
الخوري ريمون أبي تامر
غالباً ما ارتبطت سلطة النساء في التاريخ بصورة المرأة “الاستثنائية” التي تظهر في لحظة أزمة عندما يفشل القادة التقليديون. فحين كانت البنى السياسية والاجتماعية محكومة بمنظومات بطريركية شبه محتكرة وصلبة، لم يكن وصول النساء إلى السلطة يحدث عادة عبر مسارات مؤسساتية طبيعية، بل عبر لحظات استثنائية تظهر فيها شخصية قادرة على كسر التوقعات وإعادة تعريف القيادة. في هذه اللحظات، تتحول المرأة من هامش المجتمع إلى مركز القرار، لا بوصفها امتداداً للنظام القائم، بل بوصفها استثناءً يفرض نفسه. ويبرز هذا النموذج بوضوح في مسار شخصيتين تركتا أثراً عميقاً في التاريخ العالمي ولا سيما الأوروبي: Joan of Arc وCatherine the Great.
وُلدت كلتاهما بعيداً عن مراكز القوة التي ستقودها لاحقاً. كانت كاثرين أميرة ألمانية من أسرة ثانوية لا تنتمي إلى سلالة رومانوف الحاكمة، بينما كانت جان دارك فتاة فلاحة شبه أمّية من قرية فرنسية صغيرة. ومع ذلك، تحوّلت هذه المكانة “الخارجية” إلى مساحة لإعادة ابتكار الذات. فقد انغمست كاثرين في فلسفات عصر التنوير الأوروبي، وبنت لنفسها مشروعاً فكرياً وسياسياً يربط بين السلطة والإصلاح. أما جان دارك فقد وجدت في التجربة الصوفية والرؤى الإيمانية مصدراً لرسالة آمنت بأنها مُكلَّفة بها لإنقاذ فرنسا.
لكن الطريق إلى السلطة لم يكن خالياً من أزمة الشرعية. فقد وصلت كاثرين إلى الحكم سنة 1762 بعد انقلاب أطاح بزوجها القيصر Peter III of Russia. أما جان دارك فقد ظهرت في سياق Hundred Years’ War، حين كانت فرنسا تعيش أزمة سياسية وعسكرية عميقة. وعلى الرغم من أن القيادة العسكرية الفعلية للجيش كانت بيد قادة ميدانيين مثل Jean de Dunois، فإن حضور جان دارك في الميدان أعاد الثقة إلى الجنود وأسهم في إحياء الروح الوطنية التي مهّدت الطريق لتتويج الملك Charles VII of France. ولكي تتجاوزا أزمة الشرعية، صنعت كل من المرأتين صورة رمزية قوية. فقدمت جان نفسها بوصفها “العذراء” (la Pucelle) المرسلة من الله لإنقاذ فرنسا، بينما رسّخت كاثرين صورتها كـ“حاكمة مستنيرة” تجمع بين السلطة السياسية وفكر التنوير.
وفي مواجهة عالم سياسي تهيمن عليه الذكورية لم تكتفِ المرأتان بالامتثال للأدوار الجندرية التقليدية، بل أعادتا تعريفها. ارتدت جان دارك الدروع العسكرية وقادت الجنود في ساحات القتال، فيما استخدمت كاثرين الرمزية العسكرية نفسها لتثبيت سلطتها، لكنها أعادت تأطير حكمها المطلق بوصفه مسؤولية “أمومية” تجاه الدولة.
ومع ذلك، لم يكن حكم كاثرين خالياً من الأزمات. فقد واجهت اقتصاداً زراعياً متخلفاً قائماً على القنانة، إضافة إلى اضطرابات داخلية كبرى أبرزها Pugachev’s Rebellion، الذي هزّ الإمبراطورية واستنزف مواردها. ورغم ذلك، تمكنت من تثبيت سلطتها ومواصلة مشروعها الإصلاحي الذي شمل تطوير الإدارة وتشجيع التعليم، ومن أبرز مبادراتها تأسيس Smolny Institute، أول مؤسسة تعليمية عليا للنساء في أوروبا.
أما جان دارك فقد انتهى مسارها بصورة مأساوية بعد وقوعها في الأسر ومحاكمتها بتهمة الهرطقة. لكن التاريخ أعاد تقييم سيرتها لاحقاً، فتحولت من متهمة إلى قدّيسة ورمز عالمي للشجاعة الفردية.
تكشف تجربة المرأتين أن النساء اللواتي وصلن إلى السلطة في التاريخ لم يفعلن ذلك دائماً عبر مواجهة النظام البطريركي مباشرة، بل عبر التكيّف معه وإعادة توظيف أدواته. وبين فتاة فلاحة تقود جيشاً بروحها، وإمبراطورة تعيد رسم موقع دولة بأكملها، يتكرر الدرس نفسه: في لحظات الأزمات الكبرى، قد يظهر صوت استثنائي قادر على تغيير مسار التاريخ.