نجحت سوريا في البقاء بعيدا عن دائرة الضوء في الصراع الإقليمي الدائر حاليا مع إيران، في مؤشر آخر على دبلوماسيتها الحذقة. وتبعث التطورات التي شهدتها البلاد خلال الأسابيع الماضية على قدر من الأمل بإمكان تحقيق مزيد من الاستقرار، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف من احتمال تراجع الاهتمام الأميركي. فقد أفضى التحول السريع في موازين القوة، وما رافقه من قتال محدود، بين “قوات سوريا الديمقراطية” ذات القيادة الكردية والحكومة المركزية، إلى اتفاق تسوية لا يزال صامدا حتى الآن. ومن شأن هذا الاتفاق أن يهدئ العلاقات بين الطرفين، وأن يشكل نموذجا يمكن الاحتذاء به في دمج أقليات أخرى.
إلا أن إعلان الولايات المتحدة عزمها سحب جميع قواتها من سوريا، يثير القلق حيال مجمل الانخراط الأميركي الضروري من أجل دمج الكرد، وكذلك في مواصلة احتواء “تنظيم الدولة الإسلامية”، والحد من نفوذ إيران ووكلائها. ومع ذلك، فإن واشنطن، إلى جانب انخراطها الدبلوماسي المباشر مع دمشق، ومن خلال علاقاتها الأوسع مع المجتمع الدولي فيما يخص سوريا، تملك خيارات للتعاون الأمني، تتجاوز الوجود القتالي الأميركي التقليدي بموجب “الباب العاشر”. ويمكن لحسن توظيف هذه الخيارات، أن يعزز قدرات القوات السورية في مواجهة “تنظيم الدولة الإسلامية”، وأي محاولات إيرانية محتملة، وأن يدعم في الوقت نفسه الحضور الدبلوماسي الأميركي على نحو أوسع.
يشكل قيام سوريا مستقرة، مندمجة في محيطها الإقليمي، وقادرة على ردع أي عودة لنشاط “تنظيم الدولة الإسلامية” أو وكلاء إيران، ركنا أساسيا في تحقيق استقرار المنطقة على المدى الطويل. ويتطلب بلوغ هذه الغاية عنصرين رئيسين: أولهما قيام دولة موحدة، تحظى بقبول مكوناتها الدينية والإثنية، وثانيهما توافر مقاربة دولية مشتركة تدعم اندماج سوريا وتنميتها وأمنها.
ويرتبط هذان العنصران بعلاقة تكامل متبادل؛ إذ إن سوريا التي تنجح في تعزيز وحدتها الداخلية، وترسيخ مناخ من التسامح ستكون أقدر على كسب الدعم الدولي، وعلى تجنب محاولات القوى الخارجية اختيار شركائها المحليين على نحو انتقائي، كما حدث خلال حرب 2011–2024. وفي المقابل، فإن توافقا دوليا داعما للحكومة السورية من شأنه، إذا ما اقترن بالمساعدة التنموية والإسناد الدبلوماسي، أن يشجع سلوكا أكثر مسؤولية من جانب دمشق، وكذلك من جانب مختلف جماعات الأقليات.
وفي الوقت الراهن، يمثل اتفاق التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي أبرز محاولة لدمج الأقليات، مع الحفاظ على أنماط الحكم المحلي وحقوقها الثقافية. ومن المرجح أن يرسم نجاح هذا الاتفاق أو تعثره ملامح عملية دمج الأقليات الأخرى، وأن ينعكس في نهاية المطاف على وحدة سوريا واستقرارها.
ويجدر التذكير بأن التوصل إلى اتفاق التاسع والعشرين من يناير، جاء عقب تدخل واسع من مسؤولين أميركيين مدنيين وعسكريين، وعلى أعلى المستويات، مع كلا الطرفين، بهدف احتواء القتال بينهما، ونقل عدد من أخطر عناصر “تنظيم الدولة الإسلامية” المعتقلين، وتحسين اتفاق سابق كان قد أبرم بينهما. فقد مال الاتفاق الموقع في الثامن عشر من يناير، بصورة كبيرة لصالح دمشق، إذ نص على دمج عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش السوري على أساس فردي فقط.
حتى الآن، ورغم أن تنفيذ اتفاق التاسع والعشرين من يناير، لا يزال بعيدا عن الاكتمال، فقد مضى قدما مع تسجيل قدر ضئيل من العنف، أو انعدامه، منذ سريان وقف إطلاق النار. فقد دخلت قوات وزارة الداخلية إلى المناطق الكردية في محافظة الحسكة ومدينة كوباني، وفق ما اتُّفق عليه في نهاية يناير، من دون احتكاكات تذكر مع “قوات سوريا الديمقراطية”. كما عقد قادة هذه القوات اجتماعات مع مسؤولي وزارة الدفاع لبحث آليات دمج الألوية ضمن الجيش السوري.
وعيّن الرئيس أحمد الشرع أحد أبرز مسؤولي “قوات سوريا الديمقراطية”، نور الدين أحمد عيسى، محافظا للحسكة. وفي الثاني والعشرين من فبراير/شباط، أصدرت وزارة الداخلية مرسوما ينظم مسألة منح الجنسية للسوريين الكرد، انسجاما مع ما نص عليه الاتفاق. كذلك عيّنت دمشق مسؤولا رفيعا في وزارة الداخلية، العميد زياد العايش، مبعوثا عنها لمتابعة تنفيذ اتفاق يناير.
وفي موازاة ذلك، توجه قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي، بدرجات متفاوتة من التنسيق مع دمشق والولايات المتحدة و”الحزب الديمقراطي الكردستاني” العراقي، إلى مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث التقى، من بين آخرين، وزير الخارجية ماركو روبيو. أما تركيا، المنخرطة بعمق في مسار وقف إطلاق النار الخاص بها مع “حزب العمال الكردستاني”، فقد أبدت دعما هادئا لاتفاق يناير؛ فعلى الرغم من اعتراضاتها السابقة على دمج “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن الجيش السوري على أساس وحدات كاملة، تبدو وقد تغاضت عن هذا البند، وربما سمحت، وفق روايات متباينة، بزيارة مظلوم عبدي إلى ألمانيا.
وتكمن الأهمية الأبرز في أن النجاح المتحقق حتى الآن بين دمشق والكرد، قد يشكل نموذجا يحتذى لتشجيع التعاون مستقبلا بين دمشق والدروز، وربما مع العرب العلويين أيضا.
غير أن الانسحاب الوشيك للقوات الأميركية من سوريا، قد يؤدي إلى إبطاء الزخم نحو الوحدة والتسامح، نتيجة تراجع الحضور الأميركي فعلا وانطباعا، فضلا عما قد يترتب عليه من إضعاف التعاون العسكري في مواجهة “تنظيم الدولة الإسلامية”، وأي وجود لوكلاء إيران. ورغم أن الدبلوماسية الأميركية المكثفة رفيعة المستوى، كما شهدتها الساحة السورية منذ ديسمبر/كانون الأول 2024، يمكنها تعويض جزء من هذا التراجع، فإن وجود مكون أمني أو عسكري ضمن هذا الانخراط الدبلوماسي، يظل محل ترحيب من مختلف الأطراف.
وفي هذا السياق، تملك واشنطن عدة خيارات لمواصلة التعاون العسكري والأمني، تتراوح من تبادل المعلومات الاستخباراتية والتدريب إلى التخطيط والعمليات المشتركة، وربما تنفيذ مهام أميركية أحادية، استنادا إلى الخبرة المكتسبة خلال الحملة ضد “تنظيم الدولة الإسلامية”، وكذلك إلى التجربة التي أعقبت انسحاب القوات الأميركية من العراق عام 2011.
التعاون الأمني بعد الانسحاب
يبدأ هذا التعاون من خلال التحالف الدولي لهزيمة “تنظيم الدولة الإسلامية”، بشقيه العسكري الذي تنسقه القيادة المركزية الأميركية، والإطار السياسي الموازي له. وعلى الصعيد العسكري، وبما أن سوريا أصبحت عضوا في هذا التحالف، فقد بات متاحا لها الاستفادة من طيف واسع من قدرات تبادل المعلومات الاستخباراتية وغيرها من القدرات العملياتية الجاهزة عند الطلب، والتي تتراوح من التدريب إلى إمكانات الاستطلاع والمراقبة وجمع المعلومات. كما يؤدي التحالف دورا فعالا في تنسيق الاستجابات الدولية لمواجهة تجنيد العناصر الإرهابية، وتنقل أفراد “التنظيم” عبر الحدود، وعمليات جمع الأموال وتحويلها، إضافة إلى التصدي لحملات التضليل التي ينفذها. ورغم أن هذه القدرات صممت أساسا لخدمة المعركة ضد ما تبقى من قوات “التنظيم” في العراق وسوريا خصوصا، فإن التعاون مع التحالف يوفر لسوريا فوائد أمنية أوسع نطاقا.
وإذا توافرت الإرادة لدى كل من واشنطن ودمشق، يمكن للولايات المتحدة أيضا أن توفد عددا كبيرا من العسكريين إلى سفارتها في دمشق بعد إعادة افتتاحها، سواء ضمن مكتب الملحق العسكري أو ضمن مكتب التعاون الأمني، على غرار المكتب التابع للسفارة الأميركية في بغداد. وتكمن إحدى المزايا الأساسية لهذا الترتيب في أن الأفراد العسكريين، لا يحتاجون إلى اتفاقية وضع القوات لتأمين الحصانات، نظرا إلى أنهم يعملون رسميا ضمن البعثة الدبلوماسية، ويتمتعون بأشكال مختلفة من الحصانة الدبلوماسية. وفي ضوء الصعوبات التي تعترض التفاوض على مثل هذه الاتفاقيات في المنطقة، يمثل هذا الترتيب ميزة كبيرة.
وقد امتلك مكتب التعاون الأمني في بغداد، عند تأسيسه عام 2011، قدرات معتبرة. فقد كان بقيادة فريق، وضم آليات متقدمة لتبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب وظائف تنسيقية أخرى مدمجة ضمن منظومة القوات الأمنية العراقية. ولم يقتصر دوره على إدارة برنامج المبيعات العسكرية الخارجية، بل شمل أيضا، بالتنسيق مع الحكومة العراقية، نشر أفراد عسكريين في قواعد عراقية مختلفة في أنحاء البلاد، حيث كان متعاقدو البرنامج الأميركيون ينشطون بكثافة. ولم تقتصر مهام هؤلاء العسكريين على الوظائف التقليدية المرتبطة بالبرنامج، بل اضطلعوا أيضا بأدوار القيادة والسيطرة، والإشراف الأمني في مواقع البرنامج المختلفة، مع رفع تقاريرهم إلى السفير عبر رئيس مكتب التعاون الأمني.
وعند تأسيسه، تولى مكتب التعاون الأمني في بغداد أيضا مهام شبه عملياتية إضافية. فقد شملت هذه المهام تنسيق عمل سفن خفر السواحل الأميركية التي كانت تؤمّن- من المياه الدولية- حماية منشآت النفط العراقية البحرية، وهو ما لم يكن يتطلب اتفاقية وضع القوات، إضافة إلى الإشراف المحدود على “وحدات البيشمركة الكردية” والجيش العراقي، المنتشرة على طول حدود إقليم كردستان. وشكل ذلك امتدادا لفترة وجيزة لعملية “الفصيلة المشتركة” التابعة للقوات الأميركية في العراق، التي هدفت إلى تخفيف التوتر بين القوات الكردية والقوات الحكومية المركزية.
وكان من المخطط نشر فرق من القوات الخاصة لتنفيذ جولات تدريبية دورية، إلا أن هذه المبادرة توقفت سريعا نتيجة مخاوف لدى كل من واشنطن وبغداد. كما جرى الاتفاق بهدوء بين السفارة الأميركية وأعلى مستويات الحكومة العراقية على تنفيذ عمليات محددة مرتبطة بالاستخبارات العسكرية، تولى مكتب التعاون الأمني إدارتها في العراق. ويمكن لترتيبات مماثلة، سواء عبر هذا النموذج أو من خلال التحالف الدولي، أن تتيح تنفيذ عمليات مباشرة داخل سوريا من جانب الولايات المتحدة أو دول أخرى منضوية فيه.
ورغم أن الهدف الأساسي للمشاركة العسكرية الأميركية، سواء ضمن عمليات التحالف أو من خلال مكتب التعاون الأمني في السفارة، يتمثل في تعزيز مهنية قوات الأمن السورية، والحفاظ على الضغط المستمر على “التنظيم”، فإن المكاسب السياسية الثانوية قد تكون ذات أهمية كبيرة. فاستمرار التواصل العسكري الأميركي مع “قوات سوريا الديمقراطية” من شأنه أن يطمئن الشركاء الكرد، الذين ارتبطوا بواشنطن على مدى سنوات، ويؤكد التزامها بأمن الكرد في سوريا. كما يمكن لهذا الوجود، على غرار التجربة العراقية، أن يوفر مراقبة مباشرة لعملية دمج “قوات سوريا الديمقراطية” في الجيش السوري، ولمستوى التوتر بين الطرفين.
وبالمثل، فإن الحضور العسكري الأميركي قد يوفر رؤية أوضح لأي تحركات إيرانية سرية محتملة، سواء بهدف تقويض الحكومة السورية، أو تهريب الأسلحة إلى “حزب الله” في لبنان. وإلى جانب ذلك، شكل التعاون الأمني الواسع والفعال، عبر السنوات، ركنا أساسيا في علاقات واشنطن الثنائية مع دول ذات أهمية استراتيجية تواجه أوضاعا هشة، ومنها سوريا.
ورغم أن هذه الترتيبات تبدو الخيار الأكثر واقعية لمواصلة التعاون الأمني، وتعزيز الروابط السياسية مع كل من الحكومة المركزية و”قوات سوريا الديمقراطية”، فإنها تنطوي على محاذير. فقد أخفق مكتب التعاون الأمني في العراق في بلوغ كامل إمكاناته كخليفة فعلي للقوات الأميركية في العراق، التي أنهت عملياتها القتالية رسميا عام 2010 وتحولت إلى قوة للتدريب والتجهيز، وذلك لعدة أسباب.
أول هذه الأسباب أن غياب وجود واضح لوزارة الدفاع الأميركية ومهمة قتالية محددة داخل البلد، يؤدي غالبا إلى تراجع مستوى الاهتمام والالتزام في واشنطن. فقد جرى تحويل سفن خفر السواحل الأميركية إلى مهام أخرى، كما ألغيت بهدوء مبادرات عدة تتعلق بالقوات الخاصة وغيرها، بعدما اعتبرت أولويات أقل إلحاحا.
أما من الجانب العراقي، ولا سيما في عهد حكومة نوري المالكي، فقد اتسم الموقف تجاه الوجود العسكري الأميركي بازدواجية واضحة. فمن جهة، كان ينظر إلى القوات الأميركية باعتبارها قوة يمكن اللجوء إليها في الحالات الطارئة لإنقاذ الوضع عند الضرورة القصوى. ومن جهة أخرى، سادت شكوك عميقة لدى المسؤولين العراقيين حيال انخراط العسكريين الأميركيين داخل بنية القوات والأجهزة الاستخباراتية العراقية، في ظل تصاعد النفوذ الإيراني، وهو ما عزز المخاوف من وجود ذي طابع شبه استعماري.
وقد زاد الحجم الكبير لمكتب التعاون الأمني من حدة هذه المخاوف، من دون أن يملك في المقابل القدرات القتالية الطارئة، التي كانت توفر سابقا قدرا من الطمأنينة لبغداد. ونتيجة لذلك، مارست الحكومة العراقية ضغوطا متكررة، لتقليص حجم المكتب ومهامه. كما أخفق كل من المكتب والسفارة في إدراك مدى التآكل الذي أصاب بنية القوات العراقية، ولا سيما على مستوى القيادات الكفؤة، فضلا عن المشكلات العميقة في مجالات التدريب والتجهيز والصيانة، وهي عوامل ساهمت في الانهيار الواسع للقوات النظامية العراقية أمام هجوم “تنظيم الدولة الإسلامية” عام 2014.
ومع ذلك، فإن إقامة علاقة أمنية محدودة مع سوريا وفق هذه الأسس، إذا أحسنت إدارتها، يمكن أن تعوض جانبا كبيرا من غياب القوات القتالية الأميركية، وأن تدعم مسار الاستقرار في البلاد.