بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
تستند التقارير الإعلامية القليلة المنتشرة بهذا الخصوص، إلى معلومات مقيّدة ومحدودة، غالباً ما تبقى من دون تحديث لساعات طويلة، برغم وقوع المزيد من الهجمات، وأهمّ مصادر هذه المعلومات هم شهود عيان وأطبّاء ومسعفون وروّاد السوشال ميديا وناشطو منظّمات المجتمع المدني، لكنّها معلومات تبقى غير دقيقة ولا تعكس الواقع.
منذ اليوم الأوّل للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تتجّنب وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية الرسمية ذكر العدد الحقيقي للضحايا سواء القتلى أو الجرحى، وتتفادى الحديث عن حجم الخسائر والأضرار المادّية، فيما تضع الأجهزة الأمنية قيوداً مشدّدة على الصحافة المحلّية المستقلّة، وتلاحق المواطنين الذين يسرّبون فيديوهات وصوراً على وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك يُعدّ جمع المعلومات حول أعداد الضحايا والأضرار في المنشآت المدنية والحياة الحضرية أمراً بالغ الصعوبة.
وتستند التقارير الإعلامية القليلة المنتشرة بهذا الخصوص، إلى معلومات مقيّدة ومحدودة، غالباً ما تبقى من دون تحديث لساعات طويلة، برغم وقوع المزيد من الهجمات، وأهمّ مصادر هذه المعلومات هم شهود عيان وأطبّاء ومسعفون وروّاد السوشال ميديا وناشطو منظّمات المجتمع المدني، لكنّها معلومات تبقى غير دقيقة ولا تعكس الواقع.
ونظراً للطبيعة الأمنية لأجهزة النظام بما في ذلك الإعلام، واستحالة تمكّن أيّ وسيلة إعلامية من الوصول إلى أيّ موقع مستهدف، لا تشير هذه التقارير إلى الإصابات في صفوف القوّات العسكرية، رغم أن الهجمات على القواعد والمنشآت العسكرية متواصلة منذ عشرة أيّام، ورغم الأخبار المتداولة عن أن عدد القتلى من العسكريين مرتفع، وبدل ذلك نجد في بعضها أخباراً مثل: “قُتل أفراد بالقرب من أهداف عسكرية”، دون التصريح عن صفة هؤلاء الأفراد.
إضافة إلى العائق الأمني، تعتبر الغارات الجوّية المتواصلة، وتضرّر البنى التحتية، وانقطاع الاتّصالات والإنترنت جرّاءها، عوامل تحدّ من قدرة المصادر على جمع المعلومات وتوثيق الأحداث، كما تحول صعوبة الاطّلاع على التقارير الطبّية والتحقّق من هويّات القتلى، دون تقدير أعداد الضحايا.
على صعيد الخسائر البشرية، يكتفي المتحدّثون باسم حكومة النظام بالإعلان عن عدد قليل جدّاً من الضحايا يومياً، رغم أن الفيديوهات والصور المسرّبة تُظهر دماراً هائلاً في الأبنية السكنية في المدن والتجمّعات الأهلية في أرجاء البلاد.
وعليه، تتوزّع الخريطة الأوّلية المتوفّرة حول عدد القتلى والجرحى من مدنيين وعكسريين على النحو التالي:
عدد القتلى:
المدنيون: 1245 قتيلاً.
العسكريون: 189 قتيلاً.
المسعفون: 11 قتيلاً.
المجهولو الهويّة: 327 قتيلاً.
ويبلغ عدد القتلى دون الثامنة عشرة 386، وهناك 200 امرأة، وبالتالي تتراوح أعمار القتلى بين رضيع لا يتجاوز الثمانية أشهر ومسنّين في العقد التاسع.
عدد الجرحى:
12 ألف جريح.
1410 نساء.
700 جريح دون الثامنة عشرة.
60 جريح دون الخامسة.
40 مسعفاً ورجل إنقاذ.
تتصدّر محافظة طهران قائمة الهجمات بنسبة تقارب 34%، تليها محافظة هرمزكان بنسبة 10%، ثم أصفهان 8%، ثم كرمنشاه 6%، وتأتي المحافظات الغربية وخوزستان وألبرز في مراتب أدنى.
ومنذ بداية الحرب، تمّ تحديد 124 هدفاً أو منشأة عسكرية على أنها مستهدفة أو متضرّرة، بينها قواعد للحرس الثوري والبسيج وثكنات للجيش ومقرّات لحرس الحدود والشرطة، أما المنشآت المدنية التي تضرّرت بالقصف فبلغ عددها 9669 منشأة، منها: 7943 وحدة سكنية، وأكثر من 1617 وحدة تجارية، و32 مركزاً طبّياً وعلاجياً، بالإضافة إلى 65 مدرسة تعليمية، وتوقّفت 9 مستشفيات كلياً عن العمل، وتضرّر 13 مركزاً تابعاً لجمعيّة الهلال الأحمر الإيراني، وفقدت الجمعيّة 15 مركبة إنقاذ و13 سيّارة إسعاف، وشملت هذه اللائحة مستودعات النفط في طهران وكرج وكرمنشاه، ومحطّات تحلية المياه في عدد من المدن، وملاعب رياضية، ومدارس دينية، ومؤسّسات حكومية، وفنادق سياحية، وأسواقاً تراثية، وآثاراً تاريخية مثل قصر غولستان في طهران.
بموجب القانون الدولي، تُعتبر المنشآت المدنية بنية حيوية لبقاء السكّان المدنيين آمنين، ويُعدّ شنّ هجمات عليها عملاً منافياً لحقوق الإنسان، وتنطبق هذه القاعدة على منشآت النفط، نظراً للعواقب البيئية والصحّية الخطرة التي تترتّب عليها في مدن مأهولة، أو في مدينة مكتظّة يزيد عدد سكّانها عن عشرة ملايين نسمة مثل طهران.
ففي التقارير التي انتشرت حول تداعيات تفجير خزّانات النفط في طهران وكرج، أدّى احتراق الوقود إلى انبعاث كميّات كبيرة من الدخان والملوّثات في الهواء، وشوهدت أعمدة ضخمة من الدخان واللهب ترتفع منها وتغطّي سماء المنطقة، واستمرّت النيران مشتعلة في بعض الخزّانات إلى اليوم التالي، وانتشرت طبقة من الدخان الأسود في أنحاء متفرّقة من المدينتين، ورأى السكّان وابلاً من الجسيمات السوداء التي استقرّت على أسطح السيّارات والمباني.
وقد أعرب بعض الأطبّاء في طهران عن قلقهم بشأن ازدياد مشاكل الجهاز التنفسي بين المواطنين، إلى جانب المخاوف من تدنّي جودة الهواء، ذلك أن طهران تعاني من أزمة تلوّث مزمنة.
إلى جانب ذلك، تضرّرت شبكة نقل المنتجات النفطية وتوزيعها في محافظتي طهران وألبرز، ورغم عدم الإعلان عن حجم الأضرار بالتحديد، فقد اتُخذت قرارات لترشيد استهلاك الوقود في العاصمة، وأعلن محافظ طهران محمّد صادق معتمديان عن تخفيض حصّة الوقود اليومية من 30 لتراً إلى 20 لتراً، الأمر الذي قد أثّر بشكل مباشر على تنقّل المواطنين داخل طهران أو خروجهم منها، وشوهدت طوابير طويلة أمام محّطات البنزين ولساعات مديدة، مع سعي العائلات للانتقال إلى مناطق أكثر أماناً.
في سياق متّصل، شهدت مدن إيرانية مختلفة موجات كثيفة من الغارات الجوّية الأميركية الإسرائيلية غير المسبوقة، بالتزامن مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن “الولايات المتّحدة حقّقت أهدافها في الحرب، وأنها لن تدوم طويلاً”، وسُجّلت أعنف الهجمات في مدن طهران وكرج وأصفهان وزنجان وتبريز وآراك وبوشهر وبندر لنجه وجزيرة قشم، وأفاد شهود أن الغارات في مدينتي كرج وآراك استهدفت أحياء سكنية، ولم يذكر أيّ مصدر رسمي أو غير رسمي حجم الخسائر البشرية لهذه الاستهدافات.
من جهة أخرى، تشير التقارير إلى أن الحرب عدا قتلها عشرات المدنيين هي أيضاً ضربت سبل عيش الإيرانيين، وفاقمت أزمة ارتفاع الأسعار، وكتب أحد الإيرانيين على السوشال ميديا: “أشعلت الموائد الفارغة حرباً صامتة. ففي غضون عشرة أيّام فقط، تضاعفت أسعار أبسط ضروريات البقاء، كالبيض والبطاطا. إن معاناة أب لا يستطيع، وسط قلق الحرب، شراء وجبة بسيطة لأسرته، لا تقلّ عن الموت تحت الأنقاض”.
ووصف امرأة من طهران عبر صفحتها على السوشيال ميديا حال الإيرانيين بأنهم “أكثر الناس عزلة وعجزاً على وجه الأرض”، وقالت: “نحن نعيش مشاعر متضاربة، فمن جهة، نشعر بالفرحة لرحيل الديكتاتور، فمقتله نافذة انفتحت على أمل لم يكن موجوداً، كما لا يمكن وصف مقتل قادة الحرس الثوري بأنه أمر غير سار؛ بل هو أمر سار للغاية بالنسبة إلى الكثيرين، ولكن من جهة أخرى، المدينة التي تربطنا بها ذكريات لسنوات طويلة تتدمّر أمام أعيننا”.
وتكشف تعليقات آخرين أن الجوّ في المدن الإيرانية المستهدفة مرعب للغاية، وبسبب انقطاع الاتّصالات لم يعد بإمكان السكّان تلقّي تحذيرات الإخلاء ولا الاطمئنان على أقاربهم ومعارفهم، وهم لا يعرفون شيئاً عن الأضرار إلا ما يشاهدونه عياناً، ولا يدرون من قُتل أو أُصيب إلا من يرونه أمامهم، ووصل الخوف بهم إلى درجة أن البعض بات يعتقد أن النظام قد يقصف المدنيين في أيّ لحظة ليتّهم الأعداء، لكنّهم يحاولون التشبث بالحياة بكلّ ما أوتوا من قوّة، وهم يدركون أن الحرب لن تمنحهم الديمقراطية على طبق من ذهب، فالإطاحة بالنظام ليست سهلة إطلاقاً، لكنّها سوف تضعفه كثيراً، وهذا يجعلهم متفائلين، كما يقولون.