عصام حوج .. كاتب سوري
أثار الحديث عن دعوات لانخراط كرد إيران في أي حرب محتملة على إيران موجة من النقاش داخل الفضاءين السياسي والإعلامي الكردي. وقد كشفت هذه النقاشات عن تباين واضح داخل النخبة الكردية، يمكن اختزاله في اتجاهين رئيسيين في الخطاب القومي الكردي المعاصر.
الاتجاه الأول يمثله تيار واسع نسبياً داخل النخبة السياسية الكردية الرسمية، وهي نخبة تحمل في ذاكرتها السياسية تجربة طويلة ومعقدة مع الولايات المتحدة. لذلك يبدو خطاب هذا التيار أكثر حذراً وأقرب إلى الواقعية السياسية؛ فهو يتجنب الاندفاع نحو الانخراط المباشر في صراعات إقليمية كبرى، ويفضّل إبقاء الخيارات مفتوحة بانتظار اتضاح اتجاهات الصراع.
غير أن هذا الصوت، رغم طابعه الرسمي نسبياً، يكاد يضيع في ضجيج الفضاء الرقمي، حيث تعمل جيوش «الذباب الإلكتروني» وبعض منصات إعلام التفاهة على تضخيم الاتجاه الآخر الأكثر شعبوية. هذا الاتجاه لا يرى مانعاً من الاستجابة للطلب الأمريكي، بل يسعى إلى ترويج فكرة أن اللحظة التاريخية الحالية قد تفتح الباب أمام دور كردي حاسم في أي مواجهة مع إيران.
ويمثّل هذا الخطاب بعض الإعلاميين الذين لا يملكون، في الغالب، سوى خطاب استعراضي يقوم على تضخيم القدرات وصناعة الأوهام السياسية الموجهة إلى الرأي العام الكردي. ومع ذلك، يحاول هؤلاء هذه المرة إضفاء مسحة من الواقعية على خطابهم عبر الحديث عن ضرورة الحصول على ما يسمّى «ضمانات أمريكية».
غير أن هذا النقاش، في جوهره، لا يتعلق بمسألة تكتيكية عابرة، بل يعيد طرح سؤال أعمق بكثير:
هل تغيّرت فعلاً طبيعة العلاقة بين الحركة الكردية والقوى الدولية، أم أن ما يجري اليوم ليس سوى إعادة إنتاج لرهانات قديمة ثبت فشلها مراراً؟
قرن من الرهانات الخاسرة
خلال أكثر من قرن من الزمن، وفي كل مرة راهن فيها الكرد على العامل الدولي لتحقيق اختراق تاريخي في قضيتهم القومية، كانت النتيجة النهائية تكاد تكون واحدة: خيبة جديدة ومأزق تاريخي آخر.
هذه ليست مجرد ملاحظة عابرة في سجل التاريخ السياسي، بل ظاهرة متكررة تكاد ترقى إلى مستوى القاعدة. فالأمثلة على ذلك كثيرة إلى الحد الذي يجعل من الصعب العثور على حالات استثنائية تنقض هذا النمط.
وعندما تتكرر الظواهر في التاريخ السياسي بهذا الشكل المنتظم، فإن تفسيرها بسوء الحظ أو بالمصادفات يصبح تفسيراً ساذجاً. فالتاريخ، في نهاية المطاف، تحكمه قوانين موضوعية تتجاوز إرادة الفاعلين الفرديين.
ومن هنا يبرز السؤال المنطقي الذي ينبغي طرحه بوضوح:
هل ينبغي الاستمرار في التعامل مع هذه القضية بعقلية المقامرة السياسية — على طريقة «يا بتصيب يا بتخيب» — أم أن اللحظة قد حانت لفهم القواعد العميقة التي تحكمها والعمل في إطارها؟
معضلة ميزان القوى
السبب الجوهري في هذا النمط المتكرر من الخيبات يعود إلى طبيعة القضية الكردية نفسها. فهي، من حيث البنية والتكوين، ليست قضية دولة واحدة، بل قضية إقليم كامل تمتد عبر أربع دول رئيسية: تركيا وإيران والعراق وسوريا.
وهذا يعني أن أي تحول كبير في هذه القضية يمس مباشرة توازنات إقليمية حساسة. كما أن الجغرافيا التي تنتشر فيها القضية الكردية تقع في قلب واحدة من أكثر مناطق العالم تعقيداً في تقاطع المصالح الدولية.
وفي مثل هذا السياق يصبح من الصعب على أي قوة دولية أن تتعامل مع المسألة الكردية بمعزل عن حساباتها مع القوى الإقليمية الكبرى. ولذلك كان الوزن النسبي للكرد في الحسابات الدولية يتراجع، عند لحظات الحسم الكبرى، إذا ما قورن بأوزان الدول الإقليمية الفاعلة.
ولهذا السبب تحديداً لم تنظر الولايات المتحدة، في معظم مراحل تاريخها السياسي، إلى القضية الكردية باعتبارها مشروعاً سياسياً مستقلاً، بل بوصفها ورقة ضغط يمكن استخدامها في إدارة الصراعات الإقليمية أو في ابتزاز القوى المحلية عند الحاجة.
هل تبدلت المعادلة؟
يحاول بعض الخطاب السياسي اليوم إقناع الرأي العام الكردي بأن هذه المعادلة قد تغيرت، وأن ما يسمى «مشروع الشرق الأوسط الجديد» قد فتح نافذة تاريخية مختلفة، بحيث أصبحت واشنطن نفسها بحاجة إلى الدور الكردي.
لكن الوقائع القريبة لا تقدم أدلة كثيرة تدعم هذا التفاؤل. فما جرى لقوات سوريا الديمقراطية خلال السنوات الماضية، وما تبعه من خسائر بشرية ومآسٍ إنسانية — أقلها عشرات العائلات التي لا تزال حتى اليوم تجهل مصير أبنائها ممن فقدوا في دير حافر والرقة ودير الزور — يكفي لتذكير الجميع بحدود هذا الرهان.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد الأوسع تبقى ضرورية لفهم طبيعة المرحلة.
صراع دولي يتجاوز حدود الإقليم
ما يجري اليوم في شرق المتوسط وفي المنطقة عموماً ليس مجرد صراع إقليمي تقليدي، بل جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي نفسه.
العالم يعيش مرحلة انتقالية تتسم بتصاعد التنافس بين القوى الكبرى وازدياد مستويات الاستقطاب في العلاقات الدولية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية يصبح قانون ميزان القوى أكثر حضوراً وتأثيراً من أي وقت مضى.
ولهذا فإن قراءة المشهد انطلاقاً من الوقائع الميدانية المؤقتة، أو من زاوية قومية ضيقة، لا تسمح برؤية الصورة الكاملة، بل تقود غالباً إلى استنتاجات مضللة ومواقف سياسية مرتبكة.
بدعة «الضمانات الأمريكية»
أما الحديث عن «الضمانات الأمريكية» فيستحق، في الواقع، قدراً من التأمل قبل أي شيء آخر.
ففي عالم اليوم لم تعد هذه الضمانات تبدو راسخة حتى بالنسبة إلى أقرب حلفاء واشنطن. فالعلاقات عبر الأطلسي تمر بمرحلة غير مسبوقة من التوتر، وكثير من العواصم الأوروبية بات يتعامل بحذر متزايد مع الالتزامات الأمريكية.
وفي مثل هذا السياق يصبح السؤال مشروعاً:
كيف يمكن التعويل على ضمانات أمريكية لقضية شديدة التعقيد مثل القضية الكردية، في منطقة تمثل مسرحاً لتقاطع المصالح الدولية والإقليمية؟
والأرجح أن ما يفسره البعض بوصفه تعبيراً عن قوة أمريكية مطلقة قد يكون، في جانب منه، انعكاساً لقلق استراتيجي متزايد. فالتلويح المستمر بالقوة العسكرية لا يكون دائماً دليلاً على فائض القوة، بل قد يكون أحياناً تعبيراً عن تراجع أدوات النفوذ الأخرى.
نهاية الحروب: طاولة التسويات
التاريخ السياسي للحروب الكبرى يقدم درساً ثابتاً: الحروب نادراً ما تنتهي بانتصارات ساحقة، وغالباً ما تنتهي بتسويات سياسية تعيد توزيع النفوذ والمصالح بين القوى المتصارعة.
وعند لحظة التسويات هذه تبدأ عملية إعادة ترتيب الأوراق على الطاولة الدولية، حيث تتخلى القوى الكبرى عن بعض أوراقها مقابل مكاسب أكبر.
وهنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: أي الأوراق ستكون الأسهل للتضحية بها؟
في ميزان السياسة الدولية، حيث تُقاس الأوراق بوزنها الاستراتيجي، تبدو الإجابة — للأسف — أقل تعقيداً مما يود البعض الاعتقاد.
فمقارنة بالأوزان الإقليمية الكبرى، تبقى الورقة الكردية في كثير من الأحيان الأكثر قابلية للاستخدام… والأكثر قابلية للتخلي عنها في اللحظة المناسبة.
أي شرق أوسط يُراد للمنطقة؟
إن ما يسمى «الشرق الأوسط الجديد» لا يبدو، في كثير من تجلياته، مشروعاً لبناء دول قوية ومستقرة، بقدر ما يبدو مشروعاً لإعادة تفكيك المنطقة إلى فسيفساء من الكيانات الهشة، والصراعات المفتوحة، والاقتصادات المنهوبة. شرق أوسط تتقاتل فيه أشباه الدول، وتُستنزف فيه الشعوب، بينما تُدار الفوضى من بعيد تحت عناوين براقة مثل «إعادة الاستقرار» و«إعادة بناء النظام الإقليمي».
وفي مثل هذا السياق يصبح الاعتقاد بأن هذا المشروع سيقود تلقائياً إلى اختراق تاريخي للقضية الكردية أقرب إلى وهم سياسي منه إلى قراءة واقعية لموازين القوى.
فالسياسة الدولية لا تُدار بالعواطف، ولا بالأماني القومية، بل بحسابات المصالح الصلبة. وفي هذه الحسابات لا مكان للرومانسية السياسية، ولا للوعود المجانية، ولا لـ«الضمانات» التي تُمنح اليوم وتُسحب غداً عندما تتغير الحسابات.
الخيار الواقعي أمام الكرد لا يكمن في الرهان الدائم على الخارج، بل في العمل مع قوى التغيير داخل شعوب المنطقة لبناء شرق أوسط جديد فعلاً — شرق أوسط يصنعه أبناؤه، ويقوم على الاعتراف المتبادل ووحدة المصير بين مكوناته، وعلى بناء دول حديثة تقطع مع الاستبداد والتبعية والشوفينية والانعزال في آن واحد.
أما من يتخيل أن اللحظة التاريخية ستمنحه تاجاً على رقعة الشطرنج الشرق أوسطية، فعليه أن يتأمل قواعد اللعبة جيداً.
في هذه الرقعة لا يُسمح بظهور ملوك جدد.
الجميع بيادق… تُحرَّك عند الحاجة، وتُضحّى بها عندما تقتضي الحسابات. وهذا بالضبط ما تقوله تجارب القرن الماضي، وما يعلنه أصحاب المشروع جهاراً نهار.اً