لا تبدأ الحروب عادةً بالقنابل، بل بالخطابات. في التاسع عشر من آذار/ مارس 2003، وقف الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أمام كاميرات المكتب البيضاوي ليُعلن لمواطنيه أنّ غاراتٍ جوية وعمليةً برية ستنطلق قريبًا نحو العراق. وعد بوش بالدفاع عن حرية بلاده وبنقل هذه الحرية إلى الآخرين، وأكّد أنّ النصر آتٍ لا محالة. أطلقت الإدارة الأميركية على حملتها اسم “عملية تحرير العراق”، وكأنّ الاسم وحده يكفي لتحويل احتلالٍ عسكري إلى مشروع إنساني. كان بوش قد قضى شهورًا يحذّر العالم من أسلحة دمارٍ شامل يملكها الرئيس العراقي صدام حسين، غير أنّ مجلس الأمن الدولي رفض منح تفويضٍ لأيّ تدخلٍ عسكري. ولأنّ الشرعية الدولية غابت، لجأ بوش إلى الحجج الأخلاقية بديلًا عنها.
سقطت القنابل الأولى في مساء ذلك اليوم نفسه على بغداد، ومن المؤكّد أنّ كثيرًا من العراقيين لم يشعروا بأيّ تحرير وهم يسمعون دويّ الانفجارات. حتى داخل الولايات المتحدة ذاتها، لم تمرّ هذه البلاغة بدون سخرية. بعد أيامٍ قليلة من بدء الحرب، ألقى مقدّم البرامج جاي لينو في برنامجه الليلي نكتةً لاذعة قال فيها إنّ العملية كان يُفترض أن تُسمّى “تحرير العراق” بالإنكليزية، أي Operation Iraqi Liberation، لكنّ أحدهم انتبه إلى أنّ الأحرف الأولى تشكّل اختصار O.I.L، أي “نفط”. لم تكن مجرّد طرفة عابرة، بل تحوّلت إلى قناعةٍ واسعة الانتشار: حين تتحدّث أميركا عن “الحرية”، فإنّها غالبًا تعني النفط أو مصالح اقتصادية أخرى.
ليس هذا الانطباع خاطئًا تمامًا. فمنذ تأسيسها عام 1776، خاضت الولايات المتحدة ما يتراوح بين 230 و500 نزاعٍ مسلّح، بحسب التعريف المُعتمد، ولم يكن عددٌ قليل منها يهدف إلى تأمين طرق التجارة والموارد الطبيعية وأرباح الشركات الكبرى. لكنّ المفارقة أنّ حرب العراق تحديدًا هي واحدة من الحالات التي يمكن التشكيك فيها بهذا التفسير. ثمّة مؤشراتٌ كثيرة تدلّ على أنّ بوش كان يعتقد فعلًا بأنّه يؤدّي رسالةً مقدّسة باسم الحرية. وربّما كانت المشكلة الحقيقية تكمن هنا بالذات: لم يكن الرجل يفتقر إلى الإيمان بالحرية، بل إلى فهم الطريقة التي تُبنى بها.
استخدم البشر مفهوم الحرية منذ القدم لتبرير حروبهم وثوراتهم. من الإغريق القدامى حتى النازيين، ومن نابليون إلى أسامة بن لادن، نصّب كلّ هؤلاء أنفسهم محرّرين. ولعلّ السبب في ذلك أنّ الجميع يتّفقون على أنّ الحرية أمرٌ مرغوب، لكن يظلّ المعنى الدقيق للكلمة ضبابيًا. هل هي حالةٌ جماعية أم حقٌّ فردي؟ هل تعني غياب الاستبداد أم القدرة على تحقيق الذات؟ هذا الغموض هو ما يجعل المصطلح أداةً طيّعة بيد أصحاب السلطة. من يرفع شعار الحرية يستطيع أن يُقحم فيه ما يشاء، ومن يقاتل تحت رايتها يشعر بأنّه على حقّ دائمًا. لم يتحدّث بلدٌ عن الحرية بمصداقيةٍ ظاهرية أكبر من الولايات المتحدة على مدى فتراتٍ طويلة. دولةٌ نشأت بوصفها مشروعًا ثوريًا تحرريًا، رفع إعلان استقلالها عام 1776 شعار “الحياة والحرية والسعي نحو السعادة” حقوقًا لا يجوز المساس بها. لكن هل يُلزم هذا الإعلان أميركا بأن تقف إلى جانب كلّ من يطالب بحريته في أيّ مكانٍ من العالم؟
لم تكن الحكومة الأميركية الأولى بقيادة جورج واشنطن قد أمضت ثلاثة أشهر في السلطة حين اندلعت الثورة الفرنسية في تموز/ يوليو 1789، واقتحم أهل باريس سجن الباستيل. كان توماس جيفرسون، المبعوث الأميركي في باريس آنذاك والذي أصبح لاحقًا وزيرًا للخارجية، متحمّسًا لوعود تلك الثورة بالحرية والمساواة والإخاء. رأى جيفرسون أنّ على أميركا الثورية أن تدعم حركات التحرّر حول العالم، وأن تتحوّل إلى ما أسماه “إمبراطورية حرية”، مع الاستعداد للتوسّع العسكري إذا اقتضت الضرورة، لا سيما في نصف الكرة الغربي. كان تفكير جيفرسون براغماتيًا في جوهره: إذا حصلت أممٌ أخرى على حريتها، فإنّها ستنتقل من خانة الأعداء إلى خانة الأصدقاء. لكنّ هذا الحماس بقي نظريًا، إذ حين تقدّمت الجيوش الملكية الأوروبية نحو باريس بعد ثلاث سنوات لإعادة الملك المخلوع، لم يرَ جيفرسون نفسه أنّ التدخل العسكري إلى جانب فرنسا فكرةٌ صائبة. كانت المخاطر الاقتصادية مرتفعة والجيش الأميركي ضعيفًا، فاختارت واشنطن الحياد.
مضى قرنٌ كامل قبل أن تُترجم الولايات المتحدة فكرة جيفرسون عن “إمبراطورية الحرية” إلى واقعٍ عسكري. في عام 1823، أعلن الرئيس جيمس مونرو مبدأه الشهير الذي حذّر الدول الأوروبية من محاولة استعادة مستعمراتها السابقة في أميركا اللاتينية، ونصّبت الولايات المتحدة نفسها حارسةً لنصف الكرة الغربي. وقد منح خطاب التحرير الحكومة الأميركية ذريعةً مناسبة لحماية مصالحها التجارية. حين قمعت إسبانيا حركة الاستقلال في كوبا عام 1898 واحتجزت مدنيين في معسكرات، هتفت الصحف الأميركية مطالبةً بتحرير الكوبيين من “الطغيان الإسباني”. أرسلت واشنطن جنودها فيما عُرف بالحرب الأميركية الإسبانية، وكان من بين أهدافها غير المُعلنة تأمين الممرّات البحرية في الكاريبي. في هافانا، استقبل الناس الأميركيين بوصفهم محرّرين، وتقول الروايات إنّ مشروب “كوبا ليبري” وُلد في تلك الأيام، حين مزج الجنود الأميركيون الرمّ بمشروب كوكا- كولا ورفعوا أنخابهم لكوبا الحرّة.
| تحرير باريس على يد القوات الأميركية من الاحتلال النازي في آغسطس/ آب سنة 1944، والنساء الفرنسيات يستقبلن الجنود الأميركيين |
غير أنّ ما جلبته أميركا إلى الجزيرة كان كوكا- كولا أكثر منه سيادةً حقيقية. فرضت واشنطن امتيازاتٍ اقتصادية أُدرجت في الدستور الكوبي ذاته، وحوّلت الجزيرة عمليًا إلى محمية تحت وصايتها. كذلك ضمّت الولايات المتحدة جزر بورتوريكو وغوام وهاواي التي احتلّتها خلال الحرب، من دون أن تمنح سكّانها أيّ شكلٍ من أشكال الاستقلال الفعلي. أمّا في الفلبين، فقد حاربت القوات الأميركية مقاتلي الاستقلال أنفسهم الذين كانوا قبل ذلك يواجهون الاستعمار الإسباني. كانت واشنطن تنظر إلى نفسها باعتبارها قوّةً تحريرية، لكنّها تجاهلت ما كان الفيلسوف البريطاني جون ستيوارت مِل قد صاغه بوضوح. ففي عام 1859، كتب مِل أنّ أيّ دولة تملك حقّ تقرير مصيرها حتى لو افتقر مواطنوها إلى مؤسساتٍ حرّة، وأنّ فرض الحرية بالقوّة العسكرية الخارجية يسلب تلك الدولة تقرير مصيرها بدلًا من أن يمنحها إيّاه. خلاصة مِل كانت بسيطةً وقاسية: لا يمكن لشعبٍ أن ينال حريته إلّا بجهده الذاتي، لا بواسطة جيشٍ أجنبي.
بدا أنّ الرئيس وودرو ويلسون أخذ هذا المبدأ بعين الاعتبار حين قاد بلاده إلى الحرب العالمية الأولى عام 1917. صحيح أنّه برّر التدخّل بشعار الحرية السياسية، مؤكّدًا أنّ “العالم يجب أن يصبح آمنًا للديمقراطية”، إلّا أنّ هدفه لم يكن إسقاط القيصر الألماني بقدر ما كان بناء نظامٍ دوليٍ جديد. وفعلًا، تولّى الثوار الألمان أنفسهم مهمّة تغيير النظام من الملكية إلى الجمهورية بعد هزيمة الحرب في 1918 و1919. اختلف الأمر في الحرب العالمية الثانية. واجه الرئيس فرانكلين روزفلت صعوبةً بالغة في إقناع الأميركيين بضرورة مساعدة بريطانيا ضدّ النازيين. “أميركا أوّلًا” كان شعار الانعزاليين في واشنطن، الذين تساءلوا عن جدوى التدخّل في أوروبا ما دام الأميركيون ينعمون بحريتهم. لكنّ روزفلت استعمل حيلةً بلاغية ذكية. في كانون الثاني/ يناير 1941، وقف أمام الكونغرس وعدّد أربع حريات تتمتّع بها الولايات المتحدة: حرية التعبير، وحرية العبادة، والتحرّر من العوز المادي، والتحرّر من الخوف العسكري. ثمّ حذّر من أنّ هذه الحريات الأربع باتت في خطر، وأنّ السفن الألمانية واليابانية قد تهدّد الشواطئ الأميركية قريبًا. أكّد روزفلت بصوتٍ مرتجف أنّ هذه الحريات ليست أميركية فحسب، بل هي حقوقٌ كونية تنطبق على “كلّ مكانٍ في العالم”. سرعان ما انتشر مفهوم “الحريات الأربع” على الطوابع البريدية واللوحات الفنية، لكنّ الأميركيين المتردّدين لم يقتنعوا بالحرب فعلًا إلّا بعد أن هاجمت الطائرات اليابانية ميناء بيرل هاربر في السابع من كانون الأول/ ديسمبر 1941، فأصبح التهديد محسوسًا ومباشرًا.
في تلك الحرب، لعبت القوات الأميركية دور المحرّر بالفعل. في باريس المُستعادة، تسلّقت النساء سيارات الجيب وقبّلن الجنود الأميركيين، وفي ألمانيا فتح هؤلاء أبواب معسكرات الاعتقال النازية. كذلك عثرت اليابان على طريقها نحو الديمقراطية تحت الاحتلال الأميركي. لكن يجب ألّا نغفل أنّ البلدين كانا يملكان تجربةً سابقة مع الحكم الديمقراطي، وأنّ الولايات المتحدة ضخّت مليارات الدولارات عبر مشروع مارشال لإعادة إعمار أوروبا. كان روزفلت قد أدرك هذا البعد الاقتصادي مبكّرًا: من يريد ترسيخ السلام والأمن عليه أوّلًا أن يُلبّي الحاجات الأساسية للناس. الخبز والوقود أوّلًا، ثمّ صناديق الاقتراع. ومع تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1945، أوجدت أميركا وحلفاؤها الإطار المؤسّسي الذي حمل رؤية روزفلت إلى العالم، وتسلّلت “الحريات الأربع” لاحقًا إلى نصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
لكنّ صورة أميركا بوصفها حامية العالم الحرّ لم تصمد طويلًا. في الحرب الباردة، وجدت واشنطن نفسها في مواجهةٍ وجودية مع الاتحاد السوفياتي، أو كما صاغها الرئيس دوايت أيزنهاور: “الحرية في مواجهة العبودية”. وباسم هذه المواجهة، لم تتردّد أميركا في الدوس على حقّ تقرير المصير لعشرات الدول. في عام 1953، دبّرت وكالة الاستخبارات المركزية انقلابًا في إيران أطاح برئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيًا محمد مصدّق. وبعد عامٍ واحد، موّلت واشنطن انقلابًا عسكريًا في غواتيمالا أزاح الرئيس خاكوبو أربينز. ثمّ توالت التدخّلات في الكونغو وإندونيسيا والبرازيل وتشيلي. هكذا تحوّلت حامية الحرية المزعومة إلى أنشط منفّذٍ للانقلابات في القرن العشرين. أحيانًا كان الدافع هو النفط، وأحيانًا الموز، لكنّه نادرًا ما كان منح الناس حياةً أكثر حرية.
تشير دراسةٌ أعدّها مركز كارنيغي للسلام الدولي إلى أنّ أميركا لم تنجح في القرن العشرين بأكمله سوى في أربع حالاتٍ فقط في إقامة ديمقراطياتٍ مستدامة عبر التدخّل العسكري: ألمانيا واليابان وبنما وجزيرة غرينادا الكاريبية عام 1983. يعلّق الباحث في شؤون الديمقراطية لاري دايموند، من جامعة ستانفورد، بأنّ هذا النوع من المشاريع “نادرًا ما ينجح”. يمكن للقوّة العسكرية أن تُنشئ شكلًا ديمقراطيًا، لكن حين يأتي هذا الشكل من الخارج، فإنّه يفتقر في الغالب إلى الشرعية لدى السكّان المحليين. مع انتصار أميركا في الحرب الباردة، ساد اعتقادٌ واسع بأنّ الحرية والديمقراطية ستنتصران حتمًا في كلّ مكان. حين وصل جورج دبليو بوش إلى الرئاسة عام 2001، كانت “الحرية” كلمته المفضّلة. في خطابٍ انتخابي واحد عام 1999، استخدم كلمتَي freedom وfree سبعًا وعشرين مرّة. دعا مستمعيه إلى الحلم بصين حرّة وروسيا حرّة. كان بوش المتديّن يعتبر الحرية “هبةً من الله” للبشرية جمعاء، كما وصف الصحافي روبرت درابر في كتابٍ عن بوش.
| الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس بعد اعتقالهما من قبل الولايات المتحدة عام 2026 |
ثمّ جاء الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وشاهد الأميركيون طائرتين تصطدمان ببرجَي مركز التجارة العالمي. سارع الرئيس إلى تعديل خطابه ليتناسب مع الكارثة: “أعداء الحرية ارتكبوا عملًا حربيًا ضدّ بلادنا”، أعلن أمام الكونغرس. تحوّلت “الحرية الأميركية” إلى صيحة حربٍ التفّ حولها بلدٌ مصدوم. سُمّي غزو أفغانستان في تشرين الأول/ أكتوبر 2001 بـ”عملية الحرية الدائمة”، في ادّعاءٍ بأنّه سيحمي حرية الأميركيين على المدى البعيد عبر منع هجماتٍ مستقبلية. يقول دايموند إنّ الولايات المتحدة عاشت بعد تلك الهجمات “حالةً من الذعر والارتياب”، وأرادت إعادة تشكيل العالم. في البداية، لم يكن الأمر يتعلّق بالنفط ولا بالديمقراطية.
لا يزال الاتّهام قائمًا بأنّ واشنطن غزت العراق أساسًا للسيطرة على احتياطياته النفطية. لكن إن كانت تلك هي الخطة السرية، فإنّها لم تُثمر لصالح شركات النفط الأميركية. بعد انتهاء الحرب، استحوذت شركاتٌ صينية وروسية على حصّة الأسد من عقود التنقيب في حقول العراق الأكثر ربحية. نائب الرئيس ديك تشيني والمحافظون الجدد كانوا يفكّرون بمنطق القوّة والنفوذ الجيوسياسي بالدرجة الأولى، لكنّ كثيرًا من الشهادات تُرجّح أنّ بوش نفسه كان مقتنعًا حقًا بخطابه عن الحرية. حين قال أحد مساعديه قبيل الحرب إنّ العراقيين لا يمكنهم العيش إلّا في ظلّ حكمٍ شمولي، ردّ بوش بغضب واصفًا هذا الكلام بالهراء، مؤكّدًا أنّ كلّ إنسانٍ يستحقّ الحرية. لكنّ المشكلة أنّه لم يفكّر كثيرًا في كيفية جعل هذه الحرية واقعًا مستدامًا. لم يُدرك، على عكس روزفلت، أنّ الحرية تحتاج إلى قاعدةٍ اقتصادية، ولم يستوعب، على عكس مِل، أنّ الشعوب تنتزع حريتها بأيديها لا بأيدي الغرباء.
عاش دايموند هذا الفشل في التخطيط عن قرب. في تشرين الأول/ أكتوبر 2003، أي بعد ستة أشهرٍ من بدء الحرب، اتّصلت مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس بمكتبه في جامعة ستانفورد وسألته إن كان مستعدًا للذهاب إلى العراق للمساعدة في صياغة دستورٍ جديد. كان دايموند قد عارض الحرب، لكنّه رأى فرصةً للمشاركة في عملية التحوّل الديمقراطي. أمضى أشهرًا عدّة في بغداد، والتقى مجموعاتٍ شبابية وناشطاتٍ في مجال حقوق المرأة ورجال دينٍ شيعة. يقول إنّه لمس حماسًا حقيقيًا لدى العراقيين ورغبةً صادقة في مستقبلٍ أكثر انفتاحًا. كانوا قد عاشوا 45 عامًا تحت حكمٍ استبدادي، وكانوا يعرفون معنى القمع جيّدًا.
لكنّ دايموند لاحظ أيضًا أنّ القيادة الأميركية كانت “متعجرفة”، تكاد لا تخرج من المنطقة الخضراء المحصّنة، وتفتقر إلى رؤيةٍ سياسية واضحة وإلى عددٍ كافٍ من الجنود لفرض الأمن. بعد وقتٍ قصير من سقوط النظام، بدأت ميليشياتٌ سنّية في شنّ هجمات، وانفجرت سيارات مفخّخة في شوارع بغداد تقتل جنودًا ومدنيين على حدٍّ سواء. ردّت القوات الأميركية بعنفٍ طاول أبرياء كثيرين، ففقدت تدريجيًا أيّ تأييدٍ شعبي. بحلول تشرين الأول/ أكتوبر 2003، أظهر استطلاعٌ للرأي أنّ ثلثي العراقيين باتوا ينظرون إلى الأميركيين بوصفهم محتلّين لا محرّرين. لم يكن أحدٌ تقريبًا يتمنّى عودة صدام حسين، بل كان الأمر يتعلّق بتقرير المصير. أحد شيوخ القرى عبّر عن ذلك بوضوح حين قال ما مفاده إنّ على الأميركيين أن يرافقوهم نحو الحرية من دون أن يوجّهوا أسلحتهم نحوهم، وإلّا فسيقاومونهم حتى يغادروا.
عاد دايموند إلى بلاده في نيسان/ أبريل 2004 محبطًا، وصبّ تجربته في كتابٍ حمل عنوان “النصر المُهدَر” صدر عام 2005. كانت الحرب قد حصدت حتى ذلك الحين أرواح مئات الآلاف من العراقيين، أولئك الذين أراد بوش أن يمنحهم “هبة الله في الحرية”. لاحقًا، غيّر خلفه باراك أوباما اسم العملية من “الحرية العراقية” إلى “الفجر الجديد”، وكأنّ الاسم القديم صار ثقيلًا لا يُطاق. شهد العراق بعض الاستقرار النسبي في السنوات الأخيرة، لكنّ سكّانه لا يتمتّعون بالحرية فعليًا حتى بعد عقدين من بدء الحرب. ويصنّف معهد “فريدم هاوس” النظام السياسي في العراق بأنّه “غير حرّ” رغم إجراء انتخاباتٍ دورية. وبفعل السنوات الطويلة والدامية والفاشلة في العراق وأفغانستان، ألحقت الولايات المتحدة ضررًا لا يُصلَح بسمعتها بوصفها قوّةً تحمل لواء الحرية.
الرئيس الحالي دونالد ترامب بدا لفترةٍ طويلة غير مهتمٍ بتوظيف بلاغة الحرية في سياسته الخارجية. حين أمر في كانون الثاني/ يناير 2026 بقصف فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، وصف ترامب الرئيس الفنزويلي بأنّه “رجلٌ سيّئ”، لكنّه لم يتردّد في القول صراحةً إنّه يريد أيضًا السيطرة على الاحتياطيات النفطية الفنزويلية. يمكن للمرء أن يرى في ذلك خيانةً للمُثُل الأميركية، أو أن يراه ببساطة صدقًا غير معهود.
لكنّ حتى ترامب يعرف القيمة الاستراتيجية لمفردة “الحرية”. بعد وقتٍ قصير من بدء الضربات على إيران في مطلع آذار/ مارس، تحدّث عن “ساعة الحرية” التي دقّت للشعب الإيراني، داعيًا إيّاه لاغتنام اللحظة والإطاحة بنظامه. قلّة من الناس صدّقت أنّ ترامب يهتمّ فعلًا بالمستقبل الديمقراطي لإيران. هو ببساطة يسير في تقليدٍ أميركي عريق: توظيف الحرية غطاءً أخلاقيًا لسياسات القوّة. لكنّ رئاسة ترامب المتّسمة بنزعاتٍ سلطوية متصاعدة تطرح سؤالًا إضافيًا لا يمكن تجاهله: كيف يمكن لدولةٍ أن تحمل الحرية إلى الآخرين وهي نفسها لم يبقَ لديها منها الكثير؟