ملخص
أكد القيادي في التيار الجمهوري المعارض أن النظام المثالي جمهوري علماني مبني على عزل مؤسسة الدين عن الدولة، وذكر أن هذا النظام يجب أن يكون مبنياً على أساس مبادئ حقوق الإنسان، وأن يكون نوع الإدارة على أساس فيدرالي، مضيفاً أن إيران تضم تنوعاً إثنياً واسعاً، ولكل من هذه القوميات مطالب خاصة بها، وأن الأراضي الشاسعة في إيران لا تسمح بإدارة البلاد من نقطة مركزية بعيدة بصورة ديمقراطية.
فيما تمضي الحرب بين إيران وإسرائيل من جهة وبين إيران وأميركا من جهة أخرى، تستمر النقاشات بين المعارضة الإيرانية من أجل تقديم بديل للنظام الحالي، بخاصة أن فترة الحرب سبقها نشاط واسع كان عنوانه العريض إسقاط النظام، قبل أن يتمكن النظام من القضاء عليه بمواجهة دموية راح ضحيتها الآلاف.
ويستمر البحث عن البديل منذ ما قبل الحرب، ويبدو أنه سيستمر حتى إذا ما انتهت الحرب القائمة بإسقاط النظام، ذلك أن المعارضة الإيرانية تعتقد أنه لا يمكن أن يسير الوضع بهذا الشكل، ولا بد من أن تصل الأمور إلى تشكيل نظام بديل، وقد حمل إعلان تعيين مجتبى خامنئي مرشداً لإيران رسائل تؤكد حرص النظام على استمرار نهج المرشديْن السابقيْن، الخميني وخامنئي، لكن القيادي في التيار الجمهوري حسن شريعتمداري يؤكد المطالب بإقامة نظام فيدرالي في إيران، وأن تعيين مجتبى خامنئي يكتنفه كثير من الغموض، بخاصة أن منصب المرشد الذي كان يتصارع عليه الطامحون إلى الوصول إليه لم يعد مغرياً لكثيرين.
وحسن شريعتمداري هو نجل رجل الدين الراحل محمد كاظم شريعتمداري الذي خاض نشاطاً معارضاً ضد الخميني بعد انتصار الثورة انتهى بفرض إقامة جبرية عليه حتى وفاته، ويقول “في الواقع لا نعرف الظروف التي جرى فيها تعيين مجتبى خامنئي لهذا المنصب، ولا نعرف الوضع الذي يمر به هو شخصياً، إذ لم يصدر أي بيان منه حتى الآن، وهذه المسؤولية التي كانوا يتصارعون من أجلها في النظام لم تعد تغري أحداً، فهي في الواقع تشكل صكاً للموت لمن يقبلها، ولذلك لا يرغب بعضهم في تولي مهمة المرشد في مثل هذا الوضع، وهذا مفهوم”.
وقد عُرف المرشد السابق علي خامنئي برغبته في الظهور خلال الاستقبالات الحكومية وإلقاء الخطب بين أنصاره، لكن نجله مجتبى ليس له حتى خطاب واحد، ويضيف شريعتمداري أن “خامنئي حاول لأعوام طويلة الاستمرار في نهج الخميني وهو العداء مع الغرب وإسرائيل ومنافسة الدول المجاورة، لكن من الواضح أن مجتبى ليست لديه الإمكانات للقيام بمثل هذه الأدوار، لافتقاده إلى الكاريزما والمؤهلات في إلقاء الخطب”، موضحاً أنه “لا يوجد له حتى خطاب واحد طوال حياته، ولم يظهر في المناسبات العامة، وهذا يكشف أنه يعاني مشكلات نفسية ويميل إلى العزلة، ولذلك فمثل هذا الشخص إذا سنحت له الفرصة لممارسة دور المرشد ونجا من الاغتيال الذي تخطط له أميركا وإسرائيل، فإن المعطيات تكشف عن أن ‘الحرس الثوري’ أرغمه على تولي هذا المنصب، وقد مارس الضغط على ‘مجلس خبراء القيادة’ من أجل تعيينه، لأنهم يرون أنه سيستمر في نهج والده، أي أن الأمور ستكون في قبضة الحرس الثوري”.
لكن هل يستطيع مجتبى خامنئي إنقاذ النظام، هنا يستبعد السياسي الإيراني ذلك ويؤكد أنه “سيتحول إلى لعبة بيد أعضاء ‘الحرس الثوري’ الذين أوصلوه إلى هذا المنصب، ولا أرى أننا سنشهد خلال الفترة المقبلة وجود شخص ذي شعبية كبيرة في هذا المنصب، وأعتقد أنه بتعيين مجتبى فقد انتهت فترة ولاية الفقيه ودخلنا فترة الإمارة الإسلامية أو الملكية الإسلامية، هذا إذا ما استمر النظام وبقي مجتبى حياً”.
البدائل المتعددة
ويطرح المعارضون للنظام الإيراني بدائل تتراوح ما بين إقامة نظام ملكي ونظام جمهوري ونظام فيدرالي، فيما ينشط بعضهم للانفصال عن إيران، ويرى حسن شريعتمداري أن النظام المثالي “جمهوري علماني مبني على عزل مؤسسة الدين عن الدولة، وهذا النظام يجب أن يكون مبنياً على أساس مبادئ حقوق الإنسان، وأن يكون نوع الإدارة فيدرالياً، لأن لدينا في إيران تنوعاً إثنياً واسعاً، ولكل من هذه القوميات مطالب خاصة بها، وأراضي إيران الشاسعة لا تسمح بإدارة البلاد من نقطة مركزية بعيدة بصورة ديمقراطية”.
ويبرر القيادي الإيراني رأيه باتساع أراضي البلاد، ويقول إن “الحكم عبر الحكومة المركزية يعني الحكم بأسلوب أمني على الأقاليم النائية، وذلك يتطلب تشكيل جهاز قمعي سيقمع الشعب كلما طرح مطالب خاصة، ولذلك يجب القضاء على هذه المسافة بين المركز والهامش، وبهذه الصورة نحافظ على القيم والثقافات المختلفة ونقضي على التمييز الاقتصادي من خلال توزيع الحكم والثروات في بلد فيدرالي”.
تحالفات بين الأكراد والعرب والأتراك
وبينما أعلنت التنظيمات الكردية تشكيل تحالف للعمل ضد النظام، أعلنت كبرى التنظيمات الأحوازية تشكيل هيئة تنسيقية للعمل تحت مضلة تجمع مختلف التنظيمات من أجل تلبية متطلبات المرحلة، فمن لندن أُعلن تشكيل “الهيئة التنسيقية للتنظيمات الأحوازية” بعضوية كل من “التجمع الأحوازي” و”التيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز” و”جبهة الأحواز الديمقراطية” و”الجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية” و”الجبهة العربية لتحرير الأحواز” و”حركة النضال العربي الأحوازي” و”حركة النضال العربي لتحرير الأحواز” و”حزب التضامن الديمقراطي”، وذكر حسن شريعتمداري أن “الأذربيجانيين أيضاً شكلوا مؤتمراً لإعلان دعمهم إقامة نظام جمهوري فيدرالي، ومن خلاله شكلوا تحالفاً قبل أسبوعين، وهذه الوتيرة تستمر بين الإثنيات المختلفة وتبعث على السرور عندما نسمع أن هذه التنظيمات تعلن تحالفات بنّاءة بطريقة حديثة وديمقراطية”، مضيفاً “نحن في التيار الجمهوري أيضاً عملنا الشيء نفسه لأننا نعتقد أنه إذا لم تتحد المجموعات المطالبة بنظام جمهوري فلا يمكن أن تشكل قوة من أجل تقديم بديل قوي يثق به الشعب”، موضحاً أن “هناك شرخاً تاريخياً بين الشعب وأولئك الذين ينشطون لإقامة نظام فيدرالي أو نظام غير مركزي، إذ يواجهون اتهامات بأنهم من خلال إقامة نظام فيدرالي يعملون على تجزئة إيران، في حين يرد عليهم آخرون بأن هذا الخطاب يهدف إلى إقصاء دعاة الفيدرالية الذين يؤكدون أنهم لم يطالبوا بالانفصال، ويؤكدون أن انفصال أجزاء من إيران حصل خلال الحكومات الملكية السابقة وعلى مر العصور وليس من خلال القوميات”.
وفيما تُجري المعارضة الإيرانية نقاشات حادة فإن أرضية للحوار لم تتهيأ بينهم، بخاصة وأن التيار الملكي وضع شروطاً مسبقة لكل من ينوي العمل معه، وهو ما أحدث انقساماً في الاتفاق على بدائل للنظام، ويقول القيادي في التيار الجمهوري “ذكرت خلال النقاشات أنه لا يمكن الوصول إلى نظام مثالي حتى لو استمر الوضع 47 عاماً أخرى، ولذلك يجب أن نتفهم بعضنا بعضاً ونتحمل مواقف بعضنا الآخر، ونسعى إلى تلبية مطالب المجتمع، وأتحدث هنا عن دعاة إقامة نظام فيدرالي ونظام جمهوري غير مركزي حتى نعقد مجلساً تأسيسياً ينظر في المسألة ويُحسم الحل، وبعدها نمتثل جميعاً لما يقول المجلس، وخلال المرحلة الحالية علينا أن نعمل على أساس المشتركات، وهي كثيرة في الواقع”.
وتابع شريعتمداري أنه “لحسن الحظ فقد لقيت وجهة النظر هذه ترحيباً واستطعنا استقطاب مجموعات إثنية كثيرة من العرب والترك والبلوش والتركمان وبعض الشخصيات الكردية”، مضيفاً أن “هناك شخصيات كثيرة بيننا تعمل على هذا الأساس، وعملنا على تأسيس مؤتمر مشترك يجمع الجمهوريين المطالبين بالفيدرالية والديمقراطية، ولدينا علاقات مع دعاة إقامة نظام جمهوري في الداخل، وهذه مجموعات لديها طاقات كبيرة للدخول في العمل التنظيمي”.
النظام الجمهوري
ويؤكد شريعتمداري “نعمل على عقد مؤتمر في غضون شهر أو شهرين لإعلان عملنا وإطلاق مجلس إستراتيجي لصياغة النهج الجمهوري، وهناك تيار تشكل داخل إيران من 35 عضواً و35 من الأعضاء الاحتياط، وسنعلن في مؤتمرنا أننا سنعمل معهم، ونتمنى أن نكسب ثقة الشعب حتى نتحول إلى بديل للسلطة”.
وفيما تحتدم النقاشات بين أطياف المعارضة الإيرانية حول شكل البديل السياسي للنظام، تبدو إيران في واحدة من أصعب مراحلها منذ قيام الجمهورية الإسلامية، فمقتل المرشد الأعلى أدخل النظام في مرحلة غير مسبوقة من الارتباك، وأظهر هشاشة التوازنات التي حكمت السلطة طوال عقود، وبينما كان كُثر يتوقعون أن تشكل هذه اللحظة بداية تحول عميق داخل بنية النظام، جاء إعلان تعيين مجتبى خامنئي ليشير إلى اتجاه مغاير يقوم على محاولة الحفاظ على النهج ذاته الذي طبع مرحلة المرشديْن السابقيْن الخميني وخامنئي، بكل ما يحمله من تشدد سياسي وتوسع في نفوذ “الحرس الثوري”، غير أن هذا المسار لا يبدو كفيلاً بإخراج إيران من أزماتها المتراكمة بل قد يزيد تعقيدها، فـ “الحرس الثوري” الذي بات الأكثر نفوذاً في مؤسسات الدولة لم يعد يواجه خصومه في الداخل وحسب، بل دخل أيضاً في صدامات مفتوحة مع قوى إقليمية مما عمّق عزلة البلاد وزاد حدة التوتر مع دول الجوار، وفي ظل الحرب الدائرة والتحديات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة تبدو قدرة النظام على إعادة إنتاج نفسه موضع تساؤل أكثر من أي وقت مضى.
وفي المقابل تواصل المعارضة الإيرانية البحث عن أرضية مشتركة لبناء بديل سياسي قادر على كسب ثقة المجتمع على رغم الخلافات العميقة بين تياراتها المختلفة، وبين نظام يسعى إلى التشبث بخياراته القديمة ومعارضة تحاول بلورة مشروع للمستقبل، تقف إيران اليوم عند مفترق طرق تاريخي قد يرسم ملامح مرحلة جديدة عبر تاريخها السياسي.
اندبندنت عربية