ليست المشكلة في القصف المتكرر على إقليم كُردستان بوصفه حادثاً أمنياً عابراً، بل في الوظيفة السياسية التي يراد تحميلها له، فحين تتكرر الضربات على أربيل ومحيطها وحقولها ومنشآتها الحيوية، لا يبدو الأمر مجرد ارتداد جانبي للصراع الأميركي – الإيراني، بل محاولة واعية لإعادة تعريف موقع الإقليم داخل معادلة إقليمية لم يختر الانخراط فيها أصلاً، هنا لا يعود السؤال: من أطلق الصاروخ أو المسيَّرة فقط؟ بل: من يحتاج إلى تحويل كُردستان من مساحة توازن نسبي إلى ساحة اشتباك، ولماذا؟
القراءة الأرجح، أن ما يجري لا يندرج في إطار ردود فعل عسكرية معزولة، بل في سياق سعي منظم لخلط الأوراق بين هدفين متداخلين: الضغط على الولايات المتحدة عبر بيئة وجودها ومصالحها في الإقليم، ومعاقبة كردستان لأنه ما زال يمثل، داخل عراق مضطرب، نموذجاً مختلفاً في الأمن والاستثمار والانفتاح؛ ولهذا اتسعت الأهداف من محيط المطار والقواعد والمقار الدبلوماسية إلى البنية الاقتصادية نفسها؛ حقول النفط والغاز، ومراكز الطاقة، وأبراج الاتصالات، وأحياناً مرافق مدنية وخدمية، وحين ينتقل الاستهداف من الرمزية العسكرية إلى شرايين الاقتصاد، فإنَّ الرسالة تصبح أوضح: المقصود ليس فقط توجيه إنذار إلى واشنطن، بل خنق نموذج استقرار يراد له أن يفشل أو يبقى هشّاً وقابلاً للابتزاز.
ومن هذه الزاوية، يصعب قراءة معظم الضربات بوصفها مبادرات منفلتة أو ردوداً عفوية؛ فالمؤشرات المتراكمة توحي بأن عدداً كبيراً منها يرتبط بفصائل محلية مسلحة تدور في الفضاء الولائي الموالي لإيران، أو تعمل من مناطق خاضعة لنفوذها السياسي والأمني في الوسط والجنوب، وكذلك في كركوك وسهل نينوى وجنوبه المتاخم للإقليم، ولا يعني ذلك أنَّ كل حادثة موثقة قضائياً باسم جهة محددة، لكن نمط الأهداف، وجغرافيا التهديد، وصدور أكثر من إشارة رسمية عراقية في بعض الحالات إلى معرفة المنفذين من دون أن يعقب ذلك ردع حاسم، كلها تجعل فرضية الضلوع المنظم لتلك الفصائل أقرب إلى التفسير السياسي من فرضية «الجهات المجهولة»، فالذي يملك القدرة على الضرب المتكرر، ويجد لنفسه غطاءً سياسياً يمنع محاسبته، لا يعود مجرد فاعل أمني، بل يتحول جزءاً من بنية قرار موازية للدولة، وهنا تحديداً تتضح الوظيفة الأعمق لهذا القصف، فهذه الفصائل ليست مجرد ذراع ميدانية في الاشتباك مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل هي أيضاً جزء من تيار سياسي متشدد يمتلك امتدادات برلمانية وحكومية ونفوذاً واسعاً في مفاصل القرار؛ لذلك لا يبدو استهداف كُردستان منفصلاً عن استخدام التوتر الخارجي لإعادة ضبط التوازنات الداخلية في بغداد، فكلما تصاعد الضغط الإقليمي، اتسعت حاجة هذا التيار إلى ساحات يثبت عبرها حضوره العسكري والسياسي معاً، وإلى خصوم داخليين يلوّح بهم أو يضغط عليهم، ومن هنا يصبح الإقليم، بحكم وضعه الدستوري المختلف، وعلاقاته الخارجية الطبيعية، ونجاحه النسبي في بناء بيئة أكثر استقراراً، هدفاً مثالياً لتلك الرسائل المركبة.
بل يمكن القول إن هذه الفصائل لم تعد تستخدم السلاح فقط لفرض إيقاعها الأمني، بل لتكييف الحياة السياسية العراقية نفسها، فتعطيل التسويات، وتأخير تشكيل الحكومات، وتعقيد انتخاب رئيس الجمهورية، والضغط على مسارات التفاهم بين بغداد وأربيل، كلها ملفات يصعب فصلها عن نفوذ هذا التيار الذي يجمع بين الوظيفة المسلحة والحضور البرلماني والامتداد داخل بعض مؤسسات الدولة، والأخطر من ذلك أن تأثيره لا يتوقف عند حدود «البيت الشيعي»، بل يمتد إلى استثمار الانقسامات داخل المكونين الكردي والسني أيضاً، فكلما ازداد الضغط الأمني على الإقليم، تراجعت قدرة النخبة الكردية على إدارة خلافاتها بهدوء، وازدادت قابلية الساحة الكردية للتجاذبات الخارجية، والأمر نفسه ينسحب على البيئة السنية في نينوى وكركوك ومحيطهما، حيث تتداخل هشاشة التمثيل مع النفوذ الأمني ومع الصراع على الجغرافيا والتمثيل والموارد.
لكن السردية التي تحاول تبرير هذا الإقحام تصطدم بحقيقة الموقف الكردي الرسمي المعلن والمتكرر، فإقليم كُردستان لم يعلن يوماً أنه جزء من الحرب الجارية، ولم تصدر عنه أي إشارة سياسية أو ميدانية توحي برغبته في تحويل أراضيه منصةً لاستهداف إيران، على العكس من ذلك، ظل الخطاب الرسمي في أربيل يؤكد أن الإقليم لا يريد أن يكون منطلقاً لأي تهديد ضد دول الجوار، وأنه يتمسك بعلاقات طبيعية مع إيران وتركيا وسوريا ضمن منطق المصالح المتبادلة والاستقرار الإقليمي، وهذا ليس موقفاً دعائياً طارئاً، بل هو خيار سياسي ثابت عبّرت عنه قيادة الإقليم في أكثر من مناسبة، كما أن هذا الموقف لم يبقَ في حدود التصريحات، بل ترافق مع التزام عملي بالتفاهمات الأمنية الخاصة بضبط الحدود ومنع استخدام أراضي الإقليم في أي عمل ضد إيران، فالاتفاق الأمني الإيراني – العراقي – الكردستاني بشأن إبعاد الجماعات الكردية الإيرانية المسلحة عن الشريط الحدودي لم يكن تفصيلاً ثانوياً، بل كان مؤشراً واضحاً على أن أربيل اختارت النأي بالنفس عن أي وظيفة هجومية، حتى وهي تستضيف معارضين ولاجئين إيرانيين في إطار إنساني وقانوني، وهنا ينبغي التمييز بين وجود معارضة سياسية أو لاجئين على أرض الإقليم، وبين وجود قرار كُردستاني رسمي باستخدامهم في حرب إقليمية، الفارق بين الأمرين جوهري، وأي خلط متعمد بينهما ليس سوى محاولة لتوليد ذريعة مسبقة لاستباحة الإقليم.
والأهم أن سجل الإقليم السياسي في السنوات الأخيرة لا يشي بوظيفة هجومية أصلاً، بل بدور وسطي معتدل، فقد سعت قيادة الإقليم، وخصوصاً الرئيس مسعود بارزاني، إلى دعم مسارات السلام في تركيا، وإلى تشجيع الحلول السياسية بدل الاحتراب، كما لعبت أربيل أدواراً معروفة في تخفيف التوترات المحيطة بالساحة السورية، ودعمت التفاهمات التي تقلل احتمالات الانفجار وتمنح المكونات، وفي مقدمتها الكُرد، فرصة للاندماج في ترتيبات أكثر استقراراً؛ ذلك يعني أن كُردستان لا يقدم نفسها باعتباره «خندقاً متقدماً» في محاور الصراع، بل بوصفه مساحة توازن ومصلحة في خفض الحرائق لا في توسيعها؛ لهذا فإنَّ السؤال الصحيح ليس: لماذا يُقصف كُردستان؟ بل: لماذا يُعاقَب حياده؟ فالذي يراد استدراجه إلى الحرب ليس طرفاً اختارها، بل طرف حاول البقاء خارجها، والضربات التي تطول منشآت الإقليم وفضاءه الاقتصادي لا تبدو، في هذا المعنى، رداً على دور قام به، بقدر ما تبدو ضغطاً عليه كي يتخلى عن دوره المختلف، أي أن يتحول من مساحة استقرار نسبي إلى جبهة أخرى في حرب الآخرين، أو على الأقل إلى ساحة رخوة تُستخدم لتبادل الرسائل وتصفية الحسابات.
إنَّ من يستدرج كُردستان إلى الصراع الأميركي – الإيراني لا يستهدف فقط وجوداً أميركياً هنا أو هناك، بل يستهدف معنى سياسيّاً أعمق: أن يبقى في العراق نموذج لا يحكمه كلياً منطق الميليشيا، ولا تنجح في إخضاعه رواية التخوين، ولا يُدار بالكامل بمنطق المحاور المغلقة؛ ولذلك فإنَّ الدفاع عن الإقليم هنا لا يبدأ من إدانة الصواريخ وحدها، بل من تفكيك الرواية التي تسبقها وتمهد لها: رواية تحويل الضحية طرفاً، والحياد تهمةً، والاستقرار استفزازاً، وحين تعجز الدولة عن ردع الميليشيا، يصبح من الطبيعي أن يتحوَّل الحياد نفسه هدفاً للنار.
