حدّثت تركيا موقفها من الأزمة الإقليمية بعد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية ضدّ إيران، مستندةً إلى الأسس السابقة، لكن الصوت يرفع أكثر في ما يتعلّق بالمطلوب من الطرفَين، خاصّةً النظام الإيراني، لتجاوز الحرب (والأزمة برمّتها) وتداعياتها السلبية على إيران نفسها كما على تركيا، والمنطقة بشكل عام. وبدايةً، لا بدّ من التذكير بأسس المقاربة التركية تجاه الأزمة الإيرانية في الأسابيع والأشهر، وحتى السنوات، التي سبقت الحرب الراهنة، من جهة رفض الخيار العسكري والعقوبات الاقتصادية والحصار ضدّ إيران، ومساعيها للوساطة المستمرّة لتغليب الخيار الدبلوماسي وإبقاء الأزمة على طاولة التفاوض لا في ميدان المواجهة والحرب.
قبل الحرب مباشرة، قامت تركيا بالوساطة وتقديم نصائح علنية، كما عبّرت قنوات التواصل المفتوحة مع الطرفَين عن ذلك، ومنها، وربّما أهمها، اقتراح اللقاء الثلاثي على مستوى القمة الذي طرحه الرئيس رجب طيّب أردوغان ووافق عليه نظيره الأميركي دونالد ترامب، ورفضه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مفتقد الصلاحيات في ظلّ تحكّم المرشد والحرس الثوري في مفاصل السلطة، بل السلطات كلّها: التشريعية والتنفيذية والقضائية. وقد هُمّش بزشكيان، المسؤول الوحيد المُنتخَب من الشعب بشكل شفّاف ونزيه، نسبياً في ظلّ قيود النظام على العملية الانتخابية ورفض ترشيحات آخرين، بمن فيهم أبناء النظام نفسه، كما حصل مثلاً مع علي لاريجاني الذي رفض مجلس صيانة الدستور ترشّحه للانتخابات الرئاسية قبل نحو عامين بحجّة عدم أهليته. نعم، هذه كانت الحجة، بينما فوّضه المرشد علي خامنئي عملياً بقيادة البلاد في حالة رحيله، وهو ما يحدث حالياً بالفعل بالشراكة مع الحرس طبعاً، رغم الصلاحيات الشكلية للإطار الثلاثي الذي ينصّ عليه الدستور ويضمّ الرئيس ومسؤول السلطة القضائية وأحد أعضاء مجلس الخبراء.
بموازاة تلك الجهود والمساعي، كان التحذير من التداعيات السلبية للخيار العسكري على إيران نفسها والمنطقة، بما فيها تركيا التي تملك حدوداً طويلة مع جارتها بطول 550 كيلومتراً، مع اتخاذ احتياطات أمنية، والتخوّف من موجات هجرة جديدة وانتعاش التنظيمات الإرهابية، وحتى الأفكار والخطط الانفصالية، بعدما دُحِرت وهُزِمت في سورية، فضلاً عن الأجواء السلبية العامة في المنطقة، خاصّة في البعد الاقتصادي والاستثمارات وحركة رؤوس الأموال والبضائع وسلاسل توريد المواد الخام وارتفاع أسعار النفط والغاز، رغم تلقّي تركيا معظم احتياجاتها من الشمال (روسيا وأذربيجان) والشرق (العراق) بعيداً من مضيق هرمز والخليج العربي.
كانت هناك نصائح تركية داخلية وإقليمية للنظام بالإنصات إلى مطالب الناس واحتياجاتهم، والعمل لتلبيتها، كما مراجعة السياسات الإقليمية والتوقّف عن الأخطاء لجهة تجاوز الدول والحكومات ودعم الجماعات والمليشيات غير الشرعية والمشاريع والخطط الانفصالية. قبل ذلك، وبعده، نظرت تركيا (ولا تزال) بعين القلق إلى العامل الإسرائيلي المحرِّض على الخيار العسكري وتأجيج التوترات، مع الانتباه إلى أن هذا العامل بات حاضراً دوماً في الحسابات التركية تجاه التطوّرات في المنطقة. رغم ذلك، وقعت الحرب ضدّ إيران، وللأسف، للأسباب نفسها والمعطيات السابقة، خاصّةً حضور العامل الإسرائيلي. ومع ذلك تعتقد أنقرة أن النظام الإيراني لم يقم بما عليه سياسياً وعسكرياً لمنعها وعدم التورّط فيها من الأساس. وبحسب وزير الخارجية هاكان فيدان، فمن الناحية السياسية لو اطّلع الإيرانيون على الضغوط التي يواجهها الرئيس الأميركي في عملية صنع القرار وقدّموا له شيئاً مسبقاً لما كان للضغط الإسرائيلي هذا التأثير. ومن هنا، وبالضرورة، فالقيادة المسؤولة كان يجب عليها الاطّلاع وتحضير واجباتها كما ينبغي، ليس سياسياً فقط، بل عسكرياً كذلك. وبحسب فيدان أيضاً، فأيّ دولة لم تطوّر قدراتها في مجالات الاستخبارات والأمن والقدرات العسكرية والعملياتية والاستخبارات الوقائية والتتبع الجوي واستخبارات الفضاء، لا ينبغي لها الدخول حتى في مناوشات مع دول مثل أميركا وإسرائيل. وأضاف وزير الخارجية التركي أنه حتى مع امتلاكها قدرات استخبارية وسيبرانية فلا يمكن الدفاع من دون امتلاك منظومة دفاع جوي وسلاح طيران. وعليه كان يجب تحاشي أيّ صدام عسكري مع أميركا وإسرائيل في ظلّ التفوّق الهائل عسكرياً وكذلك سياسياً ودبلوماسياً.
والآن، وقد جرى ما جرى، ترفض تركيا الخيار العسكري بحد ذاته، كما ترفض الهجمات الإيرانية غير المبرّرة ضدّ دول الخليج العربي والأردن، وتقدّم خريطة طريق واضحة تبدأ بوقف الحرب مع ضرورة تشخيص أهدافها بدقّة والتمييز بين العسكرية البحتة وتلك المتعلّقة بتغيير وإسقاط النظام الإيراني، الأمر الذي تراه أنقرة كارثياً على المنطقة برمتها. وفي ما يخصّ النظام، فربما يكون قد تغيّر بالفعل كما قال وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث (وهي وجهة نظر لا ترفضها تركيا بالمطلق)، خاصة بعد اغتيال المرشد وأبرز مستشاريه وكبار القادة العسكريين، لكنّها تطالب الطرفَين، وبالتبعية، بالعودة إلى طاولة التفاوض، وهو ما يتطلّب تضحيات أو تنازلات كبيرة من القيادة الإيرانية.
تنظر تركيا بواقعية إلى المشهد وترى إزاحة النقاط الخلافية الثلاث عملياً من جدول الأعمال التفاوضي، أي المشروع النووي الذي عاد سنوات إلى الوراء، ولن يكون النظام قادراً في اليوم التالي، في ظلّ تدمير بناه التحتية والمؤسّساتية والقيادية، على إعادة بنائه حتى لو أراد. وهو ما يمكن قوله أيضاً عن نظيره الصاروخي. أمّا الأذرع والوكلاء الإقليمية الثلاثة، فقد زالت كذلك من جدول الأعمال، مع حظر الجناح العسكري للذراع المركزية (حزب الله) قانوناً في لبنان، ودعوات إلى سحب سلاح المليشيات وحصرية السلاح بيد السلطة الشرعية في العراق، حتى من المرشّح “السابق” لرئاسة الوزراء نوري المالكي. بينما تبدو جماعة الحوثي تحت الضغط في اليمن، وقدرتها على الانخراط الجدّي في معركة الدفاع عن النظام الإيراني محدودة، خاصّةً مع الضغوط الداخلية إثر التحوّلات اللافتة في البلاد وكسر المشروع الانفصالي في الجنوب.
وعليه، لا بدّ أن يسهّل النظام الإيراني المتجدّد الأمور على نفسه، ويسعى إلى الحصول على مقابل يتضمّن أساساً رفع العقوبات الخانقة (نسخة إيرانية من قانون قيصر في سورية) ولو تدريجياً، مع الاقتناع باستحالة إدارة البلاد كما كان الحال قبل الحرب، وضرورة توسيع هامش الحريات والمشاركة السياسية، ولو للمعارضين من أبناء النظام نفسه.
في ما يخصّ قصّة اندماج إيران في المنطقة على كل المستويات، بما فيها ترتيبات حفظ الأمن والاستقرار فيها بعيداً من الغزاة والقوى الأجنبية (أميركا وإسرائيل)، ستظلّ تركيا داعمةً لذلك دوماً، باعتبار إيران قوة كبرى لا يمكن تجاهلها حتى لو بات الأمر أكثر صعوبة، خاصّةً بعد الهجمات غير المبرّرة على الدول الخليجية والعربية، لكنّه ليس مستحيلاً، ولا يزال في المتناول. وعلى الأغلب ستمضي المسيرة الإقليمية العربية والإسلامية قدماً من دون عداء وقطيعة، بل بانفتاح ومدّ اليد تجاه طهران “المتجدّدة” الضعيفة التي ستنشغل بنفسها سنوات وربما عقوداً، وستحتاج إلى وقت طويل للتعافي.
كاتب فلسطيني، رئيس تحرير نشرة المشهد التركي