أكّدت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية، بعد إنكار في البداية مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي في الثامن والعشرين من فبراير، في بداية الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران، بعد تقارير سابقة من مصادر أمريكية وإسرائيلية أفادت بمقتله، وبعد أن بدت غريبة تهديدات الرئيس ترامب سابقاً. كان قد قال إنه يعرف بدقة مكان وجود خامنئي.
استمرّ خامنئي لما يقارب سبعة وثلاثين عاماً في مركزه: قائداً دينياً ودنيوياً، يحظى بسلطات منصوص عليها في الدستور والقوانين، مطلقة في النتيجة،
بصفته الوليّ الفقيه، كان نائباً عن الإمام الغائب «المهدي المنتظر» – من دون أن يكون معصوماً مثله رسمياً- يمارس في غيبته قيادة الأمة وإدارة شؤونها السياسية والاجتماعية والدينية والشرعية، بذلك يكون مكانه فوق السلطات كلّها.
تنص المادة 110 من الدستور الإيراني على مهام القائد وصلاحياته في أحد عشر بنداً، تتضمّن تعيين السياسات العامة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والإشراف على تنفيذ سياسات النظام، وإقرار الاستفتاء العام، وتعيين قيادة الجيش والحرس الثوري، وإعلان الحرب والسلم، وتنصيب أو عزل أعضاء مجلس صيانة الدستور، ومدير الإذاعة والتلفزيون، وتنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث، وحلّ خلافاتها، كما حلّ مشاكل النظام من خلال مجمع تشخيص مصلحة النظام، والتصديق على صلاحية المرشحين ثمّ على انتخاب رئيس الجمهورية، وغير ذلك!
ذلك مثال عن النظام الإيراني، يظهر أنه نظام ثيوقراطي، وأوليغارشية دينية، وثورية تعيش على تصدير ذاتها. كان المؤسس الأوّل لهذا النظام هو الراحل الإمام الخميني، لكنّ من عايشه ومارسه وطوّره أكثر كان خامنئي. الكارثة التي طرأت عليه في السنوات الأخيرة بسبب طموحاته وعقليته المغامرة، والحرب الحالية عليه، ربّما تكونان سبباً في مراجعته وإعادة النظر فيه، أو هزيمته الشاملة. تلك ظاهرة ربّما كان في جوهرها ما يمكن تسميته ـ مع التحفّظ – بمفهوم القائد المقدّس، الذي بلغ حدوداً متطرفة في إيران، لكنّ العالم عرف شبيهاً له في الماضي، وفي الحاضر، مثل هتلر، الذي أخذ شكل المخلص الذي اختارته العناية الإلهية لإنقاذ ألمانيا، ابتداءً من الاكتئاب العام بعد الحرب الكونية الأولى باتّجاه الإرهاب المرضيّ، حتى التعلّق بخشبة الخلاص، إلى التصميم الشامل على تيسير قيادة ألمانيا للعالم. كانت إيفا بيرون تسمّى أيضاً بالزعيمة الروحية للأمّة. استخدم بوتين بدوره وما زال، وبإرشاد دوغين، «الجغرافيا المقدّسة» في مسألة جزيرة القرم، ثمّ في الحرب والإلحاق مع أوكرانيا، ولم يقصّر في عجن القومية الروسية مع الأرثوذوكسية.
عندما تجتمع الثيوقراطية مع الأوليغارشية، يتكوّن مزيج خطر وحساس، يمكن استخدامه في توصيف أنظمة الحكم التي تستخدم «المقدّس» لتبرير سلطة وحكم وتغوّل القلّة
هنالك تأثير لسيد قطب – السنّي- على أفكار الخميني وخامنئي، وهنالك تجربة طالبان، وخلافة داعش، وحتى حكومة إدلب.. في سنواتها الأولى على الأقل.
لا بدّ أيضاً من المرور بهذه المناسبة على حالتين خاصّتين، وعلى صلة بموضوعنا وبالحرب الطاحنة الدائرة، هما نتنياهو ودونالد ترامب، من أجل الحقيقة والإنصاف. لا تحتاج الحالة الأولى إلى أكثر من تذكّر دور سموتريتش وبن غفير في حكومة نتنياهو، المؤثّر على سياساته بدرجة مهمة. والاثنان ينطلقان من فكر ديني متطرّف، لتبرير مواقف وسياسات في غاية العنصرية والعنف. إلّا أن نتنياهو لا يكتفي بذلك، فلطالما كان يستخدم التاريخ والترميز الديني لتبرير سياساته، وتصوير الحرب الراهنة كمعركة وجود تتصل بالأساطير المؤسسة. تكرّر حديثه عن قورش ملك فارس، الذي يعادل منقذاً في السردية اليهودية القديمة، حين سمح لليهود المنفيين بالعودة من بابل وبناء الهيكل الثاني. يصوّر بذلك أن العداء مع إيران لا ينسجم مع ذلك التاريخ، بل هو من صنع النظام الديني الحالي. كذلك يصوّر نتنياهو نفسه كدرع إسرائيل وحامي بقائها والوحيد القادر على مواجهة أعدائها. ثمّ يذكر مثال العماليق الذي تكرر في أسفار التوراة، وتكرّر في ستة منها على الأقل، ليشبّه الفلسطينيين والعرب بهم، وبمصيرهم الذي قضى به الله وهو، الفناء والإبادة ومحو ذكرهم، عقاباً لهم على غدرهم باليهود أثناء الخروج من مصر، بذلك يخاطب الناخب الإسرائيلي أيضاً، ليدفعه من خلال إيمانه إلى انتخابه وتكرار تجربته. وقد صاغ هو نفسه مصطلح « البيبية» إشارة إليه ذاته، وإلى فكره وسياساته الشعبوية، التي وصفها المحلّل السياسي أورييل أبولوف، بأنها نوع من الحصار في السياق الإسرائيلي السياسي، وقال إن تلك الأيديولوجيا ومؤيديها سلاح سامّ لتعزيز التحالفات السياسية.
أما دونالد ترامب، الذي استخدم مؤيدوه صوراً ترمز له مع السيد المسيح، لتعزيز جانبه الروحي. واستخدموا أيضاً ما يسمّى بلاهوت الوعاء، الذي يجعل منه أداة لتحقيق الإرادة الإلهية والخلاص، وتجاهل خلفيّته الشخصية التي تتعارض مع تلك المهمة للوهلة الأولى. هناك قطاع مهم من قاعدته الانتخابية في صفوف الإنجيليين والمحافظين ينظر إليه كزعيم مختار من الله، أو الملك الفارسي قورش، وقد تقمّصه في العصر الحديث، وحامي القيم المسيحية ومكافحة الليبرالية وإعادة بناء الأمة، أو» إعادة أمريكا عظيمة من جديد»، كما يقول شعاره الأثير.
وتلعب باولا وايت- كين دوراً مهماً في هذا التوجه لدى ترامب، وهي مستشارته أيضاً، هي قسيسة ومؤلفة ومستشارة روحية وواعظة تلفزيونية. ترأست المجلس الاستشاري الإنجيلي لحملته الرئاسية عام 2016. ثمّ ألقت الدعاء الافتتاحي في حفل تنصيبه رئاسته الأولى في يناير 2017، لتصبح بذلك أول امرأة من رجال الدين تُلقي دعاءً افتتاحياً. في نوفمبر 2019، عيّن ترامب وايت مستشارة خاصة لمبادرة الإيمان والفرص في مكتب الاتصال العام. وفي فبراير 2025، أعلن ترامب عن إنشاء مكتب البيت الأبيض لشؤون الإيمان، برئاستها.
لكنّ آية الله العظمى، الوليّ الفقيه، والمرشد الأعلى، وقائد الثورة الإسلامية، أكثر أهمية من هذا بالطبع، من حيث ظاهرة القداسة في القائد السياسي، وتجلّياتها أو انعكاساتها. فمن خصائص القائد من هذا الطراز، أن الأتباع قد ينظرون إليه كشخص معصوم من الخطأ، حتى لو قيل عكس ذلك؛ وينظرون إليه كوسيط بين عالم الروح وعالم المادة. وهم عملياً يمارسون عبادة الفرد أو الشخصية، على غرار العبادة الدينية وبدرجة تبجيلها وتنزيهها أيضاً.
عندما تجتمع الثيوقراطية مع الأوليغارشية، يتكوّن مزيج خطر وحساس، يمكن استخدامه في توصيف أنظمة الحكم التي تستخدم «المقدّس» لتبرير سلطة وحكم وتغوّل القلّة، أو الواحد. تحدث هذه الحالة عند تركّز السلطة في يد نخبة صغيرة من القادة الدينيين، الذين يحتمون بالحقّ الإلهي، ويصبح انتقادهم انتقاداً للإرادة الإلهية.
ويلعب التراتب الهرمي ـ المقدّس بدوره أو المشتقّ من المقدّس- دوراً في إعادة إنتاج السلطة والتسلّط، إضافة إلى التوسّع في مداها عن طريق تصدير «الثورة» إلى خارج الحقل الابتدائي. ويكون تأسيسه على «لاهوت التحرير» أحياناً، ممّا يجعل منه أيديولوجيا قادرة على الدفع بالناس إلى بذل أرواحهم من أجل القائد ونصره. قد يكون ذلك من بين أسباب تعلّق «بعض» اليسار والحركات الوطنية والإخوان المسلمين بتلك التجربة والإيغال في ذلك. لكنّ الواقع حولنا، والتجربة الإيرانية وكل التجارب الملحقة بها في «محور المقاومة»، يشير إلى ذلك بعنف صارخ. وبالعودة إلى مصطلح الوعاء والأداة الإلهية، يرى بعض النقاد أن النظام الإيراني قد قدّم نفسه كأداة ووعاء للمشروع الإلهي على الأرض. لكن، مع مرور الوقت رأى بعض الإيرانيين- خصوصاً من بين الشباب والنساء- أن الوعاء قد تهالك وأصبح مجرّد أوليغارشيا عارية، تبحث عن بقائها وتكريس حكمها، وأن من الممكن الثورة على النظام، مع نخب أكثر قدرة على التجديد والتطوّر والتنوير.. الثقافة الجديدة والسينما الإيرانية والقدرة على التظاهر بمئات الألوف، كلّها تثبت ذلك، مع الأسف لأن تكون بداية ذلك من حرب نتنياهو وترامب، وذلك حديث آخر أكثر تعقيداًِ، وانتشاراً.
فهل يمكن الانتقال إلى مرحلة جديدة، تختلف جزئياً أو كلّياً؟! تدلّ المؤشّرات المتواترة أثناء كتابة هذا المقال على أنّ ذلك صعب، خصوصاً بعد أن اتّضح ميل الحرس الثوريّ للمضيّ في خطّه والاستمرار في المواجهة، بالتفافه حول مجتبى الخميني واختياره وريثاً للمرشد الوالد.
كاتب سوري