تشبه الكتب البشر كثيراً، فحياتها في المحنة أو في الهناء الثقافي تشبه حياة الإنسان تماماً، فمن الكتب ما هو عظيم ومنها ما هو صغير ومنها ما هو حقير، ومنها من هو شجاع ومنها من هو جبان ومنها من هو ذليل ومنها من هو منافق ومنها من هو فاسد ومنها من هو قبيح ومنها من هو جميل. إنها كالبشر تماماً.
للكتب رائحة عطرة وبعضها لها رائحة كريهة ولها أصوات، وبعضها نكرة وبعضها مؤنس ولها نظرات، وبعضها جاحظة وبعضها رؤوفة.
يعمر الكتاب العظيم قروناً وقروناً، لا يشيخ، يعبر حضارات مختلفة ويتخطى انقلاب أنظمة سياسية موسمية، ويظل يُقرأ بمتعة وبفضول وفي كل مرة يثير أسئلة متجددة على أجيال جديدة، وهو في ذلك يشبه البطل الذي يخلده التاريخ جراء عمل نادر أنجزه في حياته، ويبدع التاريخ كتباً عظيمة ويبدع رجالاً عظماء أيضاً، فكما لا يمحو الزمن صورة صناع المجد، لا يهمش الكتاب الذي يصنع السؤال والمتعة والجمال.
في التاريخ، يحدث أن تهمش كتب ما في فترة تسود فيها رقابة الديكتاتورية أو ثقافة الكسل الحضاري أو الرداءة السياسية، لكنها ما تفتأ أن تعود ثانية للظهور لتتمتع بعنفوان حياتها كل ذلك بمجرد انقضاء تلك المرحلة، ومعها يعود الاحتفال بها من خلال القراءة والسؤال المتتالي، وهي في حالها هذه كحال بعض الأبطال الخالدين الذين يزعجون الرداءة في حياتهم وفي موتهم، فيُدفنون مرة ثانية من قبل أنظمة سياسية انتهازية، ولكن بمجرد زوال هذه الأنظمة حتى ينهض هذا القائد الزعيم من ترابه كطائر الفينيق ليحتفى به في الساحات العمومية وفي برامج الكتب المدرسية.
وبعض الكتب قد يتعرض للحرق والمنع والجلد والسحل، ولأنها أكبر وأقوى من ذراع جلاديها ومن مضرمي النار فيها، فإنها تقوم بقدرة التاريخ من رماد أوراقها ومن دم حبرها، وذلك بأن يكون أحدهم قد حفظها أو نسخها أو رواها وهذا ما حدث مثلاً لكثير من الكتب في تاريخ التراث العربي والإسلامي، نذكر ها هنا ما حصل لكتابات ابن رشد والحلاج والبسطامي والسهروردي وابن الراوندي وبشار بن برد والمعري وغيرهم.
ومن الممكن أن يُنقذ الكتاب كاملاً كما هي بعض كتب ابن رشد، وقد يكون هذا الإنقاذ جزئياً كما هي أشعار وكتابات المتصوفة، وقد يكون هذا الحفظ عن طريق بعض أعدائهم الذين نصبوا لهم وجروهم إلى المحرقة، إذ سجلوا بعض أفكارهم ونقلوها من باب القدح والذم والتشنيع والتكفير، وحال الكتب هذه تشبه حال بعض زعماء التاريخ السياسي والفكري والفلسفي وقادة الثورات الإنسانية الذين سُجنوا وعذبوا، أو رُموا بتهمة الخيانة العظمى لكن يوماً تاريخياً سيحل ليعيد لهذه الأسماء حقها في الوجود والاعتبار، ولعل نموذج غاليلي وسبينوزا وغرامشي وآخرهم نيلسون مانديلا الذي بعد أزيد من ربع قرن قضاها في السجن (1962-1990) تطلع شمس يوم تاريخي جديد ليخرج من زنزانته ويقود بلده ويتولى أعلى منصب في الدولة كرئيس لبلده جنوب أفريقيا.
وبعض الكتب تغطي على أخرى، فالعظيمة منها ترسل الرديئة طال الزمن أم قصر إلى قاعة النسيان، إلى مقبرة الكتب.
حين نقرأ الكتب الكبيرة على شاكلة “إلياذة هوميروس” أو “الجريمة والعقاب” لدوستويفسكي أو “ألف ليلة وليلة” أو “رسالة الغفران” للمعري أو “حي ابن يقظان” لابن طفيل أو “كليلة ودمنة” لابن المقفع أو “اسم الوردة” لأومبرتو إكو أو “اسمي أحمر” لأورهان باموق أو “أطفال منتصف الليل” لسلمان رشدي أو “أولاد حارتنا” لنجيب محفوظ أو “ثلاثية الشمال” لمحمد ديب أو “رحلة إلى آخر الليل” للويس فرديناند سلين وكتب أخرى… فإننا لا نحتاج إلى قراءة كثير من الروايات التي تولدت منها أو خرجت من رحمها، قراءة الكتب الكبيرة تغنينا عن قراءة الكتب الصغيرة التي تنسخها بطريقة من الطرق وفي كثير من المرات بطرق رديئة.
الكتب العظيمة تجد قارئها مهما طال الزمن ومهما تعددت المصاعب والمتاعب والموانع وتنوعت أجهزة الرقابة.
والكتب لا تؤلف لتسويق ثقافة الذل أو للترويج لأوهام ساقطة، لذلك فالكتب الكبيرة لا تتأخر في تعرية سخافة الكتب التي يبيع أصحابها ذممهم إلى الشيطان، وإن الكاتب الذي يلهث وراء السلطان للجلوس إلى مائدته يأكل من أطرافها ومن بقايا صحونها سيرى ظله يغرب بسرعة ويرى أضواءه الكاذبة تنطفئ مباشرة بعد انقضاء ولي نعمته هذا أو ذاك.
وفي ظل الإغراءات المادية والمعنوية، ليس من اليسير على الكاتب أن يحافظ على اتزانه وعلى استقلاليته وحريته في التفكير. فإن فصل صيد الكتاب والمفكرين مفتوح على مدى الفصول جميعها، كل الأيام قابلة للصيد وبكل الوسائل.
وفي البلدان التي يُهدد فيها الكاتب والكتاب لا تنجو المكتبة هي الأخرى من هذا التدجين والحصار، فلا شيء يخفى عن الرقيب الذي لا تنام له عين كلما اتصل الأمر بالأفكار المجددة.
وفي تاريخ المكتبات هناك تقليد يُمارس بين فترة وأخرى، يتصل بأرصدة رفوف المكتبات ويسميه المكتبيون عملية “التعشيب”، ويتمثل في سحب بعض الكتب “الضارة” كما تسحب الأعشاب “الضارة” من الحقل المثمر، لكن قد تذهب ضحية هذه العملية، وبطريقة مقصودة، مجموعة من الكتب التي قد تكون في حال كمون، أي تلك التي لم تقرأ يوماً لسبب من الأسباب، ومرات تستغل عملية “التعشيب” للتخلص من بعض الكتب من موقع الرقابة والمنع المغلف بحجج واهية “لا أحد طلب هذا الكتاب” أو “هذا الكتاب مهترئ” ولكن من دون اقتناء نسخ جديدة لتعويضه.
وفي تاريخ المكتبات هناك أمر غريب آخر قلما يتحدث عنه مؤرخو المكتبات والخزانات، إذ في كل مكتبة كبرى توجد غرفة مخيفة ومثيرة يطلق عليها اسم “جهنم”، وهي عبارة عن فضاء تلقى فيه الكتب الممنوعة وتجمّع، كتب محظور تداولها بين القراء والباحثين أيضاً، و”جهنم” هذه هي حجرة تظل مغلقة ومطفأة الأنوار، لا أحد يدخلها ولا تفتح إلا لكي تستقبل كتاباً ممنوعاً جديداً، وهي حجرة تشبه في تصميمها الزنزانة داخل السجون الشهيرة التي تستقبل أكبر المجرمين، وتوجد هذه “الجهنم” ضمن المكتبات الكبرى في البلدان التي تحكمها أنظمة ديكتاتورية، ولعل أكبر مثال على ذلك “جهنم” الكتب خلال زمن الاتحاد السوفياتي، والغريب والعجيب والمثير في الأمر أنه وبعد سقوط هذا النظام، كان القراء يتسابقون للاطلاع على أرصدة “جهنم” أكثر من توجههم نحو كتب الرفوف المفتوحة الحرة، فلقد تسابق القراء والباحثون على زنزانة الكتب يسكنهم فضول معرفة طبيعة هذه الممنوعات التي تساعد في اكتشاف وجه وعقلية الديكتاتور.
وإذا كانت داخل مكتبة كبرى في ظل نظام الاتحاد السوفياتي السابق غرفة “جهنم” بأرصدة كثيرة ومتنوعة ممنوعة، فإن حال كثير من الدول العربية والإسلامية لا تختلف عن ذلك إلا في الشكل، ففي كثير من هذه الدول تبدو أرصدة غرف “جهنم” أكثر من أرصدة رفوف المكتبات المفتوحة على القراء. وإذا كانت “جهنم” التي عرفتها المكتبات الكبرى خلال عهد الاتحاد السوفياتي فتحت أبوابها وتحولت لاحقاً إلى جزء من “جنة” الكتب، فإن العالم الغربي اليوم فتح “جهنم” بمواصفات جديدة في كل مكتبة وفي كل دار نشر، إذ بكثير من النفاق الثقافي والسياسي يمارس هذا الغرب سلطة المنع والرقابة ولجم حرية الرأي، فلا تغرّننا الشعارات الرنانة الكثيرة المرفوعة عن الديمقراطية وحرية التعبير، وإذا كان الاتحاد السوفياتي سابقاً له غرفة “جهنم” داخل المكتبات الكبرى بأسوار وباب مقفل، فإن العالم الغربي اليوم أصبح شبيهاً بـ”جهنم” من دون جدران ومن دون أبواب.
هكذا بين كتاب يراقب وآخر يحرق ومكتبة تفتح فيها غرفة “جهنم” وكاتب يهمش، يتشكل مخيال أمة كاملة ويبنى مجتمع في مقاومة فكرية متواصلة.
لندبندنت عربية
