
لا تعيش تركيا أفضل أيامها وهي تراقب إعادة ترتيب المنطقة على جبهتين متزامنتين: جبهة الممرات التي تعيد توزيع الاقتصاد والربط بين آسيا وأوروبا، وجبهة الحرب التي تعيد توزيع القوة والشرعية الأمنية وقد تُفضي إلى إعادة صياغة الجغرافيا السياسية نفسها. والنتيجة في أنقرة ليست “قلقًا” بل إحساسًا أشد قسوة: أن هناك من يحاول أن يجعلها مرةً بلدًا يمكن تجاوزه، ومرةً أخرى خصمًا يمكن تحويله بسهولة إلى عدوّ مكتمل الشروط.
الممر الذي يمرّ من فوق تركيا لا عبرها: IMEC
الممر الاقتصادي الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC) طُرح بوصفه رهانًا مدعومًا أميركيًا–أوروبيًا لتعزيز الربط وتقليل الاعتماد على مسارات تُقرأ في الغرب ضمن نفوذ الصين أو ضمن منطق “الحزام والطريق”. لكن ما يهم تركيا ليس اللغة الدبلوماسية الجميلة، بل الخريطة: مسار يربط الهند بالخليج، ثم يعبر نحو شرق المتوسط وأوروبا، في صيغة تضع أنقرة خارج “الخط السريع” الجديد أو على هامشه.
لذلك لم يتأخر أردوغان في الردّ بعبارته الفاقعة: “لا ممرّ من دون تركيا”، معتبرًا أن مشروعًا يتجاوزها “لن يعمل”. هذه الجملة ليست مناكفة؛ إنها تعريف للمسألة كما تراها أنقرة: IMEC ليس مشروع نقل فقط، بل مشروع لإعادة تعريف من هو “الجسر” ومن هو “الهامش”، ومن يمتلك “حق المرور” الذي يتحول تلقائيًا إلى نفوذ سياسي.
الرد التركي: “طريق التنمية” ضرورة دفاعية قبل أن يكون بديلًا اقتصاديًا
عندما تشعر دولة أنها تُستبعد من شبكة، لا تُراهن على حسن النوايا؛ تبني شبكة مضادة. من هنا جاء “طريق التنمية” (العراق–تركيا–أوروبا) كاستجابة سياسية قبل أن يكون استجابة هندسية: ممرٌ يُراد له أن يبدأ من الجنوب العراقي (البصرة/الفاو) ويصل إلى تركيا ثم أوروبا، وقد اكتسب دفعة رسمية مع زيارة أردوغان إلى بغداد عام 2024 وتوقيع تفاهمات مرتبطة بالمشروع.
المغزى هنا أن أنقرة لا تريد أن تُقرأ كطرف “يُستوعَب” في ممرات الآخرين؛ بل كطرف يفرض معادلة: إن تجاوزتموني سأصنع طريقًا يمرّ بي. لذلك قرأت مراكز بحث غربية المشروع بوصفه ردًّا تركيًا-عراقيًا على IMEC ومحاولة لتثبيت “المركزية الجيو-اقتصادية” لتركيا في لحظة تتسارع فيها إعادة توزيع العقد.
الترجمة السياسية قاسية وبسيطة: المنطقة تُدار كشبكة. موانئ ومعابر ومحطات طاقة وسكك وكابلات وخطوط أنابيب ومراكز لوجستية؛ أي “العُقد” التي يتجمّع عندها المرور وتُدار منها الحركة. من يملك نقاط التحكم يملك النفوذ. وقسوتها على تركيا أن الشبكات الجديدة تُبنى بحيث تقلّ حاجتها إلى المرور عبرها، فتخسر “حقّ العبور” الذي كان يمنحها وزنًا تلقائيًا، وتتحوّل من بوابةٍ إلزامية إلى خيارٍ من بين خيارات، أي من مركزٍ يصعب تجاوزه إلى طرفٍ يمكن الالتفاف حوله. وهنا تحديدًا تبرز إسرائيل، في بعض التصوّرات الجديدة للربط الإقليمي، كـَ “عقدة مركزية” يُراد لها أن تصل الهند بالخليج بشرق المتوسط فأوروبا، بما يضاعف حساسية أنقرة تجاه أي هندسة تُعيد توزيع النفوذ من دونها.
الحرب كرافعة: من الاقتصاد إلى الأمن… ومن الأمن إلى سردية العدو
في اللحظة نفسها، اندلعت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، ومعها ارتفعت كلفة “الحياد” في الإقليم. الحرب لا تغيّر خرائط القوة والسلاح فقط؛ بل تغيّر خرائط الاصطفاف والشرعية وتوزيع الأدوار. لذلك تسمع أنقرة تقول إنها تدفع نحو الدبلوماسية وأن التصعيد انتهاك للقانون الدولي، ليس لأنها لا تفهم حجم القوة الأميركية–الإسرائيلية، بل لأنها تفهم أن الحرب الطويلة تُنتج نظامًا إقليميًا جديدًا يُصاغ من دونها أو ضدّها.
وعندما يصبح الأمن شرطًا للممرات، تصبح الممرات جزءًا من الأمن. هنا تلتقي “حروب الممرات” مع “حروب التهديدات”: ممرٌ يحتاج مظلة، والمظلة تحتاج تعريفًا للخصم، وتعريف الخصم قد ينتهي بتحويل دولٍ بعينها إلى “مشكلات” يجب ضبطها لا شركاء يجب إدماجهم.
في هذا السياق يضيف وزير خارجية تركيا بعدًا أكثر صرامة إلى إدراك بلاده: في ميزان القوى المعاصر لا يكفي أن تختار موقفًا سياسيًا؛ عليك أن تمتلك شروطه المادية. رسالته الضمنية واضحة: من يفكر في صدام مفتوح مع أميركا وإسرائيل وهو عاجز عن تحييد تفوقهما الجوي أو حرمانهما من حرية العمل في السماء، إنما يذهب إلى مغامرة خاسرة سلفًا. لذلك تبدو الدبلوماسية في الخطاب التركي ليست “ترفًا” ولا “تجميلًا”، بل خيارًا دفاعيًا هدفه منع الحرب من التحول إلى آلية تُفرض بها خرائط الأمن الجديدة -ومن ثم خرائط الربط الجديدة- على حساب أنقرة.
“تركيا هي إيران الجديدة”: حين يُسوَّق الخصم قبل إغلاق الملف
هنا يدخل عامل لا يجوز أن يمرّ كتصريح عابر. في منتصف فبراير/ شباط 2026 حذّر نفتالي بينيت علنًا من “تهديد تركي جديد”، وذهب إلى حد القول إن “تركيا هي إيران الجديدة”، واصفًا أردوغان بأنه “محنّك وخطِر” ويسعى إلى “تطويق إسرائيل”.
هذه ليست بلاغة انتخابية فحسب؛ إنها بروفة تعريف خصم: نقل ثقل “التهديد الوجودي” من إيران إلى تركيا، أو على الأقل فتح الباب أمام ذلك. وعندما تُفتح هذه البوابة في خطاب إسرائيلي، يتغير حساب أنقرة تلقائيًا في ثلاثة اتجاهات: تدويل الاحتكاك، تضييق هامش المناورة، وإعادة رسم موقع تركيا داخل منظومة الأمن الإقليمي من لاعب صعب إلى خصم محتمل يجب تحجيمه.
ويزداد هذا الميل وضوحًا حين تُرفَق اللغة الخطابية بمحاولات “تأسيس” سياسية في الإعلام الغربي. ففي مقال بعنوان “الحاجة الملحة إلى احتواء تركيا” في وول ستريت جورنال، يجادل برادلي مارتن بأن إضعاف إيران أو تحييدها بفعل الحرب قد يخلق فراغًا في ميزان القوى، وأن تركيا قد تسعى إلى ملء هذا الفراغ على نحو يشبه ما فعلته إيران في العراق بعد 2003. ويقترح منطقًا واحدًا: تحييد إيران لا يكفي؛ ينبغي منذ الآن منع تركيا من أن تصبح القوة الإقليمية التالية الأكثر قدرة على ملء الفراغ أو إرباك التوازن.
في المشهد، ممرات تُصاغ بحيث تتجاوز تركيا، وحرب تُسرّع إعادة توزيع القوة، وخطابات تُمهّد لتحويل تركيا إلى “تهديد تالٍ”. عندما تتراكم هذه المستويات، يدخل البلد “المنطقة الرمادية”: لا هو مُستبعد بالكامل ولا هو مُدمج بالكامل، بل في موقع يُطلب منه دائمًا أن يثبت أنه لا يزال ضروريًا، بالاقتصاد مرة وبالردع مرة أخرى.
وهنا يصبح أي حادث في البحر أو السماء أو عبر الوكلاء قادرًا على تحويل النقاش من “ممرات وتجارات” إلى “عتبات واشتباك”.