منذ أواخر عام 2024، صعّدت السلطات المصرية سلسلة من الإجراءات القانونية والإدارية والأمنية التي تستهدف اللاجئين وطالبي اللجوء، ولا سيّما السوريين منهم. وتطرح هذه الإجراءات تساؤلاً جوهرياً عمّا إذا كانت تندرج ضمن مساع مشروعة لتنظيم ملف الهجرة، أم أنها تعكس توجّهاً منظّماً يهدف إلى التضييق على اللاجئين ودفعهم إلى مغادرة البلاد.
تضع الجهات الرسمية هذه التدابير ضمن إطار الإنفاذ الروتيني لقوانين الإقامة، غير أن اتساع نطاق الحملات وتوقيتها وطابعها العشوائي، مقروناً بإغلاق المسارات القانونية لتقنين الأوضاع، يقود إلى استنتاجٍ مغاير. وتُظهر الأدلة المستقاة من تقارير منظّمات حقوق الإنسان الدولية، والمجتمع المدني المصري، وهيئات الأمم المتحدة، والتحقيقات الاستقصائية، نمطاً متراكماً يتسق مع سياسة ترحيل قسري مقنّع تنتهك التزامات مصر الدستورية وتعهداتها بموجب المعاهدات الدولية. إن فهم تطوّر هذا المسار يستلزم تحليل التفاعل بين القرارات الإدارية، والممارسات الأمنية، والضغوط الاقتصادية المحلية، وأجندة الاتحاد الأوروبي الرامية إلى إسناد إدارة الهجرة إلى جهات خارجية.
إنتاج الهشاشة القانونية
لسنوات، حافظ لاجئون سوريون كثيرون على وضعهم القانوني في مصر عبر تأشيرات سياحية قابلة للتجديد. كان هذا ترتيباً غير مثالي، لكنّه قابل للتطبيق، في ظلّ بطء نظام تسجيل اللجوء الرسمي لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وتراكم أعبائه. غير أن إلغاء تمديد الإقامات السياحية، مقروناً بتشديدٍ غير مسبوق لشروط التجديد، أعاد تشكيل المشهد القانوني جذرياً، ودفع عشرات الاف من السوريين إلى حالةٍ لا يمكن وصفها إلا بأنها “عدم نظامية قسرية”، فهؤلاء لم يختاروا انتهاك قوانين الإقامة، بل أعادت الدولة هندسة الإطار القانوني على نحو جعل الامتثال شبه مستحيل.
وقد جاءت البدائل المطروحة، بالنسبة إلى الأغلبية، بعيدة المنال. إذ أفادت تقارير بأن السلطات اشترطت على اللاجئين السوريين غير المسجَّلين، دفع ألف دولار وتقديم إثبات باستضافة مواطن مصري، مقابل تسوية وضعهم القانوني.
واعتبرت منظّمات حقوق الإنسان المصرية هذه الشروط شكلاً من الاستغلال العقابي الذي يُفرّغ التنظيم من غايته المشروعة، ويحوّل الإجراء الإداري إلى أداة ردع وإقصاء. وفي مطلع عام 2025، بدأت السلطات أيضاً باشتراط الحصول على موافقة أمنية مسبقة شرطاً إلزامياً لدخول مواطني الدول المجاورة إلى مصر. وهذا الشرط، الذي فُرض على السوريين منذ عام 2013، ثم خفّ تطبيقه على فترات، أُعيد تفعيله بصرامة غير مسبوقة عقب سقوط نظام الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، ووُسّع ليشمل السودانيين وجنسيات أفريقية أخرى.
وأفضى الأثر التراكمي لهذه التدابير إلى إغلاق المسارات القانونية من اتجاهات متعدّدة في الوقت ذاته. فلم يعد في وسع السوريين تقنين أوضاعهم من الداخل، ولا إعادة دخول البلاد بسهولة من الخارج. ويكشف هذا الإغلاق متعدّد الطبقات، حين يترافق مع حملات إنفاذ تستهدف من أصبحوا “غير نظاميين”، منطقاً بنيوياً يتجاوز حدود التضييق الإداري المعتاد.
من الإنفاذ الإداري إلى القمع الأمني
الدولة التي تُنتج شروط الانتهاك القانوني، ثم تعاقب عليه، تفعل ما يختلف نوعياً عن الإنفاذ الروتيني لقوانين الهجرة. وهذا النمط هو ما برز بوضوح منذ أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026. فمنذ أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2025، شرع ضبّاط شرطة، غالباً بملابس مدنية، في إجراء عمليات فحص للهُويّة واحتجاز، مواطنين من سورية والسودان وجنوب السودان ودول أخرى من أفريقيا جنوب الصحراء، من الشوارع وأماكن العمل ومراكز النقل، في محافظات متعدّدة. وقد وثقت منظّمة العفو الدولية اعتقالاً تعسفياً لما لا يقل عن 22 لاجئاً وطالب لجوء، بينهم طفل وامرأتان، بين أواخر ديسمبر 2025 وأوائل فبراير/ شباط 2026 في القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية، وكان 15 منهم مسجّلين لدى مفوضية اللاجئين. كما وثقت لجنة العدالة أن عدداً من المحتجزين كانوا يحملون وثائق قانونية سارية، بما في ذلك بطاقات لجوء صادرة عن المفوضية وتصاريح إقامة نافذة. ووصفت مروة حجازي، المدافعة السودانية عن حقوق الإنسان والعاملة مع مفوضية اللاجئين في مصر، مداهمات وزارة الداخلية بأنها غير مسبوقة، مشيرةً إلى أن أطفالاً دون السادسة عشرة ممّن يحملون تصاريح إقامة سارية تعرضوا للاحتجاز.
ولهذا الطابع العشوائي دلالته القانونية والسياسية. فعندما يُحتجز أشخاص يحملون وثائقَ ساريةً وتسجيلاً نشطاً لدى المفوضية ويواجهون ترحيلاً محتملاً، يفقد الادّعاء بأن الإنفاذ يستهدف فقط المخالفين الحقيقيين قدرته التفسيرية. عندئذ تبدأ الحملات في الظهور إجراءً جماعياً موجَّهاً إلى فئات وطنية بعينها، لا استجابةً لمخالفات فردية.
وامتدّ البعد العقابي ليشمل التعبير السياسي. فعقب سقوط نظام الأسد، احتجزت قوات الأمن المصرية نحو 30 سورياً وسورية في مدينة السادس من أكتوبر في أثناء تفريق تجمّعات عفوية احتفلت بنهاية حكم الأسد، ثم صدرت لاحقاً أوامر بترحيل ثلاثة من المحتجزين. كما أظهرت السلطات نهجاً يقارب حالة استنفار أمني غير معلَنة بعد سقوط الأسد، عبر نشر قوات في مناطق حيوية وإبداء عدم تسامح مطلق مع التجمّعات العامة للسوريين. وأن يكون التعبير العام، لا مخالفة الإقامة، هو ما أفضى إلى إجراءات إنفاذ، يشير إلى منطق أمني يتجاوز بكثير إدارة الهجرة.
إطار مؤسّسي وضمانات منقوصة
يمثل قانون اللجوء الشامل الأول في مصر، رقم 164 الذي صُدّق عليه في كانون الأول/ ديسمبر 2024، تحوّلاً مؤسّسياً؛ فهو ينشئ “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين” وينقل مسؤوليات التسجيل وتحديد صفة اللاجئ من مفوضية اللاجئين إلى الجهات الحكومية الوطنية. ويقدّمه مؤيّدوه بوصفه محطةً مفصليةً في تقنين حقوق اللاجئين، غير أن القراءة المتأنية تبرز مخاطر جوهرية كامنة في بنيته.
يفرض القانون نافذة تسجيل مدتها 45 يوماً للداخلين بصورة غير نظامية، وهو إطار زمني لا يراعي تعقيد الظروف الفردية ولا الأعطال الإدارية المحتملة، ويحوّل التأخّر في الاستجابة إلى ذريعة للحبس أو الترحيل. كما أن أسباب إلغاء صفة اللاجئ، المصاغة في عبارات واسعة تتصل بالأمن والنظام العام، تظلّ غامضةً وتفتح الباب أمام الإلغاء على أسس فضفاضة، من دون ضمانات كافية للطعن والاستئناف. والأشدّ خطراً أن صياغة مبدأ عدم الردّ، كما يورده القانون، تبدو مقصورةً على اللاجئين المعترف بهم، بما يستبعد عملياً طالبي اللجوء ومن أُلغيت صفتهم من نطاق الحماية. وقد حذّرت منظّمة العفو الدولية من أن القانون يقيّد الحقّ في طلب اللجوء ويفتقر إلى ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة. كما أشار معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط إلى أن القانون مُرّر من دون مشاورات مجدية مع أصحاب المصلحة أو المجتمع المدني، وأن وتيرة إقراره ارتبطت بالشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الاتحاد الأوروبي ومصر الموقعة في مارس/ آذار 2024، التي خصّصت تمويلاً محدّداً للأولويات المتعلقة بالهجرة.
ويكتسب البعد الدستوري أهمية خاصة هنا؛ فالمادة 91 من الدستور المصري تقرّ مبدأ عدم الردّ وتكفل الحماية للاجئين وطالبي اللجوء. كما أن مصر طرف في اتفاقية عام 1951 الخاصّة باللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، واتفاقية منظّمة الوحدة الأفريقية لعام 1969، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بما يرتب التزامات قانونية ملزمة. وعليه، فإن حملات الإنفاذ الراهنة تتعارض ليس مع تعهدات المعاهدات الدولية وحسب، بل مع مقتضيات الإطار الدستوري ذاته.
العوامل الاقتصادية وإسناد إدارة الهجرة إلى الخارج
تساعد قوتان بنيويتان في تفسير توقيت هذا التصعيد وحجمه. الأولى داخلية، إذ تشير تقديرات الحكومة المصرية إلى وجود نحو تسعة ملايين مقيم أجنبي، وتقدّر كلفة الخدمات العامة السنوية بأكثر من عشرة مليارات دولار. وتُستخدم هذه الأرقام لتسويغ إجراءات تقييدية في ظل أزمة اقتصادية ممتدة. بالتوازي، تصاعد خطاب عام يُحمّل المهاجرين واللاجئين مسؤولية ارتفاع الأسعار والمنافسة على الوظائف والجريمة. وقد أظهر تحليل للنشاط الرقمي في أواخر يناير/ كانون الثاني الماضي مؤشّرات لحملة منسَّقة، تمثلت في ارتفاعات حادّة في وتيرة النشر وأنماط تفاعل غير طبيعية، مع شبكات حسابات تروّج لوسوم معادية للاجئين. كما بيّن تحليل للمشاعر أن نسبةً معتبرةً من المنشورات تحمل انطباعات سالبة تجاه اللاجئين، مقابل نسبة أقل بكثير تؤيّدهم.
ويتجاور هذا المنحى في “صنع كبش” مع معطيات تشير إلى مساهمات اقتصادية سورية ملموسة. إذ يقال إن عشرات الآلاف من المستثمرين السوريين المسجَّلين يضخّون استثمارات كبيرة في الاقتصاد المصري، عبر تأسيس آلاف الشركات والمصانع وورش العمل. كما خلص تقرير أممي مشترك لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظّمة العمل الدولية وبرنامج الأغذية العالمي إلى أن الشركات الخاصّة التابعة للاجئين السوريين ساهمت منذ عام 2011 بمئات الملايين من الدولارات، وأوجدت فرص عمل للسوريين والمصريين وأسهمت في تنشيط مدن صناعية وتجارية بعينها. وفي يناير/ كانون الثاني 2026، عبّر الرئيس السوري، أحمد الشرع، عن امتنانه للشعب المصري على استقبال اللاجئين السوريين، رابطاً ذلك بأفق تعاون اقتصادي وإعماري واسع.
أمّا القوة البنيوية الثانية فهي خارجية، إذ تتضمّن شراكة الاتحاد الأوروبي ومصر في مارس/ آذار 2024 حزمة تمويلية كبيرة، مع تخصيص مباشر لمكافحة الهجرة ومراقبة الحدود. كما أُقرّت مساعدات مالية كلية إضافية في قمة بروكسل في أكتوبر 2025، مع تخصيص مبالغ إضافية لإدارة الهجرة. وقد حذرت منظمات حقوقية من أن نموذج الإسناد الخارجي، الذي ينيط بدول شمال أفريقيا دور “حارس البوابة” لصالح الاتحاد الأوروبي، يهدد بترسيخ علاقة منفعة سياسية تتراجع فيها اعتبارات حقوق الإنسان إلى مرتبة ثانوية. وخلص تحليل لمنظمة Statewatch إلى أن الدعم الأوروبي لمصر يدعم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، نمطاً من الانتهاكات التي يجري التغاضي عنها أو تهميشها حفاظاً على الشراكة. ومن ثم يصعب فصل الحوافز المالية عن ديناميات التصعيد في إجراءات الإنفاذ.
خاتمة
يكشف مسار تعامل مصر مع اللاجئين السوريين، من الانفتاح النسبي بعد عام 2011، مروراً بالتقييد المتدرّج منذ 2013، وصولاً إلى التصعيد الراهن، عن نمط تحكمه الحسابات الجيوسياسية والضغوط الاقتصادية وسياسات إسناد إدارة الهجرة إلى الخارج، أكثر مما تحكمه نيّة تنظيمية متوازنة. فقد أُغلقت المسارات القانونية لتقنين الأوضاع، ثم جرى توقيف الأفراد بسبب المخالفات ذاتها التي أسهمت الدولة في إنتاجها. واحتُجز لاجئون يحملون وثائق سارية إلى جانب غير الحائزين عليها، وتعرّض أشخاص يُفترض تمتّعهم بالحماية لخطر الترحيل، كما شمل الإنفاذ نطاقاً عقابياً طاول التعبير السياسي. وتزامن هذا التصعيد مع تدفّقات تمويل أوروبية مخصّصة لمراقبة الهجرة، ومع حملات رقمية منسّقة ضدّ اللاجئين رافقت العمليات الأمنية. وفي يناير 2026، أصدر أربعة من المقرّرين الخاصين للأمم المتحدة بياناً مشتركاً أعربوا فيه عن قلقهم العميق إزاء اتساع أنماط الاحتجاز التعسفي والترحيل القسري.
تصعب مواءمة هذا التراكم الأداتي للأدلة مع فرضية الإنفاذ الإداري المحايد. وتقتضي التزامات مصر الدستورية والدولية مراجعة عاجلة لهذا المسار، بما يضمن احترام مبدأ عدم الردّ وضمانات الإجراءات القانونية الواجبة وحماية طالبي اللجوء واللاجئين على حدّ سواء. كما ينبغي لأيّ إطار يعالج وضع السوريين في مصر أن يوازن بين متطلبات التنظيم الإداري وحقوق الأفراد في الاستقرار القانوني والكرامة، مع الاعتراف بالمساهمات الاقتصادية والاجتماعية التي قدمها المقيمون السوريون. لقد نشأ جيل كامل من الأطفال السوريين في مصر خلال الخمسة عشر عاماً الماضية، ويعدّها وطنَه الوحيد، ومصير هذا الجيل، ومصير مئات الآلاف غيره، يتوقّف على ما إذا كانت الدولة ستختار سيادة القانون معياراً حاكماً على المصلحة الظرفية.
العربي الجديد