ملخص
مراكز القرار والدولة العميقة التي تقودها مؤسسة “حرس الثورة”، كانت مشغولة على مدى العقدين الماضيين في هندسة عملية انتقال القيادة من الأب إلى الابن بأقل أضرار ممكنة. وأقامت هذه المؤسسة شراكة وتقاسماً للسلطة بينها وبين المرشد مبكراً، بالتزامن مع بداية ظهور التمايز في المواقف بين المرشد وشريكه، في إرساء أركان السلطة الدينية وقواعد ولاية الفقيه المطلقة، وذلك في أواخر سنوات رئاسة الشيخ هاشمي رفسنجاني للجمهورية.
تؤكد القيادات الإيرانية العسكرية والسياسية التي تولت زمام الأمور خلفاً للقيادة التي استهدفتها الهجمات الجوية الأميركية – الإسرائيلية المشتركة، سواء في يونيو (حزيران) عام 2025، أو خلال العمليات الحالية والمستمرة، أن كل الإجراءات والأعمال والخطوات التي تقوم بها وتعلنها، هي استمرار للخطط والاستراتيجيات التي وضعها المرشد الأعلى السابق علي خامنئي قبل اغتياله، وهي متمسكة بتحقيق أهداف هذه الخطط والتصدي لأية محاولة إضعاف للنظام و”الجمهورية الإسلامية” وتفكيك إيران من قبل واشنطن وتل أبيب.
وإذا ما كان قرار المواجهة العسكرية مع واشنطن، والسعي إلى تحقيق الهدف الاستراتيجي الأساس بإضعاف القدرات السياسية والعسكرية والأمنية لإسرائيل والحد من نفوذها في الإقليم، يشكلان الجانب العملاني والعسكري لهذه الخطط، فإن البعد الأخطر والأهم في هذا السياق، كان في ضمان عملية انتقال سلس وسهل لموقع القيادة واختيار المرشد الجديد من دون أية عوائق أو اعتراضات.
فمراكز القرار والدولة العميقة التي تقودها مؤسسة “حرس الثورة” كانت مشغولة على مدى العقدين الماضيين في هندسة عملية انتقال القيادة من الأب إلى الابن بأقل أضرار ممكنة. وأقامت هذه المؤسسة شراكة وتقاسماً للسلطة بينها وبين المرشد مبكراً، بالتزامن مع بداية ظهور التمايز في المواقف بين المرشد وشريكه، في إرساء أركان السلطة الدينية وقواعد ولاية الفقيه المطلقة، وذلك في أواخر سنوات رئاسة الشيخ هاشمي رفسنجاني للجمهورية.
هذه العلاقة بين المرشد و”حرس الثورة” اتخذت بعداً أكثر عمقاً مع وصول محمد خاتمي إلى رئاسة الجمهورية، والتحدي الذي أنتجه الخطاب الإصلاحي الذي تبنى موقفاً معارضاً فكرياً وأيديولوجياً لمبدأ السلطة الدينية، إلا أن الاستراتيجية التي اعتمدتها ثنائية المرشد – الدولة العميقة (الحرس)، لم تذهب إلى المواجهة العلنية المفتوحة، بل اعتمدت سياسة تفريغ الخطاب الإصلاحي وتفكيك قواعده الشعبية بالوسائل شتى بهدف إفشاله ودفعه إلى طريق مسدود، بما يساعد هذه الثنائية المدعومة من التيار المتشدد في إعادة إنتاج سلطتها وهيمنتها.
خلال هذه المرحلة، ومع الانتخابات الرئاسية عام 2005 يمكن القول إن اسم مجتبى خامنئي بدأ بالظهور، وبدأ الحديث عن دوره المحوري في رسم مسارات السلطة ومراكز القرار، عندما عمد وبالتنسيق مع “حرس الثورة” إلى إصدار كلمة السر التي أحدثت تغييراً جذرياً في مسار الانتخابات والشخصية التي ستتولى الرئاسة، عندما تخلى عن دعم عمدة طهران حينها محمد باقر قاليباف لمصلحة محمود أحمدي نجاد، مما أدى إلى خسارة قاليباف ظهيره الداعم في “الحرس” وانتقاله إلى مصلحة خصمه ومنافسه. وأثار هذا التدخل غضب المرشح الإصلاحي المعتدل حينها مهدي كروبي الذي لم يتردد في توجيه رسالة إلى المرشد علي خامنئي يحمّل فيها نجله مجتبى مسؤولية التدخل في نتائج الانتخابات وإخراجه من السباق الرئاسي الذي انتقل حينها إلى مرحلة ثانية حصرت بين أحمدي نجاد ورفسنجاني بهدف إلحاق الهزيمة به وإنهاء حياته السياسية وإخراجه من دائرة التأثير في المشهد الإيراني.
وعام 2009، وعلى خلفية الأزمة التي نتجت من الانتخابات الرئاسية، وهزيمة مير حسين موسوي وعودة أحمدي نجاد لدورة جديدة، التقط الشارع حقيقة ما يجري خلف الكواليس وفي أروقة القرار داخل النظام، وللمرة الأولى ظهرت شعارات بين المتظاهرين والمعترضين، أو ما عرف حينها بـ”الحركة الخضراء”، تهاجم مجتبى وترفض عملية التوريث التي يسعى “حرس الثورة” إلى فرضها في موقع القيادة. واتُهم مباشرة بالعمل مع “حرس الثورة” والأجهزة الأمنية على قمع المتظاهرين وشن حملة اعتقال لجميع الأصوات المعارضة لهذه الثنائية التي كانت تسعى إلى عسكرة النظام والدولة. وهذا المسار المتصاعد لنفوذ مجتبى في ظل سلطة ومظلة ورعاية والده ولي الفقيه المطلق والممسك بمفاصل القرار والاتجاهات في الدولة والنظام، انتقل إلى مستويات متقدمة بعد عام 2009، عندما ساد اعتقاد راسخ لدى القوى السياسية والاجتماعية بأن المرشد وولي الفقيه قد أسند إلى نجله الأوسط كثيراً من المهمات، وعلى رأسها ملف العلاقة بين موقع ولي الفقيه بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة ومؤسسة “حرس الثورة” الإسلامية التي تعتبر الحامل الأول والأساس لمشروع انتقال السلطة من الأب إلى الابن.
وربط مؤسسة “الحرس” بمجتبى مباشرة ومن دون المرور بأي من القنوات الإدارية الأخرى، كان يعني الإشراف المباشر والتحكم بملفات عسكرية وأمنية وصولاً إلى الموضوع الاقتصادي، بخاصة أن تلك المرحلة شهدت نمواً كبيراً وواسعاً في شبكات “الحرس” الاقتصادية بصورة عنكبوتية وفي جميع المجالات والقطاعات، حيث تفوقت على مثيلاتها في أية دولة أخرى تُتهم بخضوع اقتصاداتها لهيمنة الجيوش والمؤسسة العسكرية، مما منحه قدرة على الإمساك بمفاصل القرار والاطلاع على أدق التفاصيل ومتابعتها في سياق ينسجم مع السلطات والمهمات الموكلة إليه من المرشد الأعلى، باعتبارها تمريناً واعداً له للانتقال إلى موقع القيادة عندما تقتضي الحاجة أو تحين الساعة.
وعلى رغم يقين مختلف المستويات الإيرانية السياسية والثقافية والاجتماعية والشعبية بأن عملية التوريث تسير بصورة حثيثة، فإن المرشد الأعلى كان يدرك صعوبة تمرير مثل هذا الانتقال من دون حصول أزمات وإثارة اعتراضات وتساؤلات حول شرعية مثل هذا الأمر، خصوصاً ما يرتبط بشبهة توريث المرجعية الدينية المستهجنة داخل مؤسسة المرجعية الدينية تاريخياً، وإن وصول نجل أحد المراجع إلى رتبة المرجعية والتقليد كان يتم من خلال الاستحقاق والتسليم الشعبي ومن كبار رجالات الحوزة الدينية بأعلميته ومرتبته المرجعية.
من هنا كان لا بد من العمل على بناء صورة عملية وفقهية لمجتبى من خلال التركيز على موقعه العلمي في إطار الحوزة الدينية واكتسابه درجة الاجتهاد في الأحكام الشرعية التي تمنحه وتكسبه الشرط الأساس لتولي موقع القيادة بعد إسقاط شرط المرجعية والأعلمية عمن يتولى موقع ولي الفقيه، وهو إسقاط جرى في تعديل الدستور عام 1988، مما مهّد الطريق أمام تولي خامنئي خلفاً للمؤسس السيد الخميني.
وفي موازاة هذه الجهود التي كانت تبذل لتكريس قبضة مجتبى على مفاصل القرار وتحويله إلى مرجعية لا يمكن تجاوز موقفها ورؤيتها في صياغة أي قرار في السلطة ورسم المسارات المستقبلية، كان المرشد الأب يسعى إلى تمرير هذا الانتقال وتسهيله من خلال التأكيد على ضرورة تولي مجلس خبراء القيادة مهمة البحث عن خليفة له، مما ترافق مع حديث عن أن المرشد قدم لهذا المجلس ثلاثة أسماء مرشحة لتولي المنصب والقيادة من بعده من دون الكشف عن هوية هذه الأسماء، إلا أن هذه الترشيحات لم تخرج عن السياق والإطار الذي يدعم وصول مجتبى، بخاصة أن كل الأسماء التي يمكن أن تطرح أو جرى تداول أسمائها، ومن ضمنها الشيخ محمد رضا أعرافي الذي عيّن في مجلس القيادة الأخير، لا تملك الخبرة والمعرفة بتفاصيل الملفات الأساسية والاستراتيجية التي تقوم عليها قوة النظام باستثناء مجتبى، بالتالي وأمام ضرورات الحفاظ على النظام وتأمين الاستمرارية يصبح هو الخيار الأنسب من بين كل الأسماء المطروحة، وأيضاً في ظل استبعاد جميع المرشحين من خارج صندوق النظام مثل الرئيسين السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني وحفيد المؤسس حسن الخميني، أولاً لمعارضة المؤسسة الدينية الرسمية المتشددة لتوجهات الرئيسين، وثانياً لعدم امتلاك الخميني الخبرة الإدارية التي تؤهله لتولي هذا المنصب.
ومع إدراك حجم الصعوبات التي قد تواجه عملية الانتقال في السلطة، على رغم كل الإجراءات والخطوات التي تراكمت على مدى عقدين من حياة النظام، فإن الخطوة الحاسمة جاءت نتيجة القرار الذي اتخذه المرشد الأعلى بالبقاء في مقر عمله على رغم حجم التهديدات التي كان يتعرض له وتقديراته بأن عملية عسكرية أميركية – إسرائيلية تُعد لاغتياله وإخراجه من المشهد، فإن اغتيال المرشد مع كثير من أفراد عائلته ومعهم زوجة مجتبى وابنه، جعل من عملية اختيار مجتبى الجريح وانتخابه أكثر مرونة، شعبياً نتيجة عاطفة التضامن التي حصلت جراء الاعتداء والعدوان على إيران، وداخل المؤسسة والجماعات والقوى السياسية التي فضّل جزء منها، خصوصاً الجماعات الإصلاحية عدم استعجال المواجهة مع المتشددين والمؤسسة العسكرية انطلاقاً من أن المرحلة تستدعي الحفاظ على التضامن في مواجهة الاعتداء، والرهان على مسار جديد ومختلف من الممكن أن يقوده المرشد الجديد لإخراج البلاد من الانسداد الداخلي والخارجي الذي تمر فيه، إضافة إلى أنه قد يكون الأصلب في قيادة هذه المرحلة نتيجة العلاقات والارتباط التفصيلي والدقيق بينه والمؤسسة العسكرية و”حرس الثورة” الذي بات الجهة الأكثر تحكماً في مستقبل إيران خلال هذه المرحلة.
اندبندنت عربية
