خوشناف حمو. كاتب وناشط مدني
الخروج إلى الطبيعة
من روح التحدي إلى دوغمائية المسرح الحزبي
منذ نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات بدأ الكورد في الجزيرة وحلب ودمشق لاحقا بالخروج إلى الطبيعة للاحتفال بعيد النوروز، متحدين الإجراءات القمعية لسلطات البعث القميء وأجهزته الأمنية المتغولة.
ويكتسب ذاك الخروج أهمية استثنائية، بوصفه محاولة جدية لاستعادة الفضاء العام في مواجهة سلطة أدمنت احتكاره.
كانت الباصات المتجهة نحو جبال عفرين أشبه بما يسميه بعض منظري الحداثة السياسية إعادة احتلال رمزي للمجال العمومي:
إعلان بسيط لكنه عميق بأن الحياة الاجتماعية لا يمكن اختزالها في إرادة السلطة.
في تلك اللحظة التاريخية، تحوّل “الخروج إلى الطبيعة” إلى ما يمكن تسميته ممارسة مقاومة ثقافية؛ طقس يجمع بين الفرح والرفض، بين الاحتفال والاحتجاج. لم يعد نوروز مجرد عيد موسمي، بل صار فعل حضور جماعي يؤكد أن الهوية.
ليست معطىً بيولوجيًا جامدًا، بل بناء ثقافي وسياسي يتشكل في الفضاء العام.
لكن المفارقة أن بعض العقول السياسية اليوم، بدل أن تقرأ تلك التجربة بوصفها لحظة إبداع اجتماعي، أعادت إنتاجها داخل ما يمكن وصفه بـ الدوغمائية الحزبية. فبدل أن يبقى نوروز طقسًا مفتوحًا للحياة، يجري اختزاله أحيانًا في مسارح ذات طابع تسويقي وخطابات شعبوية، وكأن العيد تحوّل إلى أداة في سياق ما يمكن تسميته اقتصاد الدعاية الرمزية.
هنا تكمن المفارقة، فالرواد الذين خرجوا إلى الطبيعة يومًا لم يكونوا أسرى الطقوس، بل صانعيها.
كانوا أكثر جرأة وابتكارًا من أولئك الذين يصرّون اليوم على تكرارها بشكل آلي، وكأنها نص مقدس لا يجوز الاقتراب منه. والحال أن التقاليد الحية، كما يؤكد الفكر الثقافي المعاصر، لا تعيش بتكرارها الحرفي، بل بقدرتها الدائمة على التجدد وإعادة التأويل بما ينسجم مع تحولات الزمن.
من هنا ربما يكمن المعنى الأعمق لنوروز اليوم: أن يتحرر من أسر الاستعراض الحزبي ليعود إلى جوهره الأول، عيدًا للحياة والحرية وللشراكة الوطنية بين السوريين جميعًا.
وفي هذا السياق تكتسب الخطوة التي تمثلت في المرسوم الرئاسي الصادر عن الرئيس أحمد الشرع، والذي اعترف بعيد نوروز واعتبره عطلة رسمية، أهمية رمزية وسياسية في آنٍ معًا، إذ يفتح الباب أمام تحويل هذا العيد من مناسبة تخص جماعة بعينها إلى فضاء وطني جامع يعكس التعددية الثقافية للمجتمع السوري.
لذلك فإن الوفاء الحقيقي لروح نوروز لا يكون بتكرار الطقوس القديمة على نحو آلي، بل بالسعي إلى ابتكار أشكال جديدة للاحتفال تليق بهذه اللحظة التاريخية، وتكرّس العيد كمناسبة وطنية يشارك فيها جميع السوريين.
فلنترك شعلة نوروز تضيء الطريق إلى المستقبل بوصفها رمزًا للعيش المشترك والكرامة الإنسانية، لا مجرد ذكرى مؤطرة في صور الماضي.