة الكبرى في الواقع هي العالم العربي وأكثريته التي يستحيل أن تطوعها “ولاية الفقيه” بقوة الحرس الثوري وأذرعه والغيب.
السؤال هو هل ما يشهده العالم على يد ترمب، من فنزويلا إلى إيران، هو ما رأته “النيوزويك” الأميركية بداية “الدومينو للسلطويين”؟ الواقع أن ترمب يتصرف كسلطوي، وهو معجب بسلطويين مثل بوتين وشي جينبينغ وأردوغان وأوربان. ويقول بصراحة إن “التفاهم مع السلطويين أسهل من التفاهم مع الديمقراطيين وأفضل”، لكن اللعبة هي ضد السلطويين في دول صغیرة أو متوسطة لها أدوار إقليمية من الذين يعرقلون مشاريع السلطويين الكبار.
والسؤال المطروح في أميركا خصوصاً هو هل لدى ترمب استراتيجية خروج؟ والجواب بلسان ترمب هو أنه يعرف من سيتولى السلطة بعد سقوط الملالي. أما الجواب المضمر، فهو التصور أن أميركا بقيادة ترمب تخوض بالشراكة مع إسرائيل للمرة الأولى منذ عام 1948 المعركة الأخيرة في حرب إيران والشرق الأوسط، والنهاية هي التي تقدم استراتيجية خروج.
فهل يتحقق ما سماه المتخصص الأميركي من أصل إيراني كريم سادجاد بور ضمن مقالة نشرتها “فورين أفيرز” قبل الحرب واغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي “لا غورباتشوف إيرانياً، ولكن يمكن أن يظهر بوتين إيراني”. وأي ولي فقيه، مهما يكن اسمه، معرض للاغتيال في حرب إسقاط النظام.
اندبندنت عربية
