-
-
-
تُعدُّ دراسة النظام الحاكم في إيران من منظور الإيديولوجيا أو الجغرافيا السياسية قراءة منقوصة ما لم تتناول المربع الأهم، وهو الاقتصاد السياسي للسلطة حيث تتحول الجمهورية الإسلامية من مجرد نظام ديني يقوده الفقهاء إلى بنية اقتصادية مركبة تُدار عبر شبكة من المؤسسات المرتبطة مباشرة بقمة الهرم وهو المرشد الأعلى. ومن هذا المنظور، لا يُمكن فهم موقع المرشد في إيران من خلال المنظور السياسي القانوني، أي صلاحياته الدستورية فقط، بل من خلال دوره الجوهري في تنظيم شبكة واسعة من الموارد المالية وشركات الطاقة والبنية التحتية والمؤسسات المالية التي تُشكل في مجموعها منظومة اقتصادية موازية للدولة التقليدية. هذا الواقع هو ما يجعل الاقتصاد الإيراني غير قابل للفهم باستخدام أدوات التحليل الاقتصادي الكلي الكلاسيكية مثل حجم الناتج المحلي أو معدلات التضخم أو البطالة على أهميتها، لأن هذه الأرقام لا تكشف وحدها عن الكيفية التي يجري بها توزيع السلطة الاقتصادية في البلاد، وهي سلطة يحكمها في النهاية الولاء السياسي والاستقرار المؤسسي للنظام قبل أي اعتبار آخر من اعتبارات الكفاءة أو السوق.
تتشكل البنية الاقتصادية السياسية لإمبراطورية المرشد من ثلاثة أقطاب رئيسية تتقاسم الهيمنة على ما يتراوح بين ثلاثين وخمسين بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. القطب الأول هو المؤسسات السيادية التابعة للمرشد مباشرة، وعلى رأسها لجنة تنفيذ أمر الإمام المعروفة باسم «ستاد»، وهي صندوق استثماري عملاق يُقدّر بأكثر من تسعين مليار دولار (وهذه تقديرات 2013 ويُرجح أنها نمت بسرعة منذ ذلك الوقت) يُسيطر على قطاعات الاتصالات والأدوية والطاقة، بالإضافة إلى مؤسسة المستضعفين التي تُدير مئات الشركات الصناعية والزراعية، و«آستان قدس رضوي» التي تُهيمن على قطاع العقارات والأوقاف. أمّا القطب الثاني فهو المجمع الصناعي العسكري بقيادة الحرس الثوري، الذي يتحكم في مفاصل البنية التحتية عبر مقر خاتم الأنبياء، وصولاً إلى القطب الثالث الذي يضم «البنيادات» الخدمية مثل مؤسسة الشهيد ولجنة الإمداد، وهي أوعية مالية تضمن ولاء القاعدة الصلبة للنظام عبر شبكات رعاية اجتماعية موازية للدولة.
إن التأصيل النظري لهذه الحالة يضعنا أمام ما يُعرف في الاقتصاد السياسي بالدولة الريعية، وهي الدولة التي تعتمد في معظم إيراداتها على الخارج عبر تصدير الموارد الطبيعية بدلاً من الاعتماد على الضرائب المحلية. هذا الوضع يخلق عقداً اجتماعياً مشوهاً يقوم على قاعدة «لا ضرائب، إذاً لا تمثيل سياسي». لكن الحالة الإيرانية في عهد المرشد أضافت بعداً نظرياً جديداً يُمكن تسميته بالريع المؤسسي، حيث تحررت السلطة من الحاجة لرضا المجتمع وإنتاجيته لأن بقاء النواة الصلبة للنظام مُؤمَّن عبر أصول مالية ضخمة لا تخضع لرقابة البرلمان ولا تندرج ضمن الموازنة العامة للدولة. هذا الانفصال البنيوي هو ما يمنح النظام استقلالية عن المجتمع، ويسمح له باتخاذ قرارات سياسية أو عسكرية كُبرى حتى لو كانت تضر بالنمو الاقتصادي الوطني، طالما أن تدفقات الأموال داخل مكتب المرشد والمؤسسات التابعة له مستمرة ومؤمنة. ويعمل هذا الاقتصاد وفق نظرية الزبائنية السياسية، حيث تُوزع الموارد كأعطياتٍ لضمان الولاء الشخصي والمؤسسي، فمنحُ العقود الكبرى للمؤسسات العسكرية ليس بحثاً عن الجودة أو السعر الأفضل، بل هو عملية إعادة تدوير للريع لضمان صمود أجهزة الدولة الأمنية أمام أيّ محاولة انقلابية أو احتجاجات شعبية.
بعد ثورة عام 1979، أعادت النخبة الثورية تشكيل الاقتصاد الإيراني على أُسس جديدة عبر مصادرة ممتلكات واسعة تعود إلى النخب الاقتصادية المرتبطة بالنظام الملكي، وأعادت توزيعها على مؤسسات وقفية واجتماعية أنشأها النظام الجديد. ومع مرور الوقت، تحولت هذه المؤسسات التي تُعرف باسم «البنياد» إلى كيانات اقتصادية ضخمة وتكتلات تعمل في قطاعات متعددة تشمل الصناعة والزراعة والطاقة والمصارف. ومن أبرز هذه الكيانات «مؤسسة المستضعفين» التي تُعدُّ ثاني أكبر مؤسسة اقتصادية في البلاد، و«آستان قدس رضوي» التي تُدير أوقافاً هائلة في مدينة مشهد، و«لجنة تنفيذ أمر الإمام» التي تُدير تكتلاً يُقدر بمليارات الدولارات. هذه المؤسسات تتمتع بميزة فريدة وهي العمل خارج الرقابة الحكومية التقليدية، فلا تخضع للمساءلة البرلمانية ولا تدفع ضرائب للدولة في كثير من الأحيان، وترتبط مباشرة بمكتب المرشد الأعلى. هذا النموذج خلق ما يُمكن تسميته برأسمالية المحاسيب في ثوب ديني، حيث يمتلك هذا القطاع السيادي غير الحكومي ميزات القطاع العام من دعم وحماية واحتكار، وميزات القطاع الخاص من سرية ومرونة في الإدارة، وهو ما يمنح مكتب المرشد قدرة هائلة على إدارة الندرة وتحويل الوصول للموارد إلى أداة سياسية للسيطرة المطلقة.
بالتوازي مع هذه المؤسسات الوقفية، برزت المؤسسة العسكرية كأحد أهم الفاعلين الاقتصاديين في البلاد، ويتمثل هذا الدور خصوصاً في الحرس الثوري الإيراني الذي تحول خلال العقود الماضية إلى قوة اقتصادية هائلة. فبعد الحرب الإيرانية العراقية، توسّعت أنشطة الحرس الاقتصادية بشكل كبير في قطاع البناء والبنية التحتية عبر مقر خاتم الأنبياء للإعمار. ومع انسحاب الشركات الأجنبية من إيران بسبب العقوبات الدولية، أصبح الحرس الثوري المُقاول الرئيسي في مشاريع الطاقة والنقل والاتصالات، وبذلك تحولت المؤسسة العسكرية إلى شريك تجاري ضروري للدولة، مما ربط مصيرها المالي ببقاء منصب المرشد الذي يمنحها هذه الامتيازات الاستثنائية. هذا التحول ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو إعادة صياغة للعقيدة الأمنية، حيث أصبح الحرس الثوري يمتلك مصلحة مادية كبرى في استمرار حالة «لا حرب ولا سلم» التي تُبرر وجود اقتصاد الطوارئ واحتكار الموارد تحت شعار الأمن القومي، مما يجعل أي توجه نحو الانفتاح الاقتصادي أو السلام يُمثل تهديداً مباشراً لمصالح أمراء الحرب الماليين.
لقد أدت هذه البنية المعقدة إلى خلق ما يُمكن تسميته الاستقلال المالي للقرار العسكري، وهو ما يُفسر قدرة طهران على الاستمرار في خوض حروب الوكالة والمواجهات الإقليمية حتى في أحلك أوقات الأزمات المعيشية. فالمؤسسة العسكرية تُمول ذاتها بعيداً عن موازنة الدولة الرسمية عبر شركاتها ومصارفها وشبكاتها المالية، مما يجعل قرار التصعيد العسكري محصناً ضد الضغوط السياسية الداخلية أو النقص في ميزانية الدولة العامة. وفي هذا السياق، تحوّلت العقوبات الدولية التي كان الهدف منها إضعاف النظام إلى عامل يُعزز نفوذ هذه الشبكات، حيث تمتلك المؤسسات المرتبطة بالمرشد والحرس الخبرة والشبكات التحت أرضية للالتفاف على القيود الدولية، مما أدى إلى تصفية القطاع الخاص المستقل لصالح اقتصاد الظل الذي يتربح من تعدد أسعار الصرف وفروقات الأسعار بين السوق الرسمية والسوق السوداء. وهكذا تحولت العقوبات من أداة ضغط إلى وسيلة لتمركُز الثروة في يد القلة الموالية لقمة الهرم، بينما تحملت الطبقة الوسطى والفقيرة العبء الأكبر عبر تآكل القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية.
إلى جانب ذلك، شهد المجتمع الإيراني خلال العقد الأخير تراجعاً ملحوظاً في حجم الطبقة الوسطى، حيث أدى ارتفاع التضخم وتآكل المدخرات إلى انخفاض مستويات المعيشة وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب. هذه التغيرات الاجتماعية لم تؤدِ بالضرورة إلى انهيار النظام السياسي، لكنها أعادت تشكيل العقد الاجتماعي، فالدولة لم تَعُد قادرة على شراء الصمت الاجتماعي عبر توزيع عوائد النفط كما في السابق، بل أصبحت تعتمد بشكل متزايد على القمع الأمني من جهة، وعلى شبكات الإغاثة والخدمات التي تُديرها مؤسسات المرشد من جهة أخرى لضمان ولاء القواعد الشعبية الأكثر فقراً. وفي مواجهة هذه الضغوط، تبنت القيادة الإيرانية مفهوم اقتصاد المقاومة، وهو نموذج يهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز الإنتاج المحلي، لكنه في الواقع تحوّل إلى إيديولوجيا تهدف لجعل النظام غير قابل للإسقاط عبر الضغط المالي، من خلال بناء جزر اقتصادية مكتفية ذاتياً تضمن بقاء النخبة الحاكمة حتى في ظلّ العزلة الدولية الشاملة.
اليوم، ومع انتقال السلطة لمرشد جديد في ظلّ مواجهة عسكرية مُستعرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، يُواجه هذا النموذج ذروة تحدياته التاريخية. فالمُرشد الجديد لا يرث منصباً دينياً وسياسياً فقط، بل يرث إمبراطورية مالية مُتصارعة الأجنحة ومُثقلة بالأزمات. وعليه أن يُوازن بدقة متناهية بين حصص الحرس الثوري والمؤسسات الدينية والوقفية لضمان عدم حدوث انشقاقات داخلية، في وقت تتحول فيه الثروة إلى ذخيرة لتمويل جبهات القتال الخارجية وتعويض خسائر البنية التحتية المُحتملة. إن خطر فقدان السيولة المالية التي تضمن ولاء الميليشيات هو ما قد يدفع النظام نحو الحذر في اتخاذ قرارات عسكرية متهورة قد تؤدي لتدمير أصوله الاقتصادية الحيوية.
وبناء على ذلك، فإن فهم اقتصاد المرشد هو المفتاح الوحيد لتَوقع قدرة طهران على الصمود أو التغيير، لأنها منظومة تُدار من قمة الهرم السياسي بقدر ما تُدار من الأسواق، حيث تتحول فيها الثروة إلى نفوذ، والنفوذ إلى بقاء مقدس.
-