تحدثنا في مقال سابق عن الحرب الإيرانية من منظور توازن القوى الدولية، ونتحدث عنها اليوم عن أثرها على النظام الإقليمي. وبالرغم من أن التنافس بين القوى الدولية يؤثر على مخرجات التفاعل الإقليمي في مناطق مختلفة من العالم، فإن الأقاليم لها خصائصها وديناميكياتها أيضاً، الأمر الذي يجعلها في أحيان كثيرة عاملاً مؤثراً فيما يدور في نطاقها الجغرافي من أحداث، وهذا ينطبق على منطقة الشرق الأوسط.
هذا يقودنا للحديث عن تداعيات الحرب الإيرانية على الاستقرار وتوازن القوى الإقليمي. إذ لا يخفى على الجميع أن إيران الثورة كان لها دور سلبي فيما يتعلق بالأمن والاستقرار الإقليمي خلال العقود الأربعة الماضية، وشكلت تهديداً صريحاً للأمن الإقليمي في منطقة الخليج، بل المشرق العربي، خاصةً من خلال سياسة الوكلاء (أذرعها في المنطقة) ونشر المذهبية وتطوير صناعاتها الحربية ووجود برنامج نووي يتفق الجميع على أنه يتجاوز الأغراض السلمية. وكان العراق قبل غزوه من قبل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا عام 2003 عامل توازن ضد الأطماع الإيرانية في المنطقة. وعملت الإدارة الأميركية خلال فترة التسعينات، وخاصةً في عهد الرئيس الأميركي بيل كلينتون على تبني استراتيجية لاحتواء العراق وإيران، عرفت بسياسة «الاحتواء المزدوج» التي صاغها عام 1993 المستشار في مجلس الأمن القومي الأميركي آنذاك مارتن أنديك. لكن هذه الاستراتيجية تحولت لاحقاً مع الإدارة الأميركية التالية إلى هدف احتلال العراق، على الرغم من تحذير دول الخليج للإدارة الأميركية من خطورة ذلك، بالرغم من مساوئ النظام العراقي الواضحة. وهذا بالفعل ما حصل، حيث انكشفت الجبهة الشرقية للوطن العربي، وسعت إيران إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، وامتد ذلك إلى عدة دول عربية كما هو معروف، ما أدخل المنطقة خلال عقدين من الزمن في دوامة الصراع والتوتر. ثم أتت الثورات العربية، وما أحدثه كل ذلك من أثر سلبي على تماسك النظام الإقليمي العربي.
خرج العراق من معادلة التوازن العسكري الإقليمي مبكراً، وتلته سوريا، حيث استهدفت إسرائيل القدرات العسكرية السورية المتهالكة بسبب الحرب الأهلية، حتى بعد سقوط النظام السوري، ودمرت ما قدّره كثيرون بنحو ثلثي القوة العسكرية السورية. وكان التأزم الذي خلقته إيران في المنطقة مناسباً للقوى الأجنبية، حيث سعت إسرائيل إلى الاستفادة من هذه الوضعية لتعزيز نفوذها الإقليمي. لكن يبدو أن «الدور الوظيفي» لإيران نفسها انتفت الفائدة من وجوده بالنسبة لواشنطن وتل أبيب. بالتالي كان لزاماً من منظور استراتيجي الالتفات إلى الدور الإيراني في المنطقة ومحاولة تقويضه، تحت مبررات مختلفة، لأسباب تتعلق بتوازن القوى الدولي بالنسبة لأميركا، وتوازن القوى الإقليمي بالنسبة لإسرائيل. وكان لإسرائيل دور كبير في إقناع صانع القرار الأميركي بضرورة التحرك عسكرياً، سعياً منها لإخراج إيران من معادلة التوازن العسكري الإقليمي.
إيران ليست العراق، الذي عانى من تداعيات حرب الخليج الثانية عام 1991، والعقوبات القاسية وغير المسبوقة التي فرضت عليه لردح من الزمن. بل إن إيران استفادت من دروس الماضي، بما في ذلك الحرب الأولى التي شنّتها عليها إسرائيل في منتصف عام 2025، ودخلتها أميركا جزئياً. وهذا ما بدا واضحاً مع اندلاع الحرب الإيرانية الثانية، وردة الفعل الإيرانية السريعة، وعدم تأثر إيران بفقد نحو 40 من القيادات البارزة فيها، وفي مقدمتهم المرشد الأعلى. بل إن إيران سعت «لتدويل الحرب» من خلال توسيع رقعتها لتشمل دول الخليج وغيرها من الدول الإقليمية التي لم تكن طرفاً في هذه الحرب، وذلك لتعظيم تكلفتها للعالم بأسره أملاً في وضع حد لها بالطرق السلمية، في ظل أهمية الأمن في منطقة الخليج للأمن العالمي.
لكن هل الأنسب لمعادلة الاستقرار الإقليمي أن يتم إخراج إيران من معادلة التوازن العسكري الإقليمي، من خلال العمل على تغيير النظام وإسقاطه، بالرغم من صعوبة، وليس استحالة تحقيق ذلك، وما يحمله ذلك من تداعيات غير معروفة على المنطقة، أم أن الخيار الأنسب هو احتواء إيران بعد تقويض قدراتها العسكرية، وإيجاد صيغة للتعاون الإقليمي معها؟ ثم أين سيتوقف الاندفاع الإسرائيلي، مع حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي المتكرر عن «تغيير وجه الشرق الأوسط»؟ قطعاً بما يخدم الأجندة الإسرائيلية، على حساب الاستقرار الإقليمي ومصالح دول المنطقة. هذه «المعضلة الأمنية والسياسية» التي تعيشها منطقتنا ملامحها واضحة، وجزء منها يرتبط بمآلات الحرب على إيران، وكيف ستنتهي. لكن يبدو أن إسرائيل لديها أجندتها المدعومة أميركياً لإعادة رسم المشهد السياسي الإقليمي. ولا نعرف أين ستقف هذه الأجندة.
ما يحصل على صعيد هذه الحرب وتداعياتها المختلفة يذكرنا بما يحصل من تطورات في غزة والصومال، والسعي للتأثير في مخرجات هذه التطورات، كما في موضوع أرض الصومال والاعتراف الإسرائيلي باستقلالها، في تحرك أغاظ أغلب دول المنطقة. ويمكن الإشارة أيضاً إلى خطورة التطورات في السودان، وكذلك سد النهضة، واليمن، والتهديد الواضح للأمن القومي العربي.
