نظراً إلى الظروف التي تمرّ بها إيران، خصوصاً بعد اغتيال مرشدها، وكثيرين من قادتها العسكريين والأمنيين، في الجولة الثانية من الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، لم يأتِ مفاجئاً اختيار مجتبى خامنئي ليخلف والده في منصب المرشد الأعلى، علماً أنه كان دائماً أحد أقوى المرشحين لهذه الخلافة، بالرغم من معارضة خامنئي فكرة التوريث باعتبارها نوعاً من التشبه بالحكم الوراثي لنظام الشاه الذي أسقطته الثورة. أما وقد رحل الأب، في ظروفٍ غير طبيعة، فقد سمح ذلك للحرس الثوري بوضع مرشّحه المفضل في سدة الحكم، وأن يعلن بذلك أنه بات صاحب السلطة الفعلية في النظام، بعد أن كان مجرّد شريك.
تشبه الظروف والملابسات التي أوصلت مجتبى إلى سدة الحكم نوعاً ما تلك التي رافقت وصول والده إليها قبل 37 عاماً. ففي 1989، ولدى وفاة مؤسّس الجمهورية، ومرشدها الأول، آية الله الخميني، توصلت مراكز القوى المختلفة داخل النظام إلى تفاهماتٍ أفضت إلى تولي خامنئي المنصب، رغم أنه نفسه، عندما وقع عليه اختيار مجلس الخبراء، كاشفهم بأنه لا يجد في نفسه الكفاءة لخلافة الخميني، خصوصاً وأن رتبته الدينية لم تكن تخوّله ذلك. كان خامنئي يحمل في ذلك الوقت رتبة “حجّة الإسلام” (نفسها التي حملها ابنه مجتبى قبل خلافة والده) وهي رتبة متوسّطة بين المراتب الدينية الشيعية الستّ التي تبدأ بطالب، ثم مُبَلِّغ، فمجتهد، ثم حجّة الإسلام، يليها آية الله، وأعلاها آية الله العظمى، التي يقتصر حملها على المراجع الكبرى أو مراجع التقليد في الفقه الشيعي (مثل الخميني، والسيستاني، ومحسن الحكيم، وغيرهم). لكن الظروف التي سادت تلك الفترة خدمت خامنئي الأب، فقبل وفاة الخميني ببضعة شهور وقع خلاف بينه وبين رفيقه، وأبرز المرشّحين لخلافته، آية الله حسين منتظري، بسبب اعتراض هذا الأخير على عمليات الإعدام السياسي، ما أدّى إلى إبعاده. ونتيجة ذلك ظلت ولاية علي خامنئي محلّ تساؤل وجدل إلى أن تمكّن من توطيد حكمه فقط بعد أزمة 1999. يتوقّع أن يواجه مجتبى تحدّيات مماثلة مصدرها الحوزة الدينية وكبار المراجع فيها، وهذا ما يفسّر المسارعة إلى منحه رتبة آية الله بمجرد تسميته مرشداً، في تكرار للسيناريو الذي حصل مع والده عام 1989. لكن أخذاً بالاعتبار الظروف التي تمرّ بها إيران، فإنّ الجدل بخصوص رتبة مجتبى الدينية ستكون آخر همومه.
لقد ورث مجتبى السلطة في ظروف أسوأ من التي ورثها والده لدى تسلمه الحكم، حينما خرجت إيران توّاً من حرب مدمّرة مع العراق استمرّت ثماني سنوات، تكبّدت فيها نحو نصف مليون قتيل، وخسائر اقتصادية بمئات مليارات الدولارات، فضلاً عن ظروف العزلة والحصار والمواجهة مع الولايات المتحدة، والتي كان أبلغها أثراً في تلك الفترة المعركة التي تسبب بها انفجار لغم إيراني بسفينة أميركية، وأسفرت عن تدمير البحرية الإيرانية، واضطرار إيران بنتيجتها إلى قبول قرار مجلس الأمن رقم 598 القاضي بوقف إطلاق النار مع العراق.
يرث مجتبى اليوم بلداً مدمّراً، يخوض مواجهة غير متكافئة مع القوة الأكبر في العالم، يسير إلى المجهول، ويكافح من أجل بقائه وسط حالة من عدم اليقين. أمل مجتبى الوحيد لمواجهة المهمّة المستحيلة التي يجد نفسه أمامها لإنقاذ إيران من التفكك والفوضى والانهيار، هو التخلص من وصاية الحرس، والذهاب باتجاه تفاهم مع الولايات المتحدة، يفوت من خلاله على إسرائيل فرصة استخدام واشنطن لتحقيق أهدافها. لن تكون السيطرة على الحرس الذي جاء بمجتبى إلى السلطة مهمّة سهلة. لقد احتاج والده عشر سنوات، حتى أمسك فعلياً بمفاصل السلطة، وأخضع مراكز القوى داخل الدولة لإرادته. ومجتبى لا يملك رفاهية الوقت ليفعل هذا في ظلّ حرب طاحنة قد تؤدّي، إذا استمرّت طويلاً، وفق الأجندة الإسرائيلية، إلى انهيار إيران، وليس نظامها فحسب. لا مجال هنا لتناول التحدّيات التي سيواجهها مجتبى بعد انتهاء الحرب، فتعدادها فقط يحتاج مطولات يأتي وقتها، ووفقاً للنتيجة والكيفية التي تنتهي بها أيضاً. مهمّة مجتبى الحصرية الآن البحث عن مخرج من أتون الحرب، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والسيطرة على أصحاب الرؤوس الحامية المحيطين به… هل يملك مجتبى الرغبة والقدرة والفكر ليفعل ذلك؟ إجابة هذا السؤال سوف تحدّد مصير إيران، ومعه مصير المنطقة.
العربي الجديد