استعادت مدينة مونتريال (كندا) العمل المسرحي الأول للموسيقي والشاعر والكاتب المسرحي زياد الرحباني “سهرية” الذي كان قد أنجزه عام 1973 وهو بعمر 17 عامًا، وكانت تحمل روح الرحابنة قبل أن ينفصل زياد عن والديه ويخطّ لنفسه خطًا فنيًا مختلفًا. استعادة تنجزها اليوم المخرجة اللبنانية ماري تيريز سلهب بدعم من “كاتدرائية سانت سوفور” (Cathédrale Saint-Sauveur) في مونتريال، وبرفقة فريق مسرحي وغنائي كبير(*) من الفرقة المسرحية الغنائية RITM التي تجمع مجموعة من المواهب الشابة في كندا يقودهم المخرج إيلي مسعد؛ فريق متناغم ومبدع من الجاليتين اللبنانية والسورية في مونتريال قدّم المسرحية قبل أيام- في 28 شباط/ فبراير 2026- في أداء حسّاس وحيّ ومباشر في كاتدرائية “سانت سوفور” على أن تتبع هذا العرض ثلاثة عروض في مونتريال وأوتاوا بين 14 و22 آذار/ مارس الحالي.
بدأت المخرجة اللبنانية ماري تيريز سلهب عملها في الإخراج في عام 1976 كمساعدة مخرج وملاحظة سيناريو مع المخرج أنطوان ريمي في مسلسل “حياتي” وفي “المعلمة والأستاذ” و”لا تقولي وداعًا” و”الكوخ القديم”، ومع المخرج إلياس رزق في مسلسل “الدنيا هيك” و”ست الحبايب يا بابا” و”إبراهيم أفندي”، ومع باسم نصر في “بربر آغا” وغيرها من الأعمال فيما يزيد عن عشرين عملًا. كما عملت مع فرق فنية وسينمائية من لبنان والخليج والسويد وأميركا. هاجرت ماري تيريز سلهب إلى كندا منذ ثلاثين عامًا، وفي كندا عملت في مجال الإخراج في برامج مخصصة للإثنيات، لكنها تركت الإخراج بعد ذلك لسنوات حتى عام 2014 حين قررت أن تعود إليه من خلال العمل على ريبرتوار مسرح الرحابنة، إذ انطلقت في استعادة أعمالهم مع مسرحية “المحطة” عام 2014 ثم مع “جبال الصوان” عام 2018 و”ناس من ورق” عام 2023. واليوم تقدّم مسرحية “سهرية”.
هنا حوار مع ماري تيريز سلهب حول مشروعها الفني:
(*) نودّ أن نعود معكِ إلى البدايات: كيف تشكّل وعيكِ الفني، ومتى اتخذتِ قرار الدخول إلى عالم الإخراج؟
كانت بدايتي عام 1976، حين أنهيتُ الصف الثانوي الأخير. في تلك الفترة كانت المدرسة تأخذنا إلى أماكن مختلفة لنتعرّف إلى المهن المتاحة. ومن بين الأماكن التي زرناها كان تلفزيون لبنان. هناك قال لنا بعض العاملين: “عندما تنهون دراستكم تعالوا إلينا”. أخذتُ الأمر بجدّية، وما إن أنهيتُ دراستي حتى ذهبت إليهم. سألوني عمّن علّمني، ثم بدأت العمل في ملاحظة السكريبت، وبعدها أصبحتُ مساعدة مخرج، وتابعتُ دراستي الجامعية في علم الاجتماع، ثم حصلتُ على ماجستير في علم الاجتماع الاقتصادي وماجستير في الديموغرافيا.
قد يتساءل البعض: ما علاقة علم الاجتماع بالإخراج؟ والمفارقة المضحكة أنني عندما جئتُ إلى كندا واطّلعتُ على ريبرتوار المخرجين، تبيّن أن 60% منهم درسوا علم الاجتماع، لأنه في أيامنا لم يكن هناك اختصاص تلفزيوني كما هو موجود اليوم. وبما أن علم الاجتماع يفتح آفاقًا واسعة ويشمل مجالات اجتماعية متعددة، فإنه يمنح خلفية متنوعة تمكّن الشخص من إعداد برامج مختلفة.
بدأتُ مسيرتي في تلفزيون لبنان مع أنطوان ريمي، إيلي سعادة، جان فياض، وجورج نصر. وفي مرحلة لاحقة أصبحتُ المخرجة المنفذة؛ كنتُ أتولى المونتاج بنفسي وأذهب إلى التصوير وحدي.
(*) كيف جاء قرار الانتقال إلى كندا، وما التحوّلات التي أحدثها هذا الانتقال في مسارك المهني؟
جئتُ إلى كندا عام 1992، وكانت مرحلة قوية ومهمة في حياتي. حاولتُ الدخول إلى مجال التلفزيون، لكن هذا المجال غالبًا ما يكون مغلقًا ولا يستقبل بسهولة من لا يعرفهم. في تلك الفترة أُنشئت قناة مخصّصة للجاليات، حيث كان لكل بلد ساعة بثّ، وكانت تُعرف بالقناة 14ـ Canal لم أكن أعرف الكثير عنها لأنني كنتُ جديدة في كندا، لكنها كانت قناة تمنح وقتًا لكل جالية، ومن بينها الجالية اللبنانية.
بدأتُ العمل مع الجالية اللبنانية وكان وقتها هناك إعلان عن البرنامج اسمه “LBC بلبنان وبكندا كمان”. صرتُ أُخرج كل الحلقات التي تُنتج هنا للجالية. ثم أُنشئ استوديو لتسجيل البرامج، فأصبحتُ أتولى إخراج برامج مختلف الجاليات: اللبنانية، السورية والمصرية وغيرها.
عملتُ سبع سنوات في هذا المجال، وفي الوقت نفسه كنتُ أبحث عن عمل في اختصاصي في علم الاجتماع. قيل لي إن فرص العمل في هذا المجال كثيرة مقارنة بالتلفزيون، فنصَحوني بإجراء دورات للعمل في الدولة. عام 1995 بدأتُ تلك الدورات، وفي عام 2002 استدعوني للعمل. عندها تركتُ التلفزيون كليًا، وأصبحتُ موظفة بدوام كامل في وزارة العمل ثم انتقلتُ إلى وزارة الهجرة، حيث عملتُ خمسة عشر عامًا فيها. مع ذلك، واصلتُ القيام ببعض النشاطات كهواية، مثل تنظيم فعاليات ونقاشات وأمسيات، حتى عام 2014 حيث بدأت بإعادة إنتاج مسرحيات الأخوين رحباني.
(*) ما الذي يمثّله مسرح الرحابنة بالنسبة إليكِ فنيًا وفكريًا، ولماذا ترين أنه قابل لإعادة التقديم اليوم؟
لأنني ببساطة مغرمة بالرحابنة. ليس فقط بالأغاني المعروفة التي يحفظها الناس، بل بالغنى الموجود في مسرحياتهم، في الحوارات المغنّاة، وفي الفكرة المسرحية نفسها. تشعرين أنهم فلاسفة؛ فقد دخلوا في عمق الإنسان وعالجوا موضوعات إنسانية شديدة العمق. لو قام أحد بتحليل أعمالهم لوجد أنهم يقفون في صفّ الفلاسفة.
كنّا نعلّم الأولاد هنا، وقلتُ: لماذا لا يتعلّمون أيضًا الأمور اللبنانية. فجمعنا مجموعة صغيرة، وتحول الأمر إلى شغف. كانوا يكتبون العربية بأحرف أجنبية، ثم تعلّموا اللغة، وبدأوا يغنّون ويرقصون. قدّمنا أول مسرحية لنا ولاقت نجاحًا كبيرًا، وأحبّها الجميع. وفي النهاية أصبح فريق المسرح لدينا أشبه بعائلة؛ الأم والأب يمثّلان، والأولاد يرقصون ويغنّون. كبر الفريق حتى قدّمنا مسرحيات مثل “جبال الصوان” و”ناس من ورق”، مؤخرًا كنّا قد بدأنا العمل على مسرحية لزياد، وكنا نتواصل معه ليحضر العرض، ولم نكن نعلم أنه مريض. كنّا نحلم بأن يأتي.
(*) هل مشروعك هو التركيز فقط على مسرح الرحابنة، أم أنك مستعدة لتنفيذ نصّ مسرحي جديد؟
بالتأكيد إذا وُجد نص جديد جميل فسأقدّمه. لكن يجب أن يكون نصًا ذا قيمة حقيقية. في المسرح الرحباني مثلًا، لو طُلب مني تقديم “لولو” أو “ميس الريم” فلن أفعل، لأنها متاحة على يوتيوب ويمكن للجمهور مشاهدتها بسهولة. وكذلك “بياع الخواتم” لها فيلم وهي متوافرة. أنا أبحث عن أعمال غير متداولة بصيغتها المسرحية، لنقدّمها برؤيتنا الخاصة، ونتخيّلها كما نحبّ، ونوصل صورة جديدة عنها.
مثلًا، مسرحية “سهرية” متوافرة بنسخة مصوّرة تلفزيونيًا، لكن المسرح يختلف عن التلفزيون. نحن أضفنا إليها طابعًا مسرحيًا واستعراضيًا لم يكن موجودًا في النسخة التلفزيونية.
(*) حدّثينا عن عملك اليوم، “سهرية” من ريبرتوار مسرح زياد الرحباني، لماذا اخترت من مسرح زياد تحديدًا؟
لأن هذه المسرحية تشبه خطّ الرحابنة الذي نعمل عليه. اقترح عليّ صديق أن أقدّم عملًا لزياد، فقلتُ له إنني أحبه كثيرًا، لكنني لا أحب الأعمال السياسية الصرفة؛ لا أحب أن أضع نفسي في خدمة السياسة. ما يهمّني بالعمل الفني هو الإنسان، الشعور، والعلاقات الإنسانية.
وجدتُ أن مسرحية “سهرية” هي الأقرب إلى الخطّ الذي نعتمده. مجموعتنا ذات طابع موسيقي، لذلك يجب أن يكون العمل موسيقيًا ويتضمّن رقصًا. أما باقي مسرحيات زياد فلا تتوافر فيها هذه العناصر بالشكل الذي يتوافق مع رؤيتنا.
نحن نهتمّ بتقديم أعمال تُفرح الناس عندما يحضرونها. كثيرون يستمتعون بالنقد السياسي، أما أنا فلا أستمتع به؛ في معظم الأحيان لا أعرف عمّن يتحدّثون، لأنني لا أتابع الأخبار ولا أشاهدها ولا أعرف أسماء السياسيين. أقول لنفسي: ماذا سأستفيد إذا استمعتُ إلى ما لا أستطيع تغييره، لن أفعل سوى إيذاء صحتي. لذلك أقول دائمًا إن أفضل مضاد للاكتئاب هو أن يتوقّف الإنسان عن متابعة الأخبار.
(*) هل لدينا نقص في النصوص المسرحية؟
بشكل عام نعم، هناك نقص في النصوص المسرحية الجيدة، لكننا هنا نعمل بميزانية محدودة جدًا. الجميع متطوّعون، ولا يمكننا دفع أجور لأحد. لو أردنا دفع حقوق نصوص وأجور فنية لما استطعنا تنفيذ العمل، خصوصًا أننا نقدّم عرضين فقط، بينما في لبنان قد يستمرّ العرض ستة أشهر. بالكاد نغطي التكاليف، وإذا تبقّى شيء نرسله إلى مؤسسات خيرية في لبنان، مثل مؤسسات الصمّ والبكم أو “سيزوبيل”، أو نحتفظ بجزء بسيط لنبدأ عملًا جديدًا.
(*) هل هناك دعم من الدولة الكندية أو من منتج محدّد لأعمالك؟
أبدًا. في أول مسرحية لنا موّلتنا كاتدرائية Saint-Sauveur. وفي “جبال الصوان” تبنّت بعض المؤسسات والكنائس العمل، فكانت تدفع التكاليف وتأخذ الإيرادات، ونحن لا نتقاضى شيئًا.
في عام 2019 أسّسنا مجموعة باسم “RITM”، لكنها لم تكن مؤسسة رسمية في البداية، بل اسمًا فقط. في مسرحية “ناس من ورق” موّلنا العمل بأنفسنا؛ وضعنا أموالًا خاصة لإطلاقه، ثم استعدنا ما دفعناه من الأرباح. لم تكن هناك شركة إنتاج تتولى المشروع، بل كان جهدًا شخصيًا منا جميعًا.
هذه السنة فقط حصلنا للمرة الأولى على رعاة فعليين. في السنوات السابقة لم يكن لدينا رعاة يُذكرون، باستثناء دعم رمزي من شخص واحد. أما هذا العام فهناك من قدّم دعمًا بسيطًا، كألف أو ألفي دولار، وهو دعم نقدّره كثيرًا.
لكن الأهم أننا بنينا فريقًا متضامنًا واستثنائيًا. الجميع يعمل بدافع المحبة، وكلهم أعزّاء علينا. لو دخل أشخاص يبحثون عن المنفعة المادية لاختلّت الديناميكية القائمة على العطاء. أحيانًا يسألنا أحدهم: كم تدفعون؟ فنجيبه: لا ندفع شيئًا، نحن جميعًا متطوّعون. وهذا ما يجعل العمل جميلًا ونقيًا.
(*) إلى أي مدى يتوافر في مونتريال الكبرى طاقم مسرحي مؤهل، هل توجد مواهب مسرحية عربية، أم أن هناك تحديات في إيجاد طاقم مناسب؟
بعض المشاركين كانوا معنا منذ عام 2014، وكانوا آنذاك أطفالًا، أما اليوم فقد كبروا وأصبحوا يتولّون أدوارًا أجمل وأكبر. في السابق كانوا يؤدّون أدوار الأطفال في المسرحية، أما الآن فهم يشاركون في الرقص والكورال وأدوار تمثيلية أساسية.
هذه هي المرة الأولى التي نقدّم فيها مسرحية غنائية مباشرة بالكامل: الكورال مباشر، والصولو مباشر. في الأعمال السابقة كنا نعتمد على الصوت الأصلي للمسرحية، ويؤدي المشاركون “ليبسينغ”، لكننا كنا ندرّبهم بإتقان شديد إلى درجة أن الجمهور كان يظنّ أنهم هم من يغنّون فعلًا، حتى إن بعض الحاضرين قالوا إنهم كانوا يقلّدون أدقّ التفاصيل، وصولًا إلى النفس. هذا النجاح لم يكن سهلًا، بل احتاج إلى وقت طويل؛ فنحن نتدرّب على المسرحية سنة أو سنتين. مثلًا، مسرحية زياد نتدرّب عليها منذ سنتين.
الناس تظنّ أن ما يُقدَّم على المسرح أمرٌ سهل، لكنها لا تعلم أن تدريب الكورال وحده استغرق سنتين. وجميع المشاركين يعملون في وظائفهم الخاصة ويؤدّون هذا العمل كهواية، أي ساعتين أو ثلاث ساعات في الأسبوع فقط. فماذا يمكن إنجازه في ثلاث ساعات أسبوعيًا؟ لذلك كان التقدّم بطيئًا ويتطلّب صبرًا كبيرًا.
التحدّي الأكبر كان أن أصحاب الأصوات الجميلة لا يجيدون التمثيل، وأن الممثلين الجيدين ليست أصواتهم مناسبة للغناء. كان علينا أن نجد من يجمع بين الاثنين، ولم يكن الأمر سهلًا. فاخترنا أصحاب الأصوات الجميلة وبدأنا ندرّبهم على التمثيل. في الحقيقة لم يكن الأمر مستحيلًا، لكنه كان تحدّيًا حقيقيًا. حتى في البروفة الأخيرة قبل العرض الأول، كنت أخشى أن ينسوا الملاحظات، لكنهم على المسرح لم يرتكبوا أي خطأ، وكان ذلك رائعًا.
هم ليسوا ممثلين محترفين؛ أنا درّبتهم على هذه المسرحية. في الجالية اللبنانية هنا مواهب كثيرة، سواء كانوا هواة أو موسيقيين أو أصحاب أصوات جميلة. لدينا طاقات لافتة فعلًا. مثلًا، ألكسندرا التي أدّت دور جورجيت صايغ، هي بالفطرة ساحرة على المسرح، تؤدي كل ما يُطلب منها بإتقان. وهناك أيضًا زياد البدوي، صوته رائع؛ كان يظنّ أنه سيمثّل فقط، فقلت له: عليك أن تغنّي وتمثّل، وقد نجح في الأمرين.
يساعدني في تدريب التمثيل إيلي مسعد، وهو خرّيج جامعة الفنون ومتخصص في السينما. لديه قدرة على استخراج الدور من داخل الشخص، فيُخرجه من طبيعته العادية ويجعله ممثلًا حقيقيًا.
وأود أن أضيف أنني لا أستطيع أن أنجز العمل وحدي، فأنا لست اختصاصية بكل شيء، وأعضاء فريق RITM الذين يعملون وراء الكواليس هم فريق رائع، وإذا لم يكونوا موجودين لا أستطيع أن أقدّم أي مسرحية.
(*) ألديكِ أي هاجس للعودة إلى لبنان والعمل فيه من جديد، خصوصًا أنكِ بدأتِ في تلفزيون لبنان ومع الدراما؟
حاليًا لا يراودني هاجس تنفيذ مشاريع كبيرة في لبنان، فلم أعد صغيرة في السن. زرتُ لبنان أكثر من مرة بعد هجرتي، لكنني صُدمت بالواقع. عندما كنت أعمل في لبنان في مجال التلفزيون، كنت أتقاضى أجرًا جيدًا جدًا. مثلًا، عندما كنت أعمل في مسلسلات في الخليج، كنت أتقاضى 200 دولار في اليوم. اليوم موظف التلفزيون في لبنان قد يتقاضى نحو 400 دولار في الشهر. كيف يمكن العيش بهذا المبلغ؟
الأمر الآخر الذي صدمني هو أنني في كندا حققت إنجازات في وزارة العمل وفي المجال الاقتصادي، ولديّ شهادات تقدير عديدة من إدارات ووزارات على أعمالي. وعندما فكّرت في العمل في القطاع العام في لبنان، قيل لي إن عمري تجاوز الأربعين ولا يمكن توظيفي في مؤسسات الدولة، لأن نظام التقاعد يتطلب العمل خمسةً وعشرين عامًا على الأقل، وأنا لا أستطيع إكمال هذه المدة قبل سن التقاعد. شعرتُ كأنني أنتمي إلى عالم مختلف تمامًا عمّا يجري هناك.
(*) من متابعتك للإنتاج المسرحي والسينمائي والدرامي في بيروت اليوم، كيف تقيّمين هذا الواقع اليوم؟
بصراحة، شهادتي ليست كاملة، لأنني لا أتابع كثيرًا ما يحدث في لبنان. أحيانًا أشاهد عملًا دراميًا وأتعرّف إلى بعض الأسماء الجديدة، لكن وقتي لا يسمح بمتابعة مستمرة. كنت أعمل بدوام كامل في الحكومة، أحيانًا خمسين أو ستين ساعة في الأسبوع، إضافة إلى عملي المسرحي وحياتي العائلية، فلم يكن لديّ وقت كافٍ لمتابعة كل الإنتاجات.
مع ذلك، من القليل الذي شاهدته، أرى أن بعض المسلسلات التي تُنتج اليوم جميلة وتحمل أفكارًا جديدة ولافتة.
(*) كثير من فنانينا ومخرجينا في المسرح والسينما والتلفزيون غادروا البلاد وانتقلوا إلى كندا، مثلك، ومثل عايدة صبرا، هيام أبو شديد، يارا صبري، وعبير إسبر وغيرهم الكثير. ألا نخسر كثيرًا جراء هذا الانتقال، خصوصًا أن الجو هنا تنافسي ويتطلب جهدًا كبيرًا لإيجاد مكان في الوسط الفني الكندي؟
بالتأكيد هناك خسارة جرّاء الانتقال لكندا، بل خسارة كبيرة. من الصعب جدًا على الفنان أن يجد لنفسه مكانًا هنا، والأصعب أن يعيش من فنه فقط. أعتقد أن معظم الذين هاجروا إلى كندا يعملون اليوم في مجالات لا علاقة لها بالمسرح أو السينما أو الدراما. في النهاية، يضطر الإنسان إلى طيّ صفحة حلمٍ ما ليتمكن من الاستمرار.
حتى في لبنان، هذا المجال كان نادرًا في أيامي. عندما كنت أعمل في التلفزيون، كنت الفتاة الوحيدة تقريبًا بين عدد كبير من الشباب في الإخراج. اليوم أصبح هناك اختصاص أكاديمي وعدد كبير من العاملين في المجال. لكن عندما يزداد العرض تنخفض الأسعار، ولذلك نرى أن كثيرين في لبنان لا يستطيعون العيش من هذا العمل.
هنا في كندا نرى نماذج لنجاحات كبيرة مثل سيلين ديون، لكن كم من الأصوات الجميلة والمواهب الكبيرة لم تصل إلى ما وصلت إليه؟ ليس كل من يغني سيصبح مليونيرًا. نحن نرى القلّة التي نجحت، لكن هناك آلافًا يستحقون ولم تُتح لهم الفرصة.
عندما قررتُ الهجرة إلى كندا، قال لي كثيرون إنني أرتكب خطأ، لأنني كنت أعمل في الخليج، وكانوا يريدون فتح استوديوهات في لبنان وتسليمي إدارتها. كنت أعمل في المسرح والسينما والتلفزيون، وكان لي موقع مهني جيد. قالوا لي: “أنتِ مجنونة أن تتركي كل هذا”. لكنني لم أكن متفائلة بمستقبل لبنان، وكنت أرى البلد يسير نحو الانهيار.
انظري إلى ما حدث: تعرّض تلفزيون لبنان لأزمات كبيرة، وضاع جزء من أرشيفه الذي كان ثروة وطنية. الأزمة الاقتصادية، وسرقة مدّخرات الناس في المصارف. كيف يمكن بناء بلد من دون أسس متينة واحترام للإنسان؟ الناس في لبنان غير واعين بما فيه الكفاية للوضع الذي يعيشونه.
أحيانًا أشعر أن الناس في لبنان طوّروا آلية نفسية تحميهم من التفكير في حجم الانهيار الذي يعيشونه. رأيتُ بنفسي أساليب تعامل في بعض المؤسسات لا يمكن أن تُقبل في كندا إطلاقًا، حيث الاحترام جزء أساسي من النظام. ما يحدث مؤلم ومخيف في آنٍ معًا.
*****
(*) فريق العمل في مسرحية “سهرية”:
الممثلون: صبيح أبو رزق، إيلي الزين، ألكسندرا نهرا، زياد البدوي، رامي غنيمة، طوني كسرواني، أنطوان حداد، شربل غفاري، جوزيف ناصيف، عميدة نعوم، فادي خوري، ميكايلا شويري، نبيل نقوزي، وسام داغر، باسكال جبور، إيلي مسعد، إيلي الحداد، جان عويضة، سمارة يونس، فادي عيد، وداني صليبا.
تصميم الرقصات وتدريب الرقص: نبيل نقوزي وحنا درغام بالتعاون مع بيير موسى، الإخراج الصوتي: نبيل نقوزي، الإنتاج الموسيقي: وسام داغر، الديكور: روني أنطون ووائل الخيطان، تصميم المناظر: ثامو زيدان، الأزياء: ماري تنوري، الوسائط المتعددة: إيلي الزين وفادي خوري، الترويج/ التواصل: ماري تنوري، المحتوى المرئي: جاكي أبيناسيف وألكسندرا نهرا، تنسيق الإنتاج: جورج قطان.