في اليوم العالمي للمرأة، الذي صادف يوم أمس (8 آذار/ مارس)، والذي دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1977 لإعلانه يومًا من أجل حقوقها، والسلام العالمي والمساواة بين الجنسين، ونبذ العنف ضدها ومحاربته، لا بد وأن نتوقف عند الدور الهام والواسع الذي قامت به المرأة السورية بعد انطلاق الثورة عام 2011، رغم الواقع المرير الذي عاشته، وأقسى أنواع العذاب والتنكيل الذي تعرضت له على يد قوات نظام الأسد البائد، وبعض الفصائل المعارضة. فقد شاركت في الثورة منذ يومها الأول، ووقفت إلى جانب الرجل كتفًا بكتف، ولعبت دورًا محوريًا وشجاعًا، تجاوزت فيه الأدوار التقليدية، لتكون في الصفوف الأمامية للمظاهرات السلمية، هتفت للحرية وتحدت النظام وأجهزته القمعية وحلفائه، ونادت بالتغيير والعدالة وحقوق الإنسان، وعملت في التنسيقيات وكتابة الهتافات وتنظيمها، وأسعفت الجرحى، وأسست جمعيات محلية لإغاثة العائلات النازحة والمحاصرة، كما قامت بالعمل في المشافي الميدانية تحت خطر الموت والقصف بالبراميل المتفجرة والصواريخ والسلاح الكيماوي، وعملت أيضًا في التوثيق الإعلامي والحقوقي، من خلال الصحافيات والناشطات اللاتي لعبنَ دورًا حيويًا في نقل الحقيقة، وتوثيق جرائم النظام، وبعض الفصائل المسلحة. انخرطت في تأسيس منظمات المجتمع المدني، وشاركت في المؤتمرات السياسية الخاصة بالمعارضة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وفي المفاوضات الرامية لحل الكارثة السورية، والهيئات والمجالس المحلية والتعليم في أقسى الظروف وأشدها خطرًا.
تعرضت نساء سورية على مدى أربعة عشر عامًا من عمر الثورة إلى الاعتقال والتعذيب الوحشي والاغتصاب والاغتيال والتهجير واللجوء والعيش في مخيمات تفتقر إلى أبسط شروط البقاء على قيد الحياة، ولفقد الأبناء والأزواج والأهل والمعيلين، واجهت تحديات كبيرة تتعلق بالعنف المرتبط بالحرب، وتراجُع فرص العمل والتعليم، وتحمّل مسؤولية العائلة وحيدة، ووقعت في مأساة زواج القاصرات أكثر من أي وقت مضى، ومخاطر التجنيد في بعض الأماكن. عانت من جرائم الخطف والاتجار بالنساء، ومن الترمل والفقر، وتفكك الأسرة، وارتفاع نسبة الطلاق والأزمات النفسية القاهرة، إضافة إلى تردي الرعاية الصحية والوضع المعيشي وإجبارها على الزواج المبكر، وافتقادها للمؤسسات الاجتماعية المساندة لها في المجتمع السوري، وفي مناطق النظام والمعارضة، وتهميش دورها في بعض المدن والبلدات الواقعة تحت سيطرة الفصائل المتشددة. وهذه مآسٍ تعرض لها السوريون جميعًا من الجنسين، لكن معاناة النساء كانت مضاعفة وأشد وحشية وقسوة.
وهذا ما دعا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين منذ بدايات الثورة إلى التحذير الشديد من تداعيات واقع النساء في سورية، اللاتي وقعن في دائرة المشقة والعزلة والقلق، ليكافحن من أجل البقاء في ظل حرب واجهتها المرأة بصبر وقوة، وإيمان كبير بالتغيير السياسي والخلاص من الاستبداد والديكتاتورية. في الوقت الذي عززت فيه الأمم المتحدة دورها في عملية صنع القرار دعمًا للعملية السياسية بموجب قرار مجلس الأمن 2254، وتماشيًا مع قراره التاريخي الذي ينص على أهمية مشاركتها في بناء السلام وصونه.
برزت أسماء كثيرة في المشهد السوري لنساء رائدات عانين من الملاحقات الأمنية والاعتقالات التعسفية والقتل والانتهاكات، ورغم ذلك ساندن الثورة منذ يومها الأول، بشجاعة نادرة تخطت فيها المرأة السجون والملاجئ والمقابر والحصار والرعب. صمدت ونسجت طريق الحرية من دموعها وأوجاعها وفجائعها، وقد التصق بها لقب أم الشهداء، وأصبحت في ما بعد هي الشهيدة والمغيبة في هذه الحرب الدامية. حملت همومًا وأوزارًا ثقيلة، وعاشت تحديات كبيرة.
ولم تقتصر أدوار النساء على الشخصيات المعروفة فقط، بل شملت الآلاف من اللاتي عملن بصمت وتفانٍ وإخلاص، وأثبتن قدرة عالية على الصمود والفعالية في مختلف الميادين. ومن الصعب أن نستطيع الإلمام بالشخصيات النسائية التي ساهمت في استمرارية الثورة وتحدي أكثر الأنظمة إجرامًا واستبدادًا في العصر الحديث، في مقالات وكتب كثيرة، لذلك نذكر منهن على سبيل المثال لا الحصر:
| اختطفت فصائل إسلامية في الغوطة رزان زيتونة (الصورة) مع سميرة الخليل ووائل حمادة وناظم الحمادي منذ 9 ديسمبر 2013 |
ــ حسنة الحريري: “خنساء حوران”، التي اعتقلها النظام الأسدي المجرم، وتعرضت للتعذيب الشديد والتنكيل والانتهاكات، وواجهته بقوة نادرة. فقدت أبناءها وزوجها وأخوتها في السجون والقصف، وروت للعالم صور الرعب والموت والاغتصاب في الأقبية المظلمة، ولُقبت بـ”حكاءة الحزن السوري”.
ــ رزان زيتونة: المحامية والناشطة الحقوقية والمعارضة التي أسست مركزًا لتوثيق الانتهاكات للأطراف كافة، برفقة المعتقلة السابقة سميرة خليل، وتعرضتا للاعتقال والتغييب القسري على يد فصائل مسلحة في دوما عام 2013 مع الناشطين: وائل حمادة، وناظم حمادي، ولم يعرف مصيرهم حتى اليوم.
ــ فدوى سليمان: الممثلة السورية المعروفة، التي شاركت في المظاهرات السلمية مع الشهيد عبد الباسط الساروت في حمص، وهتفت للحرية، ودعت لنبذ الطائفية ووحدة الشعب السوري بمكوناته كافة لمقاومة ودحر الاستبداد، وما زال حتى اليوم يصدح صوتها بالشعار الذي رافقها مطولًا: “واحد واحد واحد… الشعب السوري واحد”.
ــ أمينة خولاني: اعتُقلت عام 2013 مع أفراد من عائلتها. أصبحت ناشطة في الدفاع عن المعتقلين، وأسست جمعية لدعم عائلاتهم بعد خروجها من السجن. فقدت عددًا من أخوتها لها داخل المعتقلات، ونالت الجائزة الدولية للمرأة الشجاعة.
ــ الدكتورة فاتن رجب: عالمة الفيزياء والذرة. اعتقلتها المخابرات الجوية، وتعرضت لتعذيب وحشي لفترة طويلة كما روت الناجيات، ثم أُعدمت على يد النظام المجرم، كما تؤكد إحدى الوثائق التي عُثر عليها بعد سقوط الأسد.
ــ سمر يزبك: الكاتبة والروائية التي وقفت مع الثورة منذ أيامها الأولى، ووثقت شهادات سوريات مقاومات من أجيال مختلفة ومناطق متعددة، وأسست منظمة “النساء الآن”، وهي نسوية غير حكومية تأسست عام 2012 لتمكين السوريات اجتماعيًا واقتصاديًا وسياسيًا، وتوفير الحماية لهن.
ــ الدكتورة رانيا العباسي: طبيبة أسنان وبطلة سورية في الشطرنج، اعتقلتها المخابرات العسكرية من منزلها مع زوجها وأطفالها الستة ومساعدتها عام 2013، بتهمة الدعم المادي والإنساني للنازحين من مدينة حمص. ولم يُعرف مصيرهم جميعًا حتى يومنا هذا.
ــ سعاد كياري: التي قدمت للثوار كل الدعم الإنساني اللازم من طعام وشراب وطبابة ورعاية. وتعد أول امرأة سورية تنخرط في صفوف المعارضة المسلحة في معارك ريف إدلب، حتى استشهادها في اشتباكات على تخوم مطار أبو الظهور.
الجدير ذكره أن تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان أشارت إلى أن عدد المعتقلات في سجون الأسد البائد خلال الأعوام 2011 ــ 2024 تجاوز 10221 امرأة، أكثر من 350 منهن من درعا. وعدد النساء الشهيدات تجاوز 12977، أكثر من 1256 منهن من درعا. وذكرت الأمم المتحدة أن عدد النساء السوريات في المخيمات داخل سورية وخارجها تجاوز المليون، وأن 56837 منهن يقمن في مخيمات الشمال السوري، وأن المئات من النساء المغيبات قسرًا ما زال مصيرهن مجهولًا حتى الآن.
وإذا عدنا إلى فترة ما قبل قيام الثورة السورية، سنجد أن مشاركة النساء في الحياة العامة في عهد الأسدين الأب والابن كانت موجودة، ولكنها محدودة، وترتبط بشروط الولاء والدعم والمحسوبيات، ونادرًا ما وصلت النساء إلى مواقع صنع القرار، وإن وصلت فصلاحياتها تكون شبه معدومة، ووجودها يكون شكليًا إلا إذا كانت مقربة جدًا من رأس النظام. ومع ارتفاع نسبة التعليم، عملت النساء في المجالات كافة، وشاركن في البرلمان. ورغم صدور دستور جديد عام 2012، أكد على أن الدولة تكفل للمرأة المساواة مع الرجل في الحقوق والواجبات، وعلى مشاركتها في سوق العمل، فإن القوانين المجحفة بحقها بقيت من دون تعديل حقيقي، كقانون الأحوال الشخصية المتعلق بالطلاق والميراث وحضانة الأطفال، ومنح الجنسية للأبناء المستمد من الشريعة الإسلامية. ورغم أنه سُمح للمرأة بالتصويت وحق الاقتراع العام منذ الخمسينيات، وأن نسبة عدد الإناث في المدارس والجامعات ازدادت بشكل كبير بعد 1970، فإن المرأة احتلت 12% من مقاعد البرلمان، بينما احتل الرجال 88% منها، هذا إضافة إلى أن مشاركتها في القوة العاملة بقيت منخفضة، إلى أن تضاعفت بعد عام 2011 بسبب هجرة الشباب وفقدان المعيل، وبقيت تتعرض للعنف المنزلي، والزواج المبكر القسري، وتعدد الزوجات، وجرائم الشرف، في بعض المناطق.
بعد سقوط الأسد وهروبه خارج البلاد، وتسلّم الحكومة الانتقالية مقاليد الحكم، شددت التصريحات الرسمية على أهمية دور المرأة وتوليها مناصب قيادية، وتمّ إنشاء مكتب لشؤون الأسرة، وتعيين عدد قليل من النساء في مواقع إدارية مختلفة، غالبيتها هامشية، وتعيين وزيرة واحدة ضمن الحكومة في آذار/ مارس 2025، مما أثار انتقادات من المجتمع المدني والعاملين في مجال حقوق الإنسان والنسويات. وعندما جرت انتخابات لاختيار 140 مقعدًا من أصل 210 مقاعد في مجلس الشعب القادم، لم تتجاوز نسبة النساء 14% من أصل 1500 مرشح كانوا يتنافسون على 140 مقعدًا في 50 دائرة حكومية. ويومها، قالت مصادر عديدة: إن الهيكل الحكومي الموحد، إلى جانب المخاوف الأمنية، يحول دون مشاركة النساء في الحياة السياسية، ولأسباب أمنية أيضًا تعذر إجراء انتخابات آنذاك في الدوائر التي كان من المقرر الحصول فيها على 21 مقعدًا من بين الـ 140 مقعدًا المقررة.
وقد ورد في الدستور المؤقت، الذي سيبقى ساريًا لخمس سنوات، أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، كما كان سابقًا خلال العقود الماضية، رغم أن الإعلان المؤلف من 53 مادة أكد على أن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات من دون تمييز، والدولة تكفل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمرأة، وتحميها من جميع أشكال الظلم والعنف.
ولكن يرى حقوقيون أن المادة التي تنص على أن الشريعة الإسلامية مصدر جميع القوانين تلغي فعليًا جميع الأحكام الأخرى المتعلقة بحقوق المرأة.
وعلى الرغم من الأمل بمرحلة جديدة، فإن تحديات كبيرة تقف أمام المرأة وحقوقها منها: عدم الاستقرار الأمني والسياسي ــ وجود تيارات محافظة قد تؤثر على التشريعات ــ ضعف المؤسسات والقضاء بعد حرب طويلة دامية ــ استمرار الانتهاكات ضدها من أطراف مختلفة في عدد من المدن والبلدات السورية، بالإضافة إلى غياب مبدأ التشاركية.
خلاصة القول، إن الانتقال إلى بلد القانون والعدالة وحقوق المواطنة والإنسان، والتشاركية الحقيقية بين الجميع، يبقيان بمثابة الطريق الأفضل بغية إعطاء كل ذي حق حقه، والتطلع نحو مستقبل آمن انتظره السوريون لأكثر من خمسة عقود عجاف.