يوليا يوزيك
بعد أسبوعين من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، يتوفر ما يسمح بالافتراض بأن النظام لن يسقط. وتنقل وكالة “رويترز” عن ثلاثة مصادر مطلعة على التقييمات، قولها إن “أجهزة الاستخبارات الأميركية تُرجّح أن القيادة الإيرانية ما زالت متماسكة إلى حد كبير، وأن النظام ليس مُعرّضاً لخطر الانهيار بعد نحو أسبوعين من القصف الأميركي والإسرائيلي”.
القصف الوحشي الذي يشنّه سلاح الجو الإسرائيلي وقاذفات B-52 الأميركية، يدمر مخازن الصواريخ تحت الأرض، والمباني الإدارية، والمنشآت الأمنية والعسكرية (معظمها يقع داخل أحياء سكنية)، والقصور، والمعالم المعمارية المدرجة على قائمة اليونسكو.
كان ترامب يضحك ضحكته المعهودة، وهو يروي في مؤتمر صحافي كيف أصدر الأمر بقصف سفينة إيرانية عائدة من مناورات في سريلانكا، مما أدى إلى غرق ما يقرب من مئة من أفراد الطاقم. لكن النظام لا يغرق، النظام صامد. بل وأكثر من ذلك، فقد بدأ الإيرانيون يدركون أن “أصدقاءهم” و”محرريهم” يريدون تدمير بلادهم.
محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والجنرال السابق في قوات الحرس الثوري، والذي يُعدّ الآن الشخصية العامة المسؤولة عن الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، ناشد المواطنين مؤخراً النزول إلى الشوارع ودعم البلاد والحكومة، وإظهار الوحدة في وجه العدو. وقال: “كل واحد منكم مهم للغاية الآن. يجب أن نقف جميعاً في الشوارع الآن ونُظهر تضامننا”.
بالطبع، لم يخرج كل إيراني إلى الشوارع لدعم السلطة التي احتج جزء من السكان ضدها قبل شهر واحد فقط، لكن الدعوة نجحت: فقد خرج عشرات الآلاف، إن لم يكن مئات الآلاف من الناس للإعلان عن اسم المرشد الأعلى الجديد مساء يوم 8 آذار/ مارس. كما خرجت حشود ضخمة لحضور جنازات العسكريين القتلى والضحايا الأبرياء للتفجيرات.
هذا لا يعني أنه تم التوصل إلى إجماع كامل في المجتمع الإيراني، ولكن من خصائص العقلية الإيرانية، التي أخطأ الأميركيون والإسرائيليون مرة أخرى في فهمها، أن الإيرانيين يتحدون بدلاً من أن يتفرقوا في مواجهة هجوم عسكري.
يكتب العديد من منتقدي ترامب أنه كان يفتقر إلى استراتيجية واضحة. لم تكن هناك خطة محددة لمن يُسلّم السلطة، كما كان الحال في فنزويلا، حيث سلمت نائبة الرئيس رودريغيز رئيسها مادورو. أنا متأكدة من وجود خطة كهذه، لكنها ليست خطة ترامب بالطبع، بل خطة نتنياهو، التي نُقلت إلى ترامب عبر كوشنير وويتكوف.
كانت الخطة تقضي بتصفية القيادة العسكرية والسياسية بأكملها (آية الله والحرس الثوري)، وعلى المرشد وابنه مجتبى، في عملية واحدة (ضربات متزامنة صباح يوم 28 شباط/ فبراير على مجمع المباني الذي يضم القيادة العليا، وعلى المدرسة في ميناب). وكانت الخطة تهدف إلى تصفية قيادة الحرس الثوري والإبقاء على الرئيس وفريقه على قيد الحياة، والذين كان من المفترض أن يستولوا بعد ذلك على زمام الأمور في البلاد بسرعة.
يُظهر هذا مرة أخرى الاحترافية العالية للجيشين الإسرائيلي والأميركي في التنفيذ الدقيق والسريع للخطة، ولكنه يُظهر فشل الاستراتيجية السياسية. تل أبيب لا تفهم بنية إيران، ولا نظام حكمها، ولا العقلية الإيرانية. “الثقة المفرطة بالنفس قضت حتى على الآلهة اليونانية”، فما بالك بطموحات سياسيين دنيويين يعتقدون أن بإمكانهم، بشحطة قلم وقنابل مضادة للتحصينات، إعادة رسم الخرائط السياسية والحدود، ومحو ليس الدول فقط ، بل والحضارات القديمة أيضاً.
لا يستطيع بيزشكيان الاستيلاء على السلطة في النظام الإيراني. فجماعة روحاني والخميني وخاتمي وغيرهم من الإصلاحيين الذين يقفون وراءه لا يسيطرون على الجيش الذي يضم ملايين الأفراد (عسكريين ومدنيين) ضمن منظومة الحرس الثوري والباسيج. وحين يتم اغتيال شخص سيتم استبداله بشخص آخر، إذ إن سحب ورقة واحدة من المجموعة لا يغير الوضع برمته.
بعد الاتصال الذي أجراه مع بوتين، أصدر بيزشكيان، بصفته واجهة الإصلاحيين المهادنين للغرب، بيانًا في اليوم التالي، اعتذر فيه لدول المنطقة عن تصرفات بلاده. وهو في الحقيقة قد رفع راية الاستسلام البيضاء. لكن النظام الحاكم برمته سارع إلى إخفاء هذه الراية. وإثر خطوته هذه تم تعليق أعمال مجلس القيادة المؤقتة (نتذكر أن بلاد فارس كانت ملكية لما يقرب من 2500 عام. وحتى الآن، كان المتظاهرون في الشوارع لا يزالون يدعون لعودة ولي عهد الشاه، مما يدل مرة أخرى على أن “الديمقراطية” ليست شكلاً مناسبًا للحكم في دول الشرق عمومًا والمنطقة خصوصًا).
لقد تم اختيار مجتبى خامنئي قائداً جديداً. أعتقد أن الحرس الثوري الإيراني فعل ذلك لوضع حد لمؤامرات الإصلاحيين ومكائدهم، الذين سعوا باستمرار للظهور رافعين الراية البيضاء، وحث ترامب على دعم موجات جديدة من الدمار ودعم الانتفاضة. وبالرغم من انتخابه، لم يظهر الزعيم الجديد علنًا للجمهور. من جهة، يُعدّ هذا الأمر منطقيًا من وجهة نظر أمنية في زمن الحرب، نظرًا لكونه الهدف الأول لإسرائيل (راجع الهامش).
لكن بيزشكيان أعطى إشارة أخرى – فقد زُعم أنه زار المستشفى حيث يرقد مجتبى خامنئي في حالة خطيرة بعد إصابته (كتبت في مقالتي الأخيرة عن افتراضي أنه في 28 شباط/ فبراير ربما كان في المدرسة نفسها في ميناب التي قصفتها الولايات المتحدة بصاروخين من طراز توماهوك على فترات لتحقيق أقصى قدر من موثوقية إصابة الهدف). وقام على الفور بتسريب معلومات عن حالته إلى الغرب.
إن حقيقة أن الزعيم الصيني شي جين بينغ لم ينشر بعد برقية رسمية يهنئ فيها الزعيم الجديد لشريكه الاستراتيجي، هي تأكيد غير مباشر على أن المخابرات الصينية ليست واثقة من بقائه على قيد الحياة.
ووجدت الخارجية الإيرانية نفسها مضطرة للتأكيد بأن مجتبى خامنئي قد أصيب بجروح، لكنه الآن بصحة جيدة وفي مكان آمن.
وإذا كان هذا هو الحال بالفعل، وأُصيب الزعيم الجديد بجروح خطيرة، فسيكون ذلك درساً مزدوجاً لمُفتعلي هذه الحرب: إيران لا تُدار من قِبل فرد واحد، بل من قِبل نظام حكم بيروقراطي معقد يعتمد على القوة، ومُصمم لمقاومة الأزمات والحروب الطويلة (كالحرب التي دامت ثماني سنوات مع صدام)، والعقوبات، والأزمات الاقتصادية. وسيستمر هذا النظام في العمل لاحقاً.
إيران ليست فنزويلا على الإطلاق. ولن يُجدي نفعاً هنا فيلم أميركي مليء بالإثارة لخلق صورة تلفزيونية مذهلة ومرعبة. وإذا كان الأميركيون سبق أن غرقوا في فيتنام، فماذا يُمكننا أن نقول عن إيران، بتاريخها العريق الممتد لـ2500 عام من الدولة والبقاء؟
الجانب السلبي في هذه القصة يتمثل في محاولة توريط جيران إيران العرب، الذين كانت تربطها ببعضهم علاقات جيدة (مثل قطر وعُمان وغيرهما)، في الصراع. والأسوأ من ذلك أن هذا الصراع المحلي ينتشر في جميع أنحاء المنطقة، ويُزعزع الأسواق العالمية بالفعل، مُنذراً بأزمة غذاء لتلك الدول العربية نفسها.
والجانب الإيجابي الجيد، يتمثل في أن أن بعض الأطراف التي كان يراهن عليها لزعزعة الاستقرار قد رفضت (على الأقل في الوقت الراهن) التدخل في إيران ومحاولة تقسيم البلاد (إذ كان من المستبعد نجاح ذلك في ظل الوضع الراهن). فقد توقف الأكراد وعلييف مؤقتاً، إذ يبدو أنهم أدركوا أن العدو لم يضعف بعد إلى درجة تمكنهم من مهاجمته ومحاولة انتزاع جزء منه.
الإيرانيون لم يستسلموا، بل رفعوا سقف التحدي إلى عنان السماء. وكما كتب أمس بعدة لغات علي لاريجاني، رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي: “سيكون مضيق هرمز إما مضيق صداقة وسلام وازدهار للجميع، أو لن يكون لأحد”.
إيران تجبر دول الخليج، ثم الاتحاد الأوروبي والأسواق العالمية، على مطالبة ترامب ونتنياهو بالتصعيد وإنهاء الحرب.
نحن لا نعرف كيف ستنتهي هذه الأزمة ومتى، لكننا نأمل ألا تقع مسؤوليتها على عاتق شخص واحد أو ولاية واحدة تسببت في اندلاعها. ولا نتحدث هنا حتى عن ترامب، رغم أن فرص الجمهوريين في الفوز بالكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر تتضاءل يوماً بعد يوم.
(هامش): في صباح الثاني عشر من مارس، أُعلن عن خطاب الزعيم الجديد للأمة. كان الجميع يأملون برؤيته حيًا بعد الهجمات الأميركية، وأن يُبدد كل الشائعات والتكهنات حول حالته. إلا أنه لم يظهر قط عبر الفيديو. قرأ مذيع التلفزيون الرسمي بيان الزعيم، وتناقلت وسائل الإعلام الاقتباس. لم يظهر صوته ولا صورته، مما أثار المزيد من التساؤلات حول حالته الصحية.