منصة آغورا
سياسة ..فكر ..فلسفة
شكلت مجازر الساحل ذات الطابع الإبادي ضد الطائفة العلوية في سوريا، لحظة تأسيسية تشبه الحد النهائي لهزيمة الثورة السورية…
ليس فشلها؛ فالثورة السورية فشلت منذ نهاية سنتها الأولى، بل هزيمتها الكاملة.. هزيمة كل وعودها، وبالتالي جميع مبادئها. الثورات تفشل، معظم الثورات في التاريخ انتهت نهايات فاشلة، لكن قليلة هي الثورات التي هُزمت جذورها، أو هُزمت بتلك الجذرية.
مجازر نظام الأسد ضد السنّة لم تكن أقل شأناً، وأخذت في عدد منها طابعاً طائفياً محضاً، ولكنها كانت ضمن سياق الثمن الكبير لأي ثورة ضد نظام ديكتاتوري طائفي متجذر ومتشعب في المجتمع والسياسة وفي الإقليم.
قبل مجازر الساحل، وعلى الرغم من كل مجازر النظام سابقاً، كان مازال يمكن الحديث عن شعب سوري، شعب ثار ضد نظام ودفع الجميع الثمن، الجميع فعلاً وليس قولاً، من كان معها ومن كان ضدها وحتى من كان خارجها..
أما بعد مجازر الساحل فلم تعد المسألة مسألة نظام من جهة وشعب من جهة أخرى، بل دخلنا في حالة انحطاط وانقسام وطني لم توجد له تسمية بعد.. فنحن لسنا حتى شعوباً بالمعنى السياسي، وربما سنرى في المستقبل بأثر رجعي، أن مجازر الساحل كانت بمثابة بداية تشكّل الشعوب السورية، لحظة انحطاط وهزيمة سوريا كدولة واحدة، اللحظة التحولية التي أعيد بعدها تشكيل الشعوب السورية، وبالتالي تشكيل سوريا ومن ثم الإقليم.. إعادة تشكيل سياسية موقّدة بقوة الكراهية المتبادلة والغضب المديد والرغبة الوحشية بالانتقام.
الأثر المعنوي والفكري للهزيمة السورية بعد مجازر الساحل، يشبه إلى حد كبير ذلك الأثر النفسي والفكري والسياسي البعيد الذي تركته هزيمة الـ 67 عند من كان فعلاً يفهم، أو جرّب أن يفهم، تلك الهزيمة وقتها..
حالة اليأس التي أصابت جيل كامل من مثقفي ومناضلي ذلك الزمن، تكثفت بالمعنى النفسي والفكري العميق في شخص وكتابات ياسين الحافظ، لكنها لم تكن مجرد حالة إحباط نفسي من واقع لا يشبه التوقعات.. بل هزيمة شاملة لكل التصورات والمبادئ والأفكار والقيم التي سادت عالم ما قبل هزيمة الـ67.
كل الأفكار والأحلام الوردية التي بناها الحافظ؛ وغالبية مفكري ذلك الزمن (وبعضهم لم يتخلص منها حتى اليوم) سقطت دفعة واحدة.. لم تسقط بوصفها مجرد أفكار، بل كأخطاء كليّة في فهم الواقع وفي التعبير عنه.. أفكار من قبيل الوحدة العربية، القومية العربية، الناصرية، الاشتراكية، الأمة العربية، الوطن العربي… الخ. بدت وكأنها أكثر الأفكار عجزاً عن فهم الواقع، رغم أنها الأفكار الأكثر انتشاراً وشيوعاً وتداولاً عند الجميع..
لم يخرج حياً من تلك الهزيمة؛ مثل العادة، إلا الإسلاميين.. فهؤلاء هم أبناء الهزائم، وصنّاعها الأكفّاء.
الدين السياسي هو ابن الهزيمة… وملجأ المهزومين.
لا أحد يعود سالماً من تديين السياسة، ولا أحد يذهب للتدين السياسي كحل نهائي قبل أن تهزمه الحياة… هذا في حال لم يولد مهزوماً.. مثلنا جميعاً.
لم تتوقف مجازر الساحل بعد عام على مرورها، بل تطبّعت في المجتمع والسياسة وباتت فعلاً يومياً للاستباحة وعدم المحاسبة؛ ولاسيما بعد أن رفدتها مجازر السويداء قبل أن تجفّ دماء الضحايا عن أيادي القتلة.
اللحظة النوعية الفارقة للهزيمة، والتي بدأت مع مجازر الساحل، لا يصح معها إلا عبارة قالها هايدغر قبل موته «إله وحده ينقذنا».