-
-
-
-
آليكس شمس..
..
-
ترجمة: الجمهورية.
-
-
في الثامن والعشرين من شباط (فبراير) شنّت إسرائيل والولايات المتحدة، بشكل مفاجئ، حرباً واسعة النطاق على إيران، في ثاني هجوم غير مبرر تنفّذه القوات الأميركية-الإسرائيلية خلال أقل من عام، وذلك في خضم مفاوضات دبلوماسية كانت تُعقد في جنيف. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، قُتل أكثر من 550 إيرانياً، بينهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وعدد من أفراد عائلته، إلى جانب عدة قادة إيرانيين كبار وعشرات المدنيين.
تأتي هذه الحرب في وقت ما يزال الإيرانيون فيه تحت وطأة الصدمة من حملة القمع التي شنّتها حكومتهم على الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت في أوائل كانون الثاني (يناير)، عندما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في أنحاء البلاد فيما عُرف بانتفاضة «دي 1404»، نسبة إلى تاريخها في التقويم الإيراني. وقد ردّت قوات أمن الجمهورية الإسلامية بعنف شديد، فقتلت آلاف المتظاهرين في أسوأ مذبحة جماعية بحق المحتجين في تاريخ إيران، واعتقلت وجرحت عشرات الآلاف غيرهم.
لوضع الحرب والاحتجاجات الأخيرة في سياقها الأوسع، تحدثتُ مع عالم الاجتماع الإيراني-الأميركي آصف بيات، وهو مفكر بارز في دراسات الحركات الاجتماعية. من كتبه: الحياة سياسة: كيف يغيّر بسطاء الناس الشرق الأوسط وثورة بلا ثوّار: كي نفهم الربيع العربي؛ كما حرّر كتاب ما بعد الإسلاموية: الأوجه المتغيّرة للإسلام السياسي. تتناول هذه الأعمال دور الناس العاديين في إحداث التغيير السياسي في إيران وسائر المنطقة، كما تبحث في الكيفية التي تعيد بها العسكرة تشكيل النضالات الشعبية من أجل التحرر.
في مراسلة عبر البريد الإلكتروني، ناقشنا أسباب احتجاجات «دي» ودلالاتها، والتاريخ الأوسع للمعارضة الإيرانية للجمهورية الإسلامية، وتأثير التدخلات الخارجية وأصوات الشتات في المشهد السياسي الراهن، إضافة إلى آفاق الانتقال الديمقراطي.
* * * * *
كتبتَ كثيراً عن التحولات الاجتماعية والسياسية في الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، بما في ذلك ثورات الربيع العربي التي أطاحت بعدد من الديكتاتوريين العرب الذين حكموا لسنوات طويلة. واليوم نشهد زوال زعيم آخر حكم طويلاً، هو آية الله خامنئي. كيف يمكن فهم الاحتجاجات الجماهيرية الأخيرة ضد الجمهورية الإسلامية، ثم الحرب الأميركية–الإسرائيلية، التي تُشن جزئياً باسم منح الشعب الإيراني «ساعته» من «الحرية»، في سياق الأنماط الأوسع للتغيير الإقليمي التي درستها؟
على مدى عقود، اتّسم الشرق الأوسط بوجود أنظمة سلطوية راسخة أخضعت غالبية سكانه. وإذا كان ثمة ما يمكن اعتباره «استثناء» في المنطقة، فقد يتمثل في التلاقي الخاص بين النفط وإسرائيل والإسلامية، وهو مزيج فريد أسهم إلى حد كبير في صمود السلطوية. ففي إيران ومعظم البلدان العربية، تُقمع بشدة أشكال التعبير العلني عن المعارضة، كما يُكبح التعبير الحر عن مطالب العمال والنساء والطلاب وغيرهم من الفئات الاجتماعية. ولهذا كثيراً ما يلجأ المواطنون إلى ما أسميته «اللا-حركات»: أشكال من المقاومة اليومية يسعى من خلالها الناس العاديون، بهدوء وبصورة مباشرة، إلى انتزاع السكن والعمل والحقوق والكرامة، وهم يترقّبون الفرص التي قد تتيح الانتقال إلى عمل جماعي أكثر تنظيماً حالما ينفتح المجال السياسي. وغالباً ما تظل هذه النضالات اليومية غير مرئية للمسؤولين والمراقبين، لكنها تتراكم تدريجياً وتشتد حتى تصبح المواجهة العلنية مع الدولة أمراً لا مفر منه. ومن أبرز الأمثلة على ذلك المقاومة اليومية المتواصلة للنساء الإيرانيات، ولا سيما نضالهن ضد الحجاب الإلزامي، الذي بلغ ذروته في انتفاضة «المرأة، الحياة، الحرية» في سبتمبر/أيلول 2022.
على مدى العقد الماضي، أفرزت تحولات جديدة في الاقتصاد السياسي لهذه البلدان فرصاً جديدة للتعبئة، بلغت ذروتها في ثورات الربيع العربي. أول هذه التحولات كان التفاوت الصارخ والإقصاء الواسع، الناجمان أساساً عن السياسات الاقتصادية النيوليبرالية التي انتهجتها الأنظمة الحاكمة. وثانيها اتساع قاعدة المواطنين المتعلمين والواعين الذين شعروا، رغم ذلك، بالتهميش اقتصادياً وبانتقاص مكانتهم اجتماعياً. هذه القوة الاجتماعية هي ما أسمّيه «فقراء الطبقة الوسطى»: فئة متناقضة تجمع بين تطلعات الطبقة الوسطى وتوقعاتها، لكنها تعيش في ظروف هشة، وغالباً فقيرة. أما التحول الثالث -وهو حاسم- فتمثل في صعود التقنيات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي أتاحت أشكالاً جديدة من الفعل التواصلي، وجعلت التعبئة أسرع وأقل كلفة وأكثر لامركزية. وقد أفضت هذه العوامل مجتمعة إلى موجة من الانتفاضات اللافتة في عشرة بلدان عربية، ثم لاحقاً في إيران.
غير أن هذه التعبئات السريعة والواسعة افتقرت في معظمها إلى تنظيم متماسك، وقيادة واضحة يمكن التعرف إليها ومحاسبتها، فضلاً عن رؤية محددة للنظام السياسي المنشود. وبعبارة أخرى، رغم أن الانتفاضات كانت مدهشة في حجمها وطاقتها، فإنها لم تقدّم بديلاً منظماً للقوى الحاكمة. لقد نجحت في إسقاط الديكتاتوريين، لكنها لم تتولَّ السلطة.
وبهذا المعنى، لم تُنتج ثورات بالمعنى الذي عرفه القرن العشرين، بل ولّدت خوفاً من الثورة. وقد دفع ذلك قوى منظمة سلفاً، مثل الجيوش أو مؤسسات النظام الراسخة، إلى التدخل لملء فراغ السلطة وتحديد المآل السياسي. وفي العالم العربي كانت هذه القوى في الغالب داخلية، أما في إيران فيبدو أن القوى المرشحة اليوم لتشكيل مثل هذا المآل هي قوى خارجية.
على غرار انتفاضات الربيع العربي، كانت حركة «المرأة، الحياة، الحرية» في إيران لافتة باتساع نطاق تعبئتها، وبجذرية مطالبها، وبتركيزها على حقوق النساء واستعادة معنى الحياة. مع ذلك، لم تنجح هي أيضاً، على الصعيدين التنظيمي والاستراتيجي، في تقديم بديل ملموس وقابل للتطبيق للنظام الحاكم. صحيح أنّ الحركة أفضت إلى تغيّرات مهمّة في الأعراف المجتمعية والقيم الثقافية في إيران؛ فقد نجحت عملياً، على سبيل المثال، في ترسيخ «الحجاب بالاختيار» كواقع معيش في كثير من الفضاءات العامة. غير أنها لم تُحدث تحولاً يُذكر على مستوى سُلطة الدولة، وبقي الحكم الديني قائماً فيما استمرت الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية في التفاقم. لذلك، عندما قوبلت انتفاضة «دي 1404» بمجزرة قُتل فيها آلاف المحتجين، بدأ كثير من الإيرانيين يعتقدون أن تكرار موجات الانتفاضات الداخلية وحده غير كافٍ لإحداث تغيير في النظام. وبالنسبة لبعضهم، قاد هذا إلى استنتاج مفاده أن التدخل العسكري الخارجي قد يكون السبيل الوحيد في النهاية لإسقاط النظام.
ومع الحرب غير المبررة التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة -وهي استخدام غير قانوني للقوة ينبغي إدانته بأشد العبارات- نكون قد دخلنا مرحلة جديدة وخطيرة. غير أنه، بصرف النظر عن شرعية هذه الهجمات أو أخلاقيتها، قد يجادل البعض بأن التاريخ يعرف أحياناً لحظات تتقاطع فيها مؤقتاً مصالح القوى الإمبريالية مع مصالح الشعوب الساخطة. لكن في مثل هذا التقاطع في المصالح، من يمتلك في النهاية القدرة على تحديد مآلات التغيير؟ وإذا أصبحت الولايات المتحدة وإسرائيل الفاعلين الحاسمين في مستقبل إيران السياسي، فماذا سيعني ذلك لسيادة البلاد وسلامتها الإقليمية ومواردها الطبيعية ونظامها السياسي ورفاه شعبها؟
إن القوى الخارجية تسعى إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية والجيوسياسية الخاصة، ومن المرجح أن تتعارض هذه الأهداف، عاجلاً أم آجلاً، مع تطلعات الإيرانيين إلى إيران ديمقراطية حقيقية. ولهذا، من الضروري أن ينظم الإيرانيون أنفسهم في أطر مدنية وسياسية مستقلة وحركات ملتزمة بالديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية. فقط من خلال فاعلية مدنية مستقلة ومنظمة يمكن للإيرانيين صون مستقبلهم ومستقبل بلادهم وسط تحولات عميقة يكتنفها قدر كبير من الغموض.
رقص كثيرون في شوارع المدن والبلدات في أنحاء إيران عندما سمعوا نبأ مقتل خامنئي. كيف تفسّر هذا الابتهاج العلني في هذه اللحظة؟ وكيف يمكن فهمه في ضوء اللحظات الثورية السابقة في تاريخ إيران، أو بالمقارنة مع بلدان أخرى؟ وهل نشهد اليوم حركة ثورية جديدة؟
نعم، شاهدتُ عشرات المقاطع المصوّرة من مختلف أنحاء إيران، وكذلك من أوساط الشتات، تُظهر كيف استقبل كثير من الإيرانيين خبر وفاة آية الله بفرح واضح. كانت هناك مشاهد لنساء يصرخن ويضحكن ويبكين في آنٍ واحد، في تفريغ عاطفي جارِف. تعكس هذه التفاعلات عمق السخط والغضب اللذين أثارهما آية الله خامنئي ونظامه لدى شرائح واسعة من السكان. فمنذ 1989، حكم خامنئي إيران بقبضة من حديد بوصفه مرشداً أعلى لا يخضع للمساءلة أمام أحد. ونادراً ما عرّض نفسه لأي مساءلة مفتوحة، ولم يسمح للصحفيين المستقلين بمساجلته بشأن إخفاقات سياساته أو تناقض تصريحاته. لقد حكم كما لو أنه يجسّد الدولة شخصياً. وقد فرض تصلبه الأيديولوجي، إلى جانب ما اعتبره كثيرون أوهاماً مُتعاظمة بشأن بناء تكتُّل إقليمي قوي ينافس الغرب، تكاليف سياسية واقتصادية واجتماعية باهظة على البلاد وشعبها. وفي هذا السياق، لم يكن فيض السخط العلني أمراً مفاجئاً.
في الوقت نفسه، وإلى جانب الاحتفالات، رأينا أيضاً حشوداً كبيرة من المعزّين يملؤون الشوارع حداداً على زعيمهم. وحتى إن كانوا يمثلون أقلية مرئية، فهم مع ذلك جزء من الأمة وسيبقون كذلك. وهذا الاستقطاب الحاد ينبغي التعامل معه بحذر في أي انتقال ديمقراطي. فبناء التوافق واستعادة الثقة بين القواعد الاجتماعية المنقسمة بعمق سيكونان من أصعب وأشد المهام إلحاحاً أمام من يسعون إلى إحداث تغيير تحوّلي.
لكن هل ما نشهده يرقى إلى مستوى «ثورة وطنية»، كما يدّعي بعضهم؟ أتردد في استخدام هذا المصطلح. فالانتفاضة الأخيرة في «دي»، وما تلاها من تطورات، يمكن فهمهما على نحو أدق لا بوصفهما ثورة، بل علامة على مسار ثوري، مسار يكشف العقبات والمنعطفات والشكوك التي تعترض الطريق نحو تحول حقيقي. فنحن نعلم أن الثورات نادراً ما تكون ظواهر وطنية خالصة؛ إذ تتشكل أيضاً بفعل قوى دولية كثيراً ما تتدخل في مجرياتها، وأحياناً تحدد مآلاتها. وتجد إيران نفسها اليوم عند مفترق كهذا. ومن ثم فإن إدراك هذه الضغوط الخارجية والتعامل الحصيف معها سيكون تحدياً مركزياً أمام من يسعون إلى إحداث تغيير جوهري يعيد إلى البلاد الحياة والحرية والكرامة.
ما العوامل الرئيسية التي أشعلت هذه الانتفاضة؟ وكيف تشبه الاحتجاجات الأخيرة الموجات السابقة، ولا سيما موجة 2022، وأين تختلف عنها؟
لم تكن هذه الموجة الأخيرة غير مسبوقة. فعلى مدى العقدين الماضيين واجهت الجمهورية الإسلامية عدة انتفاضات واسعة النطاق، منها انتفاضات أعوام 2009 و2017 و2019 و2022، وها نحن نشهد واحدة أخرى اليوم. في مثل هذه الحالات يُتوقع عادة من نظام يفتقر إلى الشعبية أن يقدم تنازلات أو يسعى إلى إصلاحات لتفادي الانهيار. لكن النظام، في ظل آية الله خامنئي، ظل يرفض ذلك خوفاً من أن تؤدي أي تنازلات سياسية إلى تشجيع المعارضة على المطالبة بالمزيد.
وقد أشعلت الموجة الأخيرة قضايا اقتصادية، أبرزها الانخفاض الحاد في قيمة العملة والتراجع الاقتصادي الأوسع. لكن جوهر المسألة سياسي. فالجمهورية الإسلامية نظام شديد القمع، والفساد متفشٍ فيه، ويعاني قدراً كبيراً من عدم الكفاءة، ويواجه أزمات بنيوية متعددة: نقصاً في الطاقة، وبنية تحتية متداعية، وتدهوراً بيئياً، وتضخماً، وتراجعاً اقتصادياً عاماً. وفيما أسهمت العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة بلا شك في تفاقم هذه المشكلات، تعود جذور الأزمة إلى فشل مزمن في الحكم متجذر في فساد بنيوي يقدّم الالتزام الإيديولوجي والولاء السياسي على الكفاءة. وبالنسبة إلى معظم الناس، يتجلى هذا الفشل البنيوي في القمع اليومي والتمييز الواسع والشعور الطاغي بانعدام الأمان الوجودي، ما يفضي إلى انفجارات اجتماعية متكررة مثل الاحتجاجات الأخيرة.
وهكذا مثّلت هذه الدورة الأخيرة أحدث حلقة في سلسلة من الانتفاضات الوطنية خلال العقد الماضي، لكنها اختلفت عن سابقاتها في خمس نقاط أساسية.
أولاً، بدأت شرارة الاحتجاجات من تحركات شريحة من تجار البازار في طهران، الذين تضرروا بشدة من الانخفاض الحاد في قيمة العملة الإيرانية. فقد وجد أصحاب المتاجر أنفسهم عاجزين عن تسعير بضائعهم، ما جعل التجارة عملياً مستحيلة. وكان هذا التطور غير مسبوق في تاريخ الجمهورية الإسلامية، ولا سيما بالنظر إلى العلاقة الوثيقة التي ربطت تقليدياً بين «البازاريين» والمؤسسة الدينية. ثانياً، اتسمت الاحتجاجات بطابع عابر للطبقات. فقد شارك فيها ليس فقط الأثرياء المرتبطون بالاقتصاد المعولم، الذين تتعارض مصالحهم التجارية وأنماط حياتهم مع أيديولوجية النظام الديني وسياساته الاقتصادية، بل أيضاً الفقراء الذين تعيق سياسات النظام الصارمة -التي تمنح الأولوية للقطاعات العسكرية والنووية على حساب رفاه المواطنين- كفاحهم اليومي من أجل حياة كريمة. ووفقاً لصحيفة شرق الصادرة في طهران، فإن القدرة الشرائية للطبقة العاملة في إيران اليوم لا تتجاوز ثلث ما كانت عليه قبل عشر سنوات. ثالثاً، ورغم عدم توفر أرقام دقيقة، تشير شهادات شهود العيان إلى أن حجم الحشود هذه المرة تجاوز ما شهدته الاحتجاجات السابقة. ورابعاً، على الرغم من أن الاحتجاجات اندلعت في البداية لأسباب اقتصادية، فإن تركيزها سرعان ما تحوّل إلى الدعوة إلى إسقاط النظام نفسه.
وأخيراً، تأثر المزاج العام لهذه الانتفاضة بنزاع الاثني عشر يوماً مع إسرائيل العام الماضي، وهو ما عزّز الاعتقاد بأن ضربة خارجية محددة -ولا سيما أميركية- قد تقطع رأس النظام وتفتح ربما أفقاً سياسياً جديداً لإيران. وقد اكتسبت هذه الفكرة زخماً لدى شريحة معتبرة من السكان، وتروّج لها بنشاط الحركة الملكية بقيادة رضا بهلوي، الابن المنفي للشاه الذي أُطيح به في 1979. وبات بهلوي يحظى الآن بدعم غير مسبوق، وأصبح للمرة الأولى القوة الأبرز داخل صفوف المعارضة. غير أنه، بخلاف حركة «المرأة، الحياة، الحرية» التي حظيت بدعم واسع من مختلف المجموعات الإثنية، شهدت هذه الانتفاضة مشاركة أكثر محدودية من جماعات مثل الأكراد والبلوش والأذريين والعرب، إذ ابتعدت هذه المجموعات عن الاحتجاجات بعدما رأت هيمنة مجموعات ملكية عليها.
اكتسب بهلوي حضوراً غير مسبوق في الأشهر الأخيرة. فقد سُمعت شعارات «عاش الشاه» في إيران كما في أوساط الشتات، ويقول مؤيدوه إنه الشخصية الأكثر حظياً بالدعم بوصفه مرشح «الوحدة». كيف تنظر إلى هذه الادعاءات؟ وكيف يندرج بهلوي وحركة «لنجعل إيران عظيمة مجدداً» ضمن المشهد الأوسع لليمين المتطرف في العالم؟
لا شك في أن التيار الملكي أصبح، للمرة الأولى، قوة معارضة مهيمنة. فعلى مدى العقد الماضي، وبفضل دعم مالي ولوجستي كبير -ولا سيما عبر قناتين تلفزيونيتين- بُذلت جهود منسقة لتصوير استعادة عهد بهلوي بوصفها بديلاً قابلاً للتطبيق للنظام القائم. وقد برز بهلوي كشخصية معروفة ذات مشروع واضح، في وقت يبحث فيه كثير من الإيرانيين بلهفة عن بديل ملموس. كما نسج علاقات مع مسؤولين أميركيين ومع حكومة نتنياهو. وفي المقابل، قدّمت الحكومة الإسرائيلية دعماً إعلامياً كبيراً أسهم في تضخيم شعبية المشروع الملكي.
ومع تصاعد هذا الزخم، لم يأخذ اليسار المنقسم بشدة، ولا الليبراليون ولا الديمقراطيون ولا الجمهوريون، بهلوي على محمل الجد. وفي الوقت نفسه، أخفقوا في التوحد حول مشروع ديمقراطي، كما لم يولوا الاهتمام الكافي لجهود شخصيات مثل رئيس الوزراء السابق مير حسين موسوي، الذي كان يسعى إلى إطلاق حركة تدعو إلى انتقال ديمقراطي. وفي النهاية، صعد التيار الملكي ليملأ هذا الفراغ.
لكن هيمنة بهلوي، بقدر ما هي مصدر قوة، تمثل نقطة ضعف أيضاً. فبدلاً من «توحيد» صفوف المعارضة المتنوعة، أسهم صعوده في تعميق الانقسامات بينها. وبسبب افتقاره إلى بنية سياسية داخل إيران، ورفضه بناء تحالفات مع جماعات معارضة أخرى مثل اليسار والجمهوريين، اعتمد إلى حد كبير على الدعم الخارجي، ولا سيما من الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع أن كثيراً من الإيرانيين قد يؤيدون تدخلاً خارجياً بدافع اليأس، فإن فصائل مهمة تُعارض التدخل العسكري كما تُعارض المشروع الملكي، بالنظر إلى العواقب المدمرة للتدخلات الأميركية في العراق وسوريا وليبيا.
ونتيجة لذلك، ما تزال المعارضة منقسمة بعمق. فكثير من القواعد الاجتماعية -بما في ذلك الليبراليون والديمقراطيون واليساريون وجماعات النساء والمجتمعات المهمَّشة مثل الأكراد والأذريين والبلوش وسكان جنوب خوزستان- لا تصطف إلى جانب بهلوي. يعود هذا الموقف إلى مخاوف من عودة نظام ملكي استبدادي، كما يعود إلى القلق من اعتماده على الولايات المتحدة وإسرائيل. أما الملتزمون بالحكم الديمقراطي فكثيراً ما يشككون في قدرة التيار الملكي أو استعداده لاستبدال النظام القمعي القائم بنظام سياسي ديمقراطي حقيقي.
مع ذلك، أوجد شعورٌ متزايد باليأس قاعدةً اجتماعية تريد ببساطة تفكيك النظام القائم، بغضّ النظر عمّا قد يحلّ محلّه. وعلى مدى سنوات أظهر الإيرانيون شجاعة هائلة وبذلوا تضحيات استثنائية وهم يطالبون النظام بأن يقدّم ولو قدراً ضئيلاً من الديمقراطية والعدالة. لكن النظام رفض أن يتحرك قيد أنملة. واليوم يتساءل كثير من الإيرانيين: ماذا يمكننا أن نفعل غير ذلك للتخلص من هذا النظام الجائر؟ يعتقد عدد متزايد منهم أن بهلوي، بل وحتى تدخلاً عسكرياً أميركياً، قد يفتحان أفقاً لاختراق سياسي. وكثيرون يشعرون بأن أيّ بديل، أياً كان، سيكون أفضل من هذا النظام.
وقد استثمر الملكيون هذا الشعور، إذ يعملون من دون أن يقيّدهم ما يسميه عالم السياسة دانيال ريتر «القفص الحديدي لليبرالية». كما أن الصعود العالمي للحركات المناهضة للديمقراطية جعل من الأسهل عليهم تبنّي نزعتهم السلطوية. وعلى خلاف الشاه المخلوع، الذي كان مضطراً إلى إظهار قدر من الالتزام بحقوق الإنسان والديمقراطية كي ينسجم مع النظام العالمي الليبرالي، فإن الملكيين اليوم وحلفاءهم الدوليين لا يكتفون بتجاهل هذه القيم، بل يهاجمون أيضاً من ينادون بالقيم الجمهورية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
بالعودة إلى احتجاجات «دي» التي سبقت الضربات الأميركية-الإسرائيلية، زعمت السلطات الإيرانية أن مئات القتلى كانوا من أفراد قوات الأمن الذين قُتلوا على يد محتجين مسلحين. أشارت تقارير أيضاً إلى وجود عناصر مسلحة بين المتظاهرين ووقوع مواجهات من الجانبين. وفي الوقت نفسه، لمح بعض السياسيين في إسرائيل والولايات المتحدة إلى احتمال تورط الموساد. كيف تنظر إلى هذه المزاعم؟ وهل توجد أدلة على تلقي إيرانيين تدريباً من أطراف خارجية؟ وهل يمكن اعتبار المقاومة المسلحة مبرَّرة، وهل يُحتمل أن تنجح؟ وكيف ينبغي فهم التمرد المسلح في هذا السياق؟
نعم، زعمت الحكومة الإيرانية أيضاً أن مئات المساجد والبنوك ومبانٍ حكومية أخرى أُحرقت على يد «إرهابيين» و«عملاء للموساد» وعناصر أخرى مدعومة من الخارج. ومع أن التحقق من صحة هذه الادعاءات يبقى صعباً، تجدر الإشارة إلى أن السلطات، في كل انتفاضة تقريباً من الانتفاضات السابقة، دأبت على إلقاء اللوم على «عملاء أجانب» في تأجيج الاضطرابات.
من الممكن أن تكون بعض الجماعات المدعومة من الخارج قد شاركت في أعمال عنف، لكن حجم الاحتجاجات -التي امتدت إلى أكثر من 400 مدينة ونحو 900 موقع- كان أكبر من أن تكون هذه الأطراف القوة الرئيسية فيها. ويرى بعض المنتقدين داخل إيران، بينهم مسؤولون أمنيون سابقون، أن بعض حوادث الحرق، ولا سيما تلك التي استهدفت مساجد، نفذتها على الأرجح قوات الأمن نفسها في محاولة لاستفزاز رد فعل ديني ضد المحتجين. وقد استُخدمت تكتيكات مشابهة خلال الحركة الخضراء في 2009، حين وُضعت قنابل في ضريح آية الله الخميني؛ وهي عملية ألمح الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد لاحقاً إلى أنها كانت من تدبير الاستخبارات الإيرانية.
ومع ذلك، من المحتمل أيضاً أن بعض المحتجين، ولا سيما أولئك الذين لا يرون في المساجد أماكن للعبادة بقدر ما يرونها مراكز للقمع، قد لجؤوا إلى العنف، مثل إضرام النار في أحد المساجد. وقد أشارت تقارير إلى وقوع أعمال أكثر راديكالية، خصوصاً في الأحياء الأفقر. وكما قال أحد الشهود، جرت تظاهرات في نحو مئة منطقة في طهران، لكن أحياء مثل نازي آباد شهدت أعنف المواجهات.
إن شعور التخلّي والإهانة والاضطهاد لدى الفئات المهمَّشة قد يتحول، على نحو مفهوم، إلى أفعال انتقامية عندما تتاح الفرصة. ويمكنني أن أتفهم سخط أولئك الذين عاشوا عقوداً من الإذلال وانعدام الأمان تحت حكم استبدادي. لكنني أتساءل أيضاً عن مدى فاعلية هذه الراديكالية في تحقيق هدف التحرر من نظام لا يُظهر تردداً أخلاقياً كبيراً في ارتكاب مذابح جماعية. ففي مثل هذه الظروف يصبح دور القيادة حاسماً؛ إذ يتعين على القادة إظهار الحكمة وتوجيه الحركة نحو المسار الأجدى للعمل، مسار يقلل الكلفة ويزيد فرص النجاح.
تقدّر الحكومة الإيرانية عدد القتلى بنحو ثلاثة آلاف شخص، رغم أن شخصيات معارضة تقول إن العدد الحقيقي قد يكون أكبر بعدة مرات. كيف يقارن هذا المستوى من العنف بحالات القمع السياسي السابقة في إيران؟ وكيف تعتقد أنه سيؤثر في المجتمع؟
أفادت منظمة إيرانية لحقوق الإنسان، مقرها واشنطن العاصمة، بسقوط أكثر من 7000 قتيل واعتقال نحو 53000 شخص. إن عدد الضحايا -إلى جانب الصور المروعة لأكياس الجثث في المستشفيات والمشارح والشاحنات- صادم بالفعل، ويؤكد وقوع حملة عنف منهجية نفذتها قوات الأمن وميليشيات الباسيج، التي قيل إنها استخدمت الفؤوس والسواطير، فضلاً عن أسلحة حربية، بما في ذلك قناصة تمركزوا فوق المساجد والمستشفيات ومراكز الشرطة.
لقد ارتكب النظام عمليات قتل جماعي من قبل، ولا سيما في السنوات التي سبقت نهاية الحرب الإيرانية-العراقية، حين أُعدم آلاف السجناء، وكان معظمهم من أعضاء منظمة مجاهدي خلق ومنظمات يسارية. غير أن القتل الجماعي الأخير للمدنيين خلال ليلتين فقط يُعد أمراً مختلفاً تماماً. وتشير التقارير إلى أن غالبية الضحايا من الشباب، ومن بلدات صغيرة، ومن أسر منخفضة الدخل.
لقد خلّف ذلك صدمة وطنية يُرجَّح أن تستمر آثارها زمناً طويلاً. ويسمّي الإيرانيون ما حدث «خطاً أحمر» جرى تجاوزه، ويعتقد كثيرون أن العلاقة بين الشعب والنظام لن تُرمَّم أبداً. مع ذلك، من المرجح أن يبرر النظام ما حدث استناداً إلى المبدأ الأيديولوجي القائل إن حماية الدولة الإسلامية هي الواجب الأول والأعظم («أوجب الواجبات»).
على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، كرر خامنئي مراراً أن هدفه هو الحيلولة دون تحوّل إيران إلى بلد مثل سوريا التي مزقتها الحرب، معتبراً أن ذلك هو ما تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل. وقبل بضع سنوات ردّ المعارض المسجون مصطفى تاج زاده على ذلك بقوله: «كنا نخشى أن تصبح إيران مثل سوريا التي دمّرتها الحرب. لم يحدث ذلك. لكن حزب البعث أصبح النموذج لنظامنا الحاكم». كيف تنظر إلى هذه الادعاءات المتقابلة بشأن «سَورَنة» إيران واحتمال اندلاع صراع أهلي أوسع؟
صحيح أن سياسات كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل هدفت إلى تحييد إيران، سواء عبر كبح نفوذها الإقليمي المتنامي أو وقف طموحاتها النووية. وإسرائيل، على وجه الخصوص، قد تفضّل رؤية إيران ضعيفة، بل حتى منقسمة. ولا يبدو أن أياً من هذين البلدين يهتم حقاً بنضال الشعب الإيراني من أجل مستقبل حر وديمقراطي. بل قد يفضّلان في الواقع بقاء نظام استبدادي في إيران، ما دام بالإمكان التلاعب به بما يخدم مصالحهما. وعلى الرغم من أن دونالد ترامب ووزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث زعما أن هدف الضربات الأميركية-الإسرائيلية هو «محو» البرنامج النووي الإيراني، وتدمير منظومة صواريخه، و«إبادة» بَحريّته، فإن الغاية الأوسع ما تزال غير واضحة. فإذا كان تغيير النظام هو الهدف، فكيف يُفترض أن يتحقق ذلك بالضبط؟
أما ادعاء خامنئي أنه حال دون تحوّل إيران إلى بلد مثل سوريا، فلطالما كان وسيلة لتشويه سمعة المعارضة الديمقراطية. فعندما اندلعت ثورات الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا والبحرين، أشاد خامنئي بـ«النهضة الإسلامية» بوصفها قوة تُسقط الديكتاتوريين، في وقت كان يقمع فيه معارضيه في الداخل. وعندما ثار السوريون ضد طغيان بشار الأسد، سارع النظام الإيراني وحلفاؤه إلى سحق الثورة، ما دفع سوريا إلى حرب أهلية مدمّرة، ولا سيما بعد تدخل الولايات المتحدة وقوى إقليمية أخرى. ولوجهة نظر تاج زاده وجاهة؛ ففي بعض الجوانب أصبح الحكم الديني في إيران مشابهاً للنظام البعثي في ممارسات المراقبة وقمع المعارضة الديمقراطية، وهو ما شهدناه في الانتفاضة الأخيرة. وبمعنى ما، شهدنا «سَورَنة» إيران، لا من حيث الصراع الأهلي، بل من حيث وحشية الحكم.
ومع ذلك، فإن هذه الوحشية ذاتها، إلى جانب تدخل الولايات المتحدة وإسرائيل، تنطوي على خطر إشعال صراع أهلي. فقد أدّى القمع العنيف الذي يمارسه النظام إلى إحباط كثير من المحاولات لإحداث تغيير حقيقي، ونتيجة لذلك بات كثير من الإيرانيين اليوم يائسين إلى حدّ البحث عن أي وسيلة لتفكيك النظام، حتى لو كان ذلك يعني الترحيب بتدخل عسكري أجنبي.
اندلعت الاحتجاجات الأخيرة، كما ذكرت، استجابةً لانخفاض مفاجئ في قيمة العملة وارتفاع التضخم وتدهور الظروف المعيشية للناس العاديين. وقد رأينا نقابات وجماعات عمالية ومنظمات طلابية تصدر بيانات دعم للاحتجاجات. ما هو وضع اليسار في إيران اليوم؟ وكيف شارك في الانتفاضة؟ وكيف ينظر الآن إلى مسألة الانتقال السياسي، وهل يمكنه تقديم بديل قابل للتطبيق؟
بحسب فهمي، كانت منظمات المجتمع المدني -بما في ذلك النقابات والجماعات العمالية- أكثر انخراطاً بكثير في حركة «المرأة، الحياة، الحرية» مما كانت عليه في الانتفاضة الأخيرة. فقد اتسمت الاحتجاجات الأخيرة بتركيز سياسي طاغٍ، بحيث تراجعت المطالب القطاعية، مثل حقوق العمال، إلى الخلفية أمام الدعوة الجماعية إلى تفكيك الجمهورية الإسلامية. وبسبب المراقبة الصارمة، فإن اليسار في إيران اليوم يتخذ شكل شبكة فضفاضة تضم جماعات طلابية وعمالاً ومعلمين وأكاديميين وناشطات نسويات وناشطين بيئيين، بينما لا تزال المنطقة الكردية وحدها تحتفظ بتقليد راسخ من التنظيمات اليسارية التي تواصل العمل على المستوى الإقليمي.
وخلال احتجاجات «دي» الأخيرة بدا أن اليساريين شاركوا أساساً بوصفهم أفراداً لا كجماعات منظمة. أما كثير من التنظيمات اليسارية في الشتات، وهي بقايا جماعات تشكّلت مباشرة بعد ثورة 1979، مثل فدائيي خلق أو حزب توده الشيوعي، فهي في الغالب ذات طابع سياسي مجرّد ولا تربطها صلة تُذكر بالقاعدة الشعبية داخل إيران. وتميل معظم هذه التنظيمات إلى أن تكون أقرب إلى أسلوب حياة أو هوية سياسية منها إلى حركة شعبية فاعلة على الأرض. ونظراً إلى انقساماتها العميقة، أشك في قدرتها على تقديم بديل سياسي قابل للحياة في الظروف الراهنة.
وبوجه عام، يظل اليسار اليوم جزءاً مما يُسمّى «الطريق الثالث»، الذي يعارض كلاً من النظام والتيار الملكي، وكذلك داعميهما الدوليين. كما يشعر اليساريون الإيرانيون بإحباط من اليسار الغربي، الذي يرون أنه يسيء توصيف الجمهورية الإسلامية بوصفها «مناهِضة للإمبريالية»، ويتجاهل النضالات الحقيقية للإيرانيين العاديين الساعين إلى الكرامة والديمقراطية. وقد عبّرت محامية وناشطة من إيران مؤخراً عن غضبها من تجاهل اليسار الأميركي لمعاناة الفقراء الإيرانيين، فقالت: «يا عمال إيران وكادحيها، بينما تنزف أجسادكم المعذبة على إسفلت الشوارع البارد، اعلموا أن اليسار العالمي وقادته، مثل جوديث باتلر وجيجيك وغيرهما، لم يروا في أكياس جثثكم ما يستحق ذرف الدموع، مثلما رأوا في غزة». هذا موضوع يحتاج إلى نقاش جاد.
يجادل كثير من أنصار التدخل الخارجي بأن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يأتي من داخل إيران. كيف ترد على هذا القول؟ وهل يمكن أن يحدث التغيير من داخل المجتمع الإيراني؟ وأين ترى بوادر للأمل؟
هذا قلق حقيقي وسؤال بالغ الأهمية. والحقيقة أن الجمهورية الإسلامية ليست سلطوية بالطريقة نفسها التي كان عليها نظام الشاه قبل الثورة؛ فهي أقرب في طبيعتها إلى الأنظمة الشيوعية الإيديولوجية. لقد نشأ هذا النظام من ثورة 1979، وبنى منذ ذلك الحين مؤسسات موازية إلى جانب تلك التي ورثها من الدولة السابقة للثورة.
تشكّل هذه المؤسسات ما يمكن تسميته «الدولة العميقة»، التي تعمل تحت سلطة المرشد الأعلى، وهو غير خاضع للمساءلة أمام هيئات منتخبة مثل الرئاسة أو البرلمان، علماً بأن هذه الهيئات نفسها تخضع لتدقيق ورقابة صارمين. ومع مرور الوقت، أنشأ النظام «شعبه» الخاص، أي ما يشبه طبقةً موالية له، وهي أقلية تتكوّن في معظمها من عائلات أعضاء الحرس الثوري، وميليشيات الباسيج، وموظفي الدولة، والقائمين على عدد لا يحصى من المنظمات والمساجد والمزارات والمؤسسات الخيرية. وتستفيد هذه الجماعات سياسياً واقتصادياً من ولائها للنظام، ولذلك يُرجَّح أن تدافع عنه، وربما بالقوة، في مواجهة معارضة واسعة. ومع ذلك، تُظهر أمثلة تاريخية للأنظمة الأيديولوجية، ولا سيما في أوروبا الشرقية، أن مثل هذه الأنظمة غالباً ما «تشيخ»، فتفقد شرعيتها وتبدو كأنها منتهية الصلاحية، قبل أن تغيّر مسارها في النهاية عبر قدر من التحرر الجزئي يسبق انهيارها. ويمكن لمعارضة جماهيرية مستمرة وقوية أن تُسرّع هذه العملية الطويلة.
غير أن ثمة احتمالاً آخر: انتقال ديمقراطي أقل كلفة عبر «ثورة تفاوضية»، وهو ما كتبتُ عنه في مواضع أخرى. ويتطلب ذلك عدة عناصر أساسية. أولاً، استمرار النضالات والمقاومة الشعبية داخل المجتمع المدني، بما يشمل دعم «اللا-حركات»، وتنظيم التجمعات والجماعات والجمعيات والحركات الاجتماعية، على نحو يُبقي المجتمع نشطاً سياسياً وحيوياً ومنخرطاً في الشأن العام. ثانياً، إطلاق حملة فكرية وخطابية تتمحور حول مشروع الانتقال إلى نظام ديمقراطي، بما في ذلك الدعوة إلى إجراء استفتاء وتأسيس جمعية تأسيسية لتحديد البنية السياسية المستقبلية للبلاد. ويتبنى هذه الرؤية ما يُعرف في إيران بـ«گذرطلبان» (الانتقاليين)، بقيادة موسوي، رئيس الوزراء الأسبق الموضوع حالياً تحت الإقامة الجبرية. وبالتوازي مع ذلك، من الضروري بناء المنظمات وربطها ببعضها، عبر وصل الدوائر والجماعات المتفرقة الساعية إلى الديمقراطية داخل إيران وخارجها، في ما يشبه جبهة ديمقراطية. وأخيراً، ينبغي ممارسة ضغط متواصل على النظام، الذي يعاني أزمة عميقة، لدفعه إلى التفاوض حول عملية الانتقال.
وما عرضته هنا ليس سوى إطار استراتيجي عام يحتاج إلى مزيد من التفصيل، سواء في تحديد العقبات أو في إيجاد حلول عملية لها. لكن دعني أتناول سؤالاً شائعاً: لماذا قد تنخرط حكومة في مفاوضات قد تقود إلى نهايتها؟ إنه سؤال مشروع؛ فلا نظام يتنازل طوعاً عن السلطة ما لم يُجبر على ذلك. فحكّام نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، أو بولندا الشيوعية، أو تشيلي في عهد بينوشيه، لم يرغبوا هم أيضاً في التخلي عن السلطة، لكنهم وجدوا في النهاية أنه لا خيار أمامهم. «الثورة التفاوضية» تنطوي على الاستعداد لمثل هذه اللحظة: لحظة تبدأ بتهيئة فكرية وبناء خطاب مشترك وواسع المعنى حول الانتقال الديمقراطي، وتبلغ ذروتها في انتفاضات جماهيرية حين يبدأ النظام القائم في التصدع.
وحتى هذه اللحظة، لم تصل إيران بعد إلى تلك المرحلة. لكنها تبقى رؤية ينبغي أخذها على محمل الجد.
-
