ملخص
جاءت تصريحات غراهام في وقت تتزايد فيه المؤشرات على ضغط أميركي متجدد لحشد حلفاء المنطقة خلف الاستراتيجية الأميركية في الحرب التي تقف خلفها إسرائيل.
في خضم الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد الجدل القديم حول طبيعة العلاقة بين واشنطن وحلفائها في الخليج، بعدما وجه السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام انتقادات حادة للسعودية، متهماً إياها بعدم الدخول عسكرياً في المواجهة مع طهران، مثيراً بذلك موجة غضب وتعليقات واسعة في الأوساط الخليجية
وجاءت تصريحات غراهام في وقت تتزايد المؤشرات على ضغط أميركي متجدد لحشد حلفاء المنطقة خلف الإستراتيجية الأميركية في الحرب التي تقف خلفها إسرائيل، وهو ما يعيد للأذهان محاولات سابقة لواشنطن لحشد الدعم الدولي في نزاعات أخرى مثل الحرب في أوكرانيا.
وفي منشور عبر منصة “إكس”، قال غراهام إن “السفارة الأميركية يجري إخلاؤها في الرياض بسبب الهجمات المستمرة من إيران ضد السعودية”، معتبراً أن الرياض لا تستخدم قدراتها العسكرية بالصورة الكافية في مواجهة إيران، وأضاف متسائلاً بنبرة حادة “لماذا ينبغي لأميركا أن تعقد اتفاقاً دفاعياً مع دولة مثل المملكة،\ إذا كانت غير مستعدة للانضمام إلى معركة ذات مصلحة مشتركة؟”.
ومضى أبعد من ذلك حين لعب على وتر الخسائر البشرية ذات الحساسية أميركياً وخليجياً عندما أضاف “الأميركيون يموتون والولايات المتحدة تنفق مليارات الدولارات لإزاحة النظام الإيراني الإرهابي الذي يهدد المنطقة، بينما تبدو السعودية وكأنها تكتفي بإصدار البيانات والقيام بأمور في الخلفية ذات فائدة محدودة”، محذراً في ختام بيانه من عواقب قد تترتب على الموقف السعودي “إذا لم يتغير قريباً”، وقد أمرت واشنطن معظم موظفيها بمغادرة البلاد وليس فقط إخلاء السفارة، جراء ما قالوا إنه تهديد أمني بعد استهدافها بهجوم إيراني بداية الحرب خلّف أضراراً مادية.
تناقضات غراهام
على المستوى الشعبي أثار هذا الخطاب المتعالي سخطاً بين أوساط المدونين السعوديين الذين أمطروا السيناتور الأميركي بردود مشحونة بالوطنية وإظهار تناقضاته والتحدث باسم إسرائيل والحرص على خدمة أيدولوجيتها عوضاً عن الحرص على مصالح بلاده، لكن سياسياً بدا أن السجال لم يحفل بأي اهتمام، إذ لم يكن الوحيد من جانب الشخصية غريبة الأطوار، وهو الذي التقى قبل أسابيع فقط ولي عهد البلاد الأمير محمد بن سلمان وخرج يزكي مشروعه السياسي والتنموي في المنطقة، لكنه سريعاً ما نسي، وفق تعبيرات السعوديين، أن “تلك الرؤية التي أعرب عن إعجابها بها كانت في الجوهر قائمة على الاستقرار الذي تدفع إسرائيل بتقويضه في المنطقة”.
تأتي هذه التصريحات في سياق خطاب سياسي أميركي أوسع اتسم بالتشدد تجاه الحلفاء، فالرئيس دونالد ترمب نفسه وجه خلال الأيام الماضية انتقادات علنية لعدد من الشركاء ومن بينهم تركيا وبريطانيا بسبب مواقفهم المتحفظة من الحرب، في مثل التلميح على منصته “تروث سوشيال” إلى أن بعض الدول “تريد الاستفادة من الحماية الأميركية من دون تحمل مسؤولياتها”، في خطاب يعكس نزعة متنامية داخل السياسة الأميركية لربط التحالفات التقليدية بمستوى المشاركة العسكرية المباشرة.
“من لم يكن معنا فهو ضدنا”
ومثلما شكّل هذا النوع من الخطاب المتعالي ضد الحلفاء استياء بين الموجه إليهم، فقد خلق نقاشاً وانقساماً وسط المجتمع الأميركي والغربي الأقرب، فضلاً عن العربي والخليجي، ويرى الباحث العسكري المتخصص في الدراسات الإيرانية أحمد الميموني أن السياق الشخصي للسيناتور غراهام وأجواء الحرب يكشفان عن خلفيات الخطاب المتشنج، فغراهام عرف بأنه “يسافر باستمرار إلى إسرائيل لفهم وجهة نظرهم، وهو يتبنى عرض الرواية الإسرائيلية ضد إيران، وهو من الجناح الجمهوري الذي يحاول التأثير في قرارات الرئيس الأميركي لمصلحة إسرائيل”.
أما تعليقه الأخير ضد السعودية فإن الميموني في حديثه مع “اندبندنت عربية” يضعه ضمن سردية أميركية أقدم “تنطلق من فكرة أميركا منذ عهد بوش ‘إن لم تكن معي فأنت ضدي’ عندما أطلق شعار حربه ضد الإرهاب، فأصبحت هذه النظرة الأميركية تنعكس على معالجة الساسة الأميركيين لقضاياهم”، مرجحاً أن السيناتور قد تأثر بالرواية الإسرائيلية التي تقول “إنهم يعملون ضد إرهاب إيران بالنيابة عن العالم، ويتناسى أن من أسباب تعاظم قوة ايران تعنت إسرائيل بإيجاد حل للقضايا الجوهرية التي تتخذها ايران ذريعة لذلك، وهي القضية الفلسطينية التي سعت الدول العربية إلى إيجاد حلول لها دون جدوى أمام تعنت إسرائيل”.
ورداً على حديثه الممتن إزاء تعاون أميركا مع دول الخليج بالتسليح والحضور في بعض القواعد، أكد أن واشنطن لا فضل لها في ذلك “كما لو أن السلاح يقدم مجاناً، بينما العكس هو الصحيح، فدول الخليج تشتري الأسلحة بأموالها ولديها بدائل ممكنة، كما أن الحضور الأميركي يحمي المصالح الأميركية وتنافسيتها العالمية، وقبل ذلك سبق أن حذرت دول الخليج من العواقب، لكن انسياق أميركا وراء الأوهام الإسرائيلية أدخلها في هذا المأزق الذي ترغب في أن تضع دول الخليج قرباناً لذلك”.
حديث الخسائر
اللافت أن تصريحات المسؤول الأميركي أتت بالتزامن مع تصريحات للبيت الأبيض التي بعث الرئيس ترمب من خلالها رسائل تهدئة توحي بأن الحرب اقتربت من النهاية وتحقيق أهدافها، لكن الضابط الرفيع سابقاً في الجيش السعودي يفسر في تصريحات إلى “اندبندنت عربية” التوتر لدى السيناتور بأنه “نابع من الخسائر الثقيلة التي بدأت تتحملها إسرائيل والولايات المتحدة على إثر الفاتورة اليومية للحرب التي تقدر بترليون دولار يومياً، عوضاً عن معالم الحيرة في كيفية الخروج من هذا المستنقع الذي لم ينتج منه تغيير النظام ولا انتفاض الشعب الإيراني”، فهو يعتقد أنه على رغم الخسائر التي أنهت كثيراً من قدرات النظام الإيراني لكن “التصور النهائي باستسلام إيران وضع القدرات العسكرية الأميركية على المحك في تنافسيتها وصورتها العالمية أمام الصين وروسيا”.
غير أن هذا الخطاب لا يمثل بالضرورة إجماعاً في الولايات المتحدة، فقد رأت تحليلات في الصحافة الأميركية أن الضغط على دول الخليج للدخول عسكرياً في الحرب يحمل أخطاراً كبيرة على استقرار المنطقة، وكتب معلقون في صحف أميركية أن دول الخليج، بحكم موقعها الجغرافي وقربها من إيران، ستكون أول من يدفع ثمن التصعيد، مما يفسر حذرها في الدخول المباشر في الحرب على رغم شراكاتها الأمنية مع واشنطن.
كيف تحمي وتهدد؟
وذكرت “نيويورك تايمز” بين مفارقة الحرب الدائرة بالنسبة إلى الخليج الذي وجد نفسه عالقاً بين الولايات المتحدة وإيران في صراع كانت تسعى طويلاً إلى تجنبه، فأعوام من القلق من حرب منفلتة مع طهران دفعتها إلى توثيق تحالفها الأمني مع واشنطن واستضافة قواعدها العسكرية وإنفاق مليارات الدولارات على التسليح أملاً في الردع والحماية، “لكن الضربات الأميركية – الإسرائيلية على إيران حولت تلك المخاوف إلى واقع مقلق، إذ باتت المنطقة مهددة بالانجرار إلى حرب وصلت صواريخها ومسيّراتها بالفعل إلى مدن الخليج”.
وكان الباحث في مركز الدراسات الدولية أنتوني كوردسمان حذّر في سياق أزمة أخرى من أنه على رغم كل التحذيرات من ردود الفعل الإيرانية الانتقامية فإن “التهديد الحقيقي للمصالح الأميركية في الخليج قد يكون الولايات المتحدة نفسها”، فقد ظلت الإدارة الأميركية تستخدم التهديد الإيراني للخليج كأحد الشواهد على ضرورة العمل الذي تقوم به ضد طهران، وآخره اتهام وزير الخارجية ماركو روبيو إيران بأنها “تحاول احتجاز العالم كرهينة” من خلال ضرباتها الانتقامية عبر الخليج، واصفاً إياها بـ”الحكومة الإرهابية”، في إشارة إلى استهداف الأعيان المدنية المحرمة حتى في الحروب.
وفي التعليقات السعودية اعتبرت تصريحات غراهام مثالاً على ما وصفه بعض الكتاب بـ “النبرة الوصائية” التي عادت لتظهر في الخطاب السياسي الأميركي تجاه الحلفاء، وأشار معلقون إلى أن دول الخليج وعلى رأسها السعودية كانت طوال أعوام هدفاً مباشراً للهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وأنها دفعت بالفعل كلفة أمنية واقتصادية باهظة، مما يجعل قرار الدخول في حرب مفتوحة مع إيران مسألة سيادية معقدة وليست مجرد استجابة لضغوط سياسية.
كلفة القرب تدفع نحو أساليب أخرى
الباحث في مؤسسة “كارنيغي” للسلام الدولي هشام الغنام أوضح أن تصريحات ليندسي تتجاهل الحسابات الأمنية لدول الخليج التي تدرك أن إيران قادرة على امتصاص موجات الضربات الأميركية – الإسرائيلية، وأن مخزونها من الصواريخ والمسيّرات قد يبقي التهديد قائماً لفترة طويلة، مضيفاً في حديث مع “اندبندنت عربية” أن قرب الخليج الجغرافي من إيران يجعل أية مواجهة مفتوحة ذات كلفة مباشرة على المنطقة، خصوصاً في حرب لم تخترها أو تقررها دول الخليج، ولذلك تميل هذه الدول إلى ضبط النفس مع الاحتفاظ بحق الرد والضغط على النظام الإيراني بأساليب أخرى، وقال الغنام “إن المخزون الفعلي للصواريخ والمسيرات لدى إيران قد يبقي الخطر قائماً لأسابيع أو أشهر، ولذلك يجب أن تبنى أية سيناريوهات على تقدير واقعي لقدراتها واستمرار الضربات قصيرة ومتوسطة المدى”.
وأعاد حديث غراهام التذكير بتصريحات سابقة للرئيس الأميركي السابق جو بايدن خلال الفترة الأولى من رئاسته حين تعهد بأن يجعل السعودية “دولة منبوذة” ويراجع علاقة بلاده التاريخية معها، بسبب رفضها الاصطفاف مع الغرب ضد روسيا أثناء الحرب الأوكرانية، متخذة الحياد الإيجابي خياراً لها مما مكنها لاحقاً من تقريب وجهات النظر في ملفات عدة بين أميركا وروسيا، وكذلك القيام بوساطات بين موسكو وكييف.
العلاقة تزداد أهمية وسط عواقب كارثية
ومع عودة الخطاب الضاغط اليوم في سياق الحرب مع إيران، يطرح هذا المسار سؤالاً أوسع حول ما إذا كان ما يقوله غراهام مجرد موقف متشدد لسياسي معروف بصقوريته أم أنه يعكس بالفعل ملامح أميركا جديدة في تعاملها مع الحلفاء، بما يعلن عهداً أميركياً جديداً أقل صبراً وأكثر صراحة في تقليص هامش استقلال الشركاء عن توجهات واشنطن؟ وعن هذه الجزئية يرى الباحث الميموني أن الشركاء مختلفون بالنظر إلى ثقل الدول والعلاقة التي تطورها مع البيت الأبيض، لكن بالنسبة إلى الرياض فإن مركزية علاقتها بواشنطن وحرص الجانبين على تنميتها يزيد ولا ينقص، وضرب مثلاً بزيارة ولي العهد السعودي إلى أميركا والزخم الذي أحيطت به، مضيفاً أنه “على رغم التوتر الذي يشوب العلاقات من حين إلى آخر لكن العلاقات تعتبر بحكم الضرورة للجانبين عميقة وإستراتيجية، وقد أثبتت زيارة ولي العهد للولايات المتحدة الأميركية أن علاقة الدولتان دائماً ما تتجدد وتزداد أهمية، ومن المهم بحسب ما أرى التعامل مع شوائب العلاقة بالأخذ في الاعتبار آلية صنع القرار في البلدين، وهذه العلاقة لا يمكن وصفها بالتبعية”، لافتاً إلى أن الخيارات مفتوحة وقد جُربت وهي قائمة مع بلدان أخرى، لكن “البلدين قناعتهما أن هذه العلاقة هي الأفضل لخدمة قضاياهما بحكم التجارب والنجاحات السابقة”.
أما الرد الذي يراه بدهياً على ليندسي غراهام فهو أن “هذه الحرب ليست حرب المملكة ولم يجر التشاور معها وإيضاح الأهداف النهائية لها، ولم يجر الأخذ بنصائحها بعدم دخول الحرب أساساً، إضافة إلى أن دول الخليج وأولهم السعودية لن تدخل في جبهة إلى جانب إسرائيل”، وقد بدأت إسرائيل وأميركا في خفض توقعاتهما من الحرب بعد ظهور “نتائج وخيمة” حذرت منها دول الخليج قبل اندلاعها، مثل تهديد ممرات الطاقة والبنية التحتية في البلدان المستهدفة التي يفترض أن واشنطن تضع مصالحها في الحسبان قبل شن الحرب.
وفيما قالت شركة “أرامكو” السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، اليوم الثلاثاء إن هناك “عواقب كارثية” ستترتب على أسواق النفط العالمية إذا استمرت الحرب الإيرانية في تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، فقد جدد مجلس الوزراء السعودي تأكيد “احتفاظ الرياض بحقها الكامل في اتخاذ الإجراءات التي تكفل حماية أمنها وسيادتها وسلامة أراضيها وردع العدوان”، منوهاً في هذا الإطار بقدرات الدفاعات الجوية السعودية في اعتراض وتدمير صواريخ ومسيّرات معادية حاولت استهداف مواقع ومنشآت داخل البلاد.
اندبندنت عربية
