المواطن ثروة الدولة، والدولة تُثري المواطن بالقيم والأعراف، وبه ومن خلاله تُبنى وتُعمَّر، ومن جهده تُعبَّأ خزائنها لتنفق على أمنه وخبزه وعيشه. الدولة والمواطن مسافران دائماً على المركب نفسه، وفي الدرب والمصير نفسيهما؛ كلاهما واحد: إن أصاب الأول سقمٌ أصاب الثاني، وإذا ما تخلّى طرفٌ منهما عن الآخر اهتزّ المركبُ من تحتهما، وانسفح كلُّ ما جنياه في عرض البحر. وحال سورية اليوم أنها بلد مدمّر، وهي تنهض توّاً من تحت تلال من الحطام والركام. وجوه الناس فيها مكسوّة بلون الرعب والقهر والفقر والجوع والحرمان، ومئات الآلاف من الأطفال من دون تعليم، ومثلهم وأكثر من المعاقين والمشرّدين والمعطوبين روحياً ونفسياً وجسدياً، يحتاجون إلى من يرأف بحالهم ويداوي جراحهم. ووسط هذه المشهدية المريبة، أينما تلفّت السوريون وجدوا أمامهم بيوتاً ومدارسَ وجامعاتٍ ومعاهدَ ومشافيَ ومصانعَ محطّمة ومدمّرة، والمؤسّسات فيها بالكاد تتكون وتُرمّم. ومقابل ذلك كلّه، هناك عشرات المتربّصين، وعشرات التكتّلات متناثرة في كلّ الاتجاهات من جرّاء ما خلّفته أشلاء التركة الأسدية والداعشية وغيرهما من القوى التي نشأت وترعرعت في تلك الحقبة البغيضة، ويعملون خلايا إرهابية.
ليس قدر الأشقياء والعاطلين من العمل والمشرّدين أن يبقوا كذلك، إنما هو واقع قابل للتغيير بإرادة أبناء البلد جميعاً
وإذا ما كانت السلطة السورية الجديدة قد حقّقت نجاحاً سياسياً ودبلوماسياً على الصعيد الخارجي، كما يُعتقَد، يبقى الشأن الداخلي أكثر تعقيداً وأكثر صعوبة، وتحقيق النجاحات فيه يحتاج جهود السوريين كافّة لحلحلة عقد الخيوط والحدود المتشابكة، التي تكاد تكون أعقد من خيوط رسم خريطة العالم. وهم الغارقون في مستنقعات الحقبة الأسدية من قمّة رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم، ووحدهم من تجرّعوا من كؤوس سمومها حتى آخر رمق فيهم. فماذا عن حالهم مع شأنهم الداخلي اليوم؟ وهو سؤال يطرحه الجميع، سلطةً ومواطنين، بوصفهم يتشاركون معاً في تحمّل المسؤولية. نعم، صحيحٌ أن الحكومة المؤقّتة ورثت بلداً منهكاً، وبنيةً تحتيةً مدمّرة، واقتصاداً مشلولاً، وإرثاً ثقيلاً من الفساد، لكن ماذا عن مسؤوليتها عمّا وصل إليه حال السوريين من ضيق المعيشة والتذمّر، إذ لم تعد التبريرات تكفي أبداً إن لم ترافقها حلولٌ عمليةٌ ومدروسةٌ؟ فالبطالة والمحسوبيات واتساع رقعة الفقر تنتج حالةً من الإحباط والنقمة قد تصل إلى حدّ لا تعود معه لغة الوعود المؤجّلة تجدي نفعاً. والمطلوب ممارسة الشفافية في السياسة والاقتصاد، وفي التعيينات، وفي المجالات كلّها، ومشاركة جميع السوريين فيها، إذ بات يستحيل على أيّ طرف أن يتصرّف بمصير سورية وحده.
وأمام تلك السياقات وغيرها، يتطلّب الأمر أداءً حكومياً مسؤولاً ونزيهاً بعيداً عن كل شبهة فساد، وتوزيع المهام على الجميع. فلا يخفى على من يعيش في سورية، ولمن يتابع ما يجري فيها، وجود مؤشّرات تنمّ عن تفشّي رقعة الفساد بين العديد من العاملين في مؤسّسات الدولة، وفي نفوس مواطنين مراجعين عديدين. وبعضهم يقول إنه لا شيء تغيّر سوى أن الرشوة باتت تُدفع في الخفاء لا في العلن، وبالدولار لا بالليرة السورية، ومن خلالها، ومن خلال القربى، يمكن أن يُشترى المنصب بعيداً عن الكفاءة، وهو ما يتوجّب تطويقه فوراً، وإلا عمّ الخراب أكثر، لا قدر الله.
ففي ظلّ الخراب والخواء السوريَّين، يُفترض أن تستوعب فرص العمل والتوظيف السوريين جميعهم. وإن أراد القائمون على هذه المؤسّسات النجاة بسورية، حريٌّ بهم أن يُسلّموا المهام والوظائف بحسب المؤهّلات والخبرات. فسورية لم تعد تتحمّل إنتاج سلطة متغوّلة بعد ما دفعه السوريون من أثمان باهظة، وهي مليئة بأشخاصٍ يتّصفون بالأخلاق وحسن السيرة والنزاهة والخبرة، ومعظمهم أبناء ثورة. ويقتضي الحسّ الوطني لدى كلّ واحد منهم أنه إذا فشل في إدارة وزارة أو مؤسّسة أو حضانة أو فرن خبز، أن يتنحّى من تلقاء نفسه وفاءً لقيم الثورة؛ وإنْ لم يفعل، وجبت إقالته فوراً ووضع الشخص المناسب في مكانه، فسورية في مخاضها العسير لا تحتمل على الإطلاق أيَّ ارتجال أو مقامرة.
ومن غير المنطقي، أمام حاجة سورية إلى أبنائها كلّهم، أن يحصل عضو في هيئة ما على مناصب من دون النظر في مؤهّلاته، في حين أن هناك مئات آلاف من أصحاب المؤهّلات والكفاءات عاطلون من العمل. ومن الضروري القول هنا إن السلطة لا تتحمّل وحدها مسؤولية ذلك، بل يشاركها المواطن، لأنه العماد والأساس فيها. ويُفترض في سورية الجديدة، وبعد نجاح ثورتها، ألا يقبل أحدٌ فيها أن يُقهر من أحدٍ أو أن يقبل الرشوة أو أن يتسيّد أحدٌ على أحد، وقد تحرّروا من زمن العبودية، وبات أفق حياتهم أرحب وأرفع وأنبل وأشرف من كلّ ما مر عليهم، رغم هذا الوضع الكارثي والمأساوي الذي يحيط بهم، ويصعب الخروج منه بسلام من دون أن يتداعى جميع السوريات والسوريين ليجعل كلُّ واحد من نفسه رئيساً ووزيراً وموظفاً وعاملاً ومسؤولاً، والانطلاق لبناء دولتهم وتحمّل مسؤولية ما سيؤول إليه مستقبلهم. ليتراكض جميع السوريين للمشاركة والإسهام في تأسيس دولتهم وتقاسم المسؤوليات والواجبات، ليصبح كلُّ مواطن سلطة، وكلُّ سلطة مواطناً؛ لا أن ينتظر المواطن أن تفعل السلطة كلَّ شيء، ولا أن تطلب السلطة من المواطن ما يعجز عنه، وإنما على الفريقَين كليهما أن يبادرا بالأخذ بيد الآخر، ويبادر قبله، وربما مثل هذا السلوك المنظّم سيدفع الفريق الثاني إلى المبادرة بالأحسن. والمبادرة تكمن في كلّ شيء: في الأدوات والوسائل المادية، وفي القيم والأخلاق الروحية.
وقد تبدأ أول خطوة من أصغر خيمة أو بيت أو شارع أو رصيف، من تكاتف أبناء الحارة الواحدة والمؤسّسة، وتوزيع المهام بينهم، ومد يد العون لبعضهم. فماذا يعني أن يكون الناس أبناءً أوفياء لبيوتهم وحاراتهم وأحيائهم، وهم يستهلكون ما لذّ وطاب من طعام وشراب، فيما هناك جار ينهشه الجوع؟ هذا ليس وفاءً. وماذا يعني أن يكون الناس أبناءً أوفياء لمدنهم، والمشرّدون يملأون فيها الطرقات ولا يجدون مأوى، فيما يسكن غيرهم في أكثر من شقّة وبيت؟ وماذا يعني أن يكون الناس أوفياء لمؤسّسات دولتهم، وهم يستعرضون مواكب سياراتهم وسطوة مناصبهم، ويوزّعون الابتسامات على من حولهم، وكأن كلّ الأمور تسير على ما يرام، فيما غيرهم غارقون في عوزهم وشقائهم؟ هذا ليس وفاءً، بل ادعاء وتدليس وخيانة وغدر للثورة. فليس قدر الأشقياء والعاطلين من العمل والمشرّدين أن يبقوا على ما هم عليه، إنما هو واقع قابل للتغيير بإرادة أبناء البلد جميعاً، حتى يصير لكلّ واحد منهم فيها بيت، ولكلّ جائع طعام، ولكلّ بردان دفء ومأوى.
هكذا تبني الشعوب دولها: لا أحدَ سيّد على أحد، وكلّهم أسياد؛ ولا خادمَ يخدم أحداً، وكلّهم خدم لبعضهم، يجمعهم عقد مصون بينهم، موزّعون بين جمعيات أهلية وتنظيمات وأحزاب وورش ومصانع ومعامل ومدارس وحقول وجامعات. وهذا يتطلّب قدراً كبيراً من الجهد والحكمة والعقل والصبر، لا أن يلقي طرف اللوم على الآخر وهو لا يبادر ولا يعمل، وإلا فلن تخرج سورية من هذه المحنة.
وفي حال سورية المحطّمة، على الحكومة مضاعفة الجهود لمكافحة البطالة والفقر والغلاء والفساد والولاء في آلية التعيينات، على المواطنين بدورهم، كانوا في السلطة أو خارجها، ألا يتصدّوا للرشوة والفساد فحسب، بل أن يقاوموهما، وأن يبحثوا للمحتاجين منهم عن فرص عمل، ويختاروا من بينهم الأكفأ لتحمّل المسؤولية، صغيراً كان أو كبيراً، بناءً على الاختصاصات والمؤهلات. وكي تنجو سورية وتنهض على قدميها، لا بدّ أن تتّبع السلطة الشفافية في الملفات السياسية والاقتصادية والقضائية، وفي تفاصيل التحدّيات والضغوط والفرص والتفاهمات الدولية والداخلية. كذلك لا بدّ من الشفافية في شغل المناصب عبر معايير واضحة ومعلنة ومسابقات وطنية تفضي إلى اختيار الأكفأ في مختلف المستويات، التي سيتوافد حتماً إلى اختباراتها آلاف السوريين والسوريات، مع اعتماد معايير النزاهة والسياسة الصارمة لمكافحة الفساد، وألا يُترك الفقر ينهش شرائح أوسع من السوريين.
أمّا مناقشة شكل الحكم، أهو ملكي أم جمهوري ديمقراطي، علماني أم ديني، فليس هذا هم الحكومة، ولا هو هم المواطنين، وما يحتاجونه الآن القضاء على فيروسات الفساد التي خلّفها النظام البائد، فالحالة السورية لم تبلغ بعدُ ذاك الترف للمفاضلة بين الملكية أو الجمهورية، أو بين الدولة الإسلامية أو المدنية، إذ يكمن همّ المواطنين الأكبر في كيفية تأمين قوتهم وأدوات عيشهم، والخروج من المستنقع الذي وجدوا أنفسهم فيه، سلطةً ومواطنين على حدّ سواء.